حوار مع محمود الريماوي: «صحفيّ في النهار وقاصّ في الليل»

تصوير محمد اغباري

حوار مع محمود الريماوي: «صحفيّ في النهار وقاصّ في الليل»

الأحد 29 تموز 2018

(على مدى الأشهر القادمة، تنشر حبر وبالتعاون مع جريدة أخبار الأدب المصرية، مجموعة من المقابلات التي أجراها القاص هشام البستاني مع باقة من كتّاب القصة القصيرة في العالم العربي)

تعرّفتُ على محمود الرّيماوي شخصيًّا، بعد معرفتي الأسبق به من خلال نصوصه الأدبيّة، إثر سجالٍ أدبيّ دار بيننا على صفحات جريدة «الرأي» الأردنيّة عام 2010 في مقالات ثلاثة، موضوعها: آفاق القصّة القصيرة، وآليّات تجديدها شكلًا وموضوعًا، وما وصفتُهُ بـ«محاولات ترويضها» عبر مُصادرة إمكانيّاتها التجريبيّة. ورغم أنّ الرّيماوي قاصّ مخضرم، صاحب تجربة طويلة، وأنا القاصّ الذي ما يزال -حينها- في مفتتح طريق الكتابة، إلا أنّه تكشّف عن إنسانٍ صاحب سعة صدر، وحبّ للحوار، ديمقراطيّ، لا يخجل أو يترفّع عن سجال من هم أقلّ منه سنًّا وأحدث تجربةً. هكذا تولّد عندي، رغم اختلاف وجهات النّظر، احترامٌ عميقٌ لهذا الرّجل، عزّز احترامي له أدبيًّا، وشكّل مدخلًا لمعرفةٍ شخصيّةٍ.

ولد محمود الرّيماوي، كما يشي اسمه، في قرية بيت ريما، القريبة من رام الله في فلسطين، بعد أشهر قليلة من النّكبة، تحديدًا في 21 / 10 / 1948. تلقّى تعليمه الابتدائيّ والإعداديّ والثانويّ في أريحا، التي تظهر كثيرًا في قصصه باعتبارها مدينة الصّبا وأوائل الشّباب، ثم درس الصفّ الثانويّ الأخير في الكليّة الإبراهيميّة بالقدس، لكنّه أنهاه في عمّان إذ حال العدوان الإسرائيلي عام 1967 على الضفّة الغربيّة، واحتلاله إيّاها، من بقاء الرّيماوي في القدس.

الرّيماوي صحفيّ محترف، عمل أوّلًا في الكويت؛ محرّرًا وكاتبًا وسكرتيرًا للتّحرير في صحيفة «الوطن»، ثم في الأردن كاتبًا لمقال يوميّ في صحيفة الرأي، وترأس قسمها الثقافيّ، وأشرف على صفحات المقالات فيها، لعدّة أعوام. ترأس تحرير صحيفة «السّجل» الأسبوعية الأردنية منذ صدورها عام 2007 حتى توقّفها عام 2009، وهو يرأس تحرير الصّحيفة الثّقافية الإلكترونية «قاب قوسين»، التي أسّسها بنفسه، وبدأت بالصدور 2010.

حاز الرّيماوي على عدّة جوائز، وفي رصيده -لغاية الآن- أربع عشرة مجموعة قصصية، وروايتان، آخرها المجموعة القصصيّة «ضيف على العالم» (2017)، وما زالت شهيّته مفتوحة على إصدار المزيد، كما آمل.

هشام البستاني: محمود الريماوي، أنت معروفٌ اليوم في العالم العربيّ، ككاتب مخضرم للقصّة القصيرة، ولن يعرف كثيرون أنّك كنت –وما زلت إلى درجةٍ ما- صحفيًّا محترفًا، كان له دور وازن في الصحافة الكويتيّة وتأسيسها، ولاحقًا في الصّحافة الأردنيّة. من الذي ولد أوّلًا: الصحفيّ، أم القاص؟ وكيف يعرّف محمود الريماوي نفسه اليوم بعد تجربته الطويلة في الحقلين، أم أن الريماوي يشتقّ لنفسه تعريفًا آخر من خارجهما؟

محمود الريماوي: أعرّف نفسي بكاتب. الكتابة تشمل مختلف أجناس الإبداع والتأليف. هذا أفضل من التعريف بـ«قاص إعلامي» مثلًا؛ وإن كان يستهويني تندّر من قبيل: صحفيّ في النهار وقاصّ في الليل! أنا مُقلّ في الكتابة القصصية، قصة كل بضعة أشهر، فماذا أفعل خلال تلك الفترة بين قصّة وقصّة؟ هل أظل في انتظار الإلهام؟! لا. بل أكتب مقالات. وشاءت الظروف أن أكتب مقالات سياسيّة وليس أدبيّة، وذلك بحكم عملي في الصّحافة. المقالات أو التّحليلات أو التّعليقات تتيح لك أن تقول ما تريده بصورة مباشرة، خلافًا للقصة التي تعتمد الايحاء والتّكثيف والتّرميز. وبينما ينشط الإبداع في منطقة اللّاوعي أولًا، قبل أن يقوم الانتباه العقليّ بالتّنظيم، فإن الكتابة السياسيّة تنهل من الواقع، وتحتكم إلى العقل. لا أملك –بصراحة- أن أعطي نفسي كُليّةً للإبداع كما كان يفعل أدباء كبار مثل ديستويفسكي وغيره، وإن كنت أتمنى نظريًّا ذلك، فثمّة أبعاد في شخصيتي تستحقّ إيلاءها الاهتمام. ولكوني مواطنًا وشخصًا يعيش في مجتمع، ولكوننا نعيش أزمات طاحنة وعلى مستوىً وجودي، يبدو الانقطاع إلى الأدب وحده ضربًا من التّرف، وحتى من الأنانيّة. أسمع من زملاء أنهم لا يتابعون الأخبار، ويدهشني ذلك. أغبطهم من جهة، وأستغرب أشد الاستغراب من جهة ثانية، لكونهم غير معنيّين بمعرفة ما يدور حولهم. فالكاتب -كي يكون كاتبًا- لا بدّ أن يكون قارئًا وسامعًا ورائيًا. إذن أنا كاتب، محضُ كاتب.

في عالم القصّة القصيرة يتم التطرّق كثيرًا إلى علاقة كبيرة بينها وبين الصّحافة، بل إن البعض يربط بين نشأتهما، وثمّة زمن كانت القصّة القصيرة فيه صاعدة ومنتشرة حين كانت تنشر في الصّحف، وينتظرها القرّاء. ما زالت آثار تلك الحقبة قائمة اليوم في كبريات المجلّات الأمريكيّة الأسبوعيّة ذات الطابع التحليليّ الإخباريّ، مثل «ذي نيويوركر» و«أتلانتِك»، التي تستمرّ بنشر القصص القصيرة في أعدادها، وتحتفي بها. هل كانت هناك فترة شبيهة بهذا في صحف العالم العربيّ؟ ولم انتهت هذه العلاقة، وانتقلت -في أحسن الأحوال- إلى الملاحق الثقافية القليلة التي تنشرها دون مكافأة للكاتب، ودون أن تحقّق له وصولًا واسعًا؟

نعم صحيح. في ستينيّات القرن الماضي كانت مجلّات مصريّة ولبنانيّة تعنى بنشر القصص، ثم انتقل الاهتمام إلى الصّحف. كان هناك -وما يزال، وإن بصورة أقلّ بكثير- طلب على القصص، لأن حجم القصّة يتناسب مع الموادّ الصحفيّة الأخرى، فلا يمكن نشر رواية في صحيفة مثلًا، وإن كانت المجلّات والصّحف المصريّة انفردت بنشر روايات متسلسلة لإحسان عبدالقدّوس، وفتحي غانم، ويوسف إدريس. معظم القاصّين بدأوا النّشر في الصّحف ولاحقًا في مجلّات أدبيّة. كان للصّحافة في وقت مضى هيبة واحترام، وكانت هناك ردود من المحرّر على القصص التي لا تجد طريقها إلى النّشر. لم تكن هناك ديمقراطيّة وسائل الاتّصال الاجتماعيّ التي نلحظها اليوم! ومن لم يكن يتوسّم في نفسه الموهبة والمراس، لم يكن يقحم نفسه في الكتابة. الآن تغيرت الدّنيا وأصبح الشّاطر بشطارته! لم تكن هناك نخبويّة، بل معايير وضوابط، ونوع من «التقديس» للإبداع، وكان الكتّاب قليلي العدد. أما الآن فالكتّاب أكثر من القراء. عندنا في الأردن، فإن معظم القاصّين ظهروا بداية على صفحات الملاحق الثقافيّة الأسبوعيّة منذ أواخر سبعينيّات القرن الماضي. وبالإضافة إلى الصّحف، هناك المجلات الأدبيّة التي كانت ذائعة الصّيت مثل مجلّة «الآداب» اللبنانيّة، و«المجلّة» المصريّة، و«الأفق الجديد» المقدسيّة، و«الأقلام» العراقيّة. لكن لا الملاحق الثقافيّة ولا المجلات الأدبيّة كان لها حضور جماهيريّ واسع. القارئ «العاديّ» لا ينجذب إليها، والكاتب في مجتمعاتنا شبه معزول اجتماعيًّا، وعالمه يتألّف من حلقات الأصدقاء والزّملاء، وحتى هذه الظّاهرة على وشك الانقراض، فالكلّ يعيش الآن في عالمه الإلكترونيّ والافتراضيّ الخاصّ به.

لا بدّ لنا من مقاربة تأثير الصحافة على نصوصك القصصيّة، والعكس: تأثير كتابتك للأدب على كتاباتك الصحفيّة (الخبر، والمقالة)؟ أنا أجد أن الكثير من نصوصك القصصيّة تستبطن (بلغتها، وبموقع السّارد فيها) حياد الصحفيّ من جهة، وعينه اللاقطة من جهة ثانية: لا تحمل قصصك «مشاعر» متأجّجة تجاه الحدث القصصي الذي يرويه سارد «محايد» أو «بارد» أو «موضوعي» أو «متشكّك»، حتى ولو كان الحدث القصصي متعلّقًا به. هل تجد معي أن هذا التأثير قادم من عالم الصحافة إلى عالمك القصصي؟

كنت -وما زلت- أتمنى لو أكتب بـ» حياد» أكبر وأكثر؛ بأن تكون تدخّلات السّارد أو الرّاوي أقل. وإذا كان هناك تأثير للصّحافة (وهو موجود وقائم) فهو في نزعة التّدخل، وليس في «الحياد» أو «النأي بالنّفس» حسب تعبير سياسيّ دارج في هذه الآونة. تعرف أن هناك أساليب مختلفة للكتابة القصصيّة، وأحيانًا يكون التّدخل مقبولًا أو سائغًا، وأحيانًا يبدو زائدًا عن الحدّ، المهم ألّا يتدخل القاصّ في الرّؤية الكليّة للقصّة ويترك الأمر للقارئ، حتى لو كانت هناك تدخلّات (تعليقات، شروح، استدراكات، إحالات) في ثنايا القصّة، وأن يكون كلّ الكلام الذي يُقال مباشرة ليس هو في المحصّلة «رسالة القصّة».

تنبع تدخّلاتي من عدّة نوازع، منها النّازع التحليليّ للجوانب الداخليّة للشخصيّات، وهو ما لا أملك دائمًا كبحه أو الاستغناء عنه، والتّضحية به؛ ومنها نازع شعريّ (لديّ في داخلي شاعر شبه مقموع)؛ ومنها نازع تأمليّ محض؛ وأخيرًا، قد يكون هناك تأثير للصّحافة (الأداء الصحفيّ) من حيث توخّي الوضوح، والدّقة التعبيريّة، ومخاطبة قارئ راهن (لا مخاطبة السّديم)، ففي الصّحافة يكتب الصحفيّ أو الكاتب الصحفيّ لقارئ موجود في المجتمع وفي الحياة، بينما في الأدب، يكتب الكاتب لقارئ مجهول، ولعلّي وطّنت نفسي لا شعوريًّا، شيئًا فشيئًا، على مخاطبة قارئ حاضر وعلى مقربةٍ مني، وذلك بتأثير الصّحافة، هذا فضلًا عن الاحتكاك بالواقع الحياتيّ واليوميّ. وثمة تأثير آخر على اللّغة: فالبلاغة يجب أن تكون منضبطة وبحدود، ووضوح التّعبير ودقّته مطلوبان دائمًا، وكما ترى فإنها انعكاسات إيجابية.

لكوني مواطنًا وشخصًا يعيش في مجتمع، ولكوننا نعيش أزمات طاحنة وعلى مستوىً وجودي، يبدو الانقطاع إلى الأدب وحده ضربًا من التّرف، وحتى من الأنانيّة

لكن السلبيّ في الأمر هو بلبلة الذّهن. أحتاج أن أخلع رأس الصحفيّ وأضع مكانه رأس القاصّ السّارد. ومع الوقت اعتدتُ الفصل بين الصّحافة والأدب. فما أسهل أن تنشأ تأثيرات ضارّة متبادلة بين الحقلين. أما ما تسميّه الكتابة الباردة، أو الموضوعيّة، فهي ميزة للكتابة نجدها عند همنجواي، وكافكا، وماركيز، وبورخيس في قصصه، وآخرين. تحت البرود هناك شعلة الإبداع، شعلة بناء حياة موازية للحياة العاديّة، علاوة على العاطفة الجيّاشة الكامنة والثّاوية في قرارة النصّ البارد. فالبرود هنا خيار فنيّ، وليس تعبيرًا عن نقص في عاطفة الكاتب. وهو، أي البرود، جزء من مكر الكتابة. وتبدو لي الكتابة الباردة أصعب من الكتابة الحارّة، إذ تتمّ المراهنة فيها على التّفاعلات النفسيّة لدى القارىء دون أيّة إثارة أو تهييج، وذلك بدل إبداء عواطف مباشرة نجدها –مثلًا- عند تشيخوف الذي لا تخلو كتابته، رغم تميّزه وموهبته الرّائعة، من نزعة وعظيّة و«إنسانويّة» مفرطة. على الكاتب أن يكبح عواطفه، تمامًا مثل الكوميديّ المدعوّ لكبح ضحكاته. أُنظر إلى سحنات شارلي شابلن، أو الممثّل البريطانيّ الذي يؤدّي دور «مستر بين»، وودي آلِن في أفلامه، ورسّام الكاريكاتير الفلسطينيّ ناجي العلي: وجوههم ساهمة، حزينة، وشاردة؛ وكل منهم يختزن ويعبّر عن سخرية غنيّة وعميقة. همنجواي وفرجينيا وولف «الباردان» انتهيا بالانتحار: هذا دليل المشاعر المضطربة المتأجّجة داخلهما.

سؤالي الآن بالاتّجاه المعاكس: نجد عند ثقافات أخرى جنسٌ أدبيّ لا مثيل له في الأدب العربيّ، هو الكتابة الأدبيّة غير المُتخيّلة (Literary non-fiction): النصوص التي تتناول مسائل أو أحداثًا حقيقيّة، واقعيّة، غير متخيّلة، لكنّها مكتوبة بلغة وتقنيّات وأشكال الكتابة الأدبيّة؛ كما نجد في الصحافة أيضًا جنسًا غير دارج في الصحافة العربيّة، هو «القصة الصحفيّة»، حيث يقوم الصحفي بكتابة تغطية واسعة لمسألة ما بشكل فيه تشويق، ويستعير أيضًا بعض أدوات الأدب. لمَ، برأيك، لا توجد هذه الأشكال الكتابية في عالم الأدب والصّحافة العربيّين؟ وهل تسلّل تأثير ما من الأدب إلى كتاباتك الصحفيّة؟

هذا سؤال شيّق. أعتقد أنّ الصّنف السرديّ الذي تُشير إليه ينتشر في أميركا على الخصوص. إنّه شكل آخر من أشكال الواقعيّة. نوع من العودة «الخلاّقة» الى الوراء. نشأنا نحن على نبذ ما يسمى «الواقعيّة الفوتوغرافيّة» أو الحرْفيّة التي تناظر الواقع (تكون نظيرًا ومرآة له) وتبنّي واقعيّة تكسر قشرة الواقع، وتذهب إلى أحشائه وممكناته واستيهاماته، بما في ذلك الأحلام، بينما يعودون هم إلى الالتصاق بالواقع في أكثر أشكاله حسيّة وعاديّةً من أجل التقاط ما هو جوهريّ واستثنائيّ في حياة يوميّة مألوفة. مع كسر الإيهام الأدبيّ، فالمسمّيات الحقيقيّة هي المسمّيات نفسها في النصّ السرديّ: نوع المشروب، وحجم الزّجاجة، ولونها، وسعرها، واسم الحانة، وموقعها، واسم عامل الخدمة، لكن الكاتب مضطر -كما أحسب- إلى قليل من «الكذب» لتوسيع نطاق القصّة؛ أن يكتب مثلًا عن أشياء لم تحدث ولكنّها قابلة للحدوث. فالناس لا يعيشون بسلوكهم وحركاتهم وسكناتهم فقط، بل يعيشون بهواجسهم وأحلامهم وذكرياتهم، وهذه لا تبدو على هيئتهم الظّاهرة، وبالتّالي فإن توسيع المنظور سيؤدي للاستعانة بشيء من الخيال لتوسيع رقعة الواقع، ومن ثمّ المغادرة التدريجيّة لهذا النمط من الكتابة، التي تطمح لأن تبدأ من الواقع المعاش وتنتهي إليه أو به. ومن دون أن أكون متابعًا جيّدًا لهذا النمط، يخيّل لي أن ثمة محاذير تحفّ به، ومنزلقات يسهل الوقوع فيها.

أما لماذا لم يصل هذا اللّون إلى أدبنا العربيّ الحديث، فلأنّنا نشأنا على تقديس عنصر الخيال في السّرد الإبداعي، والاقتراب من الواقع من أجل تصعيده وتصييره خيالًا، لا من أجل البقاء في منطقته ومنطقه؛ حتى أن كثيرين يعتبرون أن استلهام الكاتب لتجارب ووقائع من حياته الشخصيّة ليس أمرًا محمودًا! إذًا، عليه أن يخترع شيئًا جديدًا، لا أن يكتب من وحي ما عاشه وشهده. وقد أُخذ هذا المأخذ على الروائيّ المصريّ «الفطريّ» خيري شلبي، صاحب السّبعين رواية، مع أن الكاتب حرّ في اختيار مصادره ومراجعه، وأوّل هذه المصادر حياته وتجاربه وسيرته. على أن هناك كاتب كويتيّ جيّد، هو طالب الرفاعي، يستند في رواياته إلى وقائع عاشها بنفسه، واسمه الحقيقيّ يرد في رواياته باستثناء رواية واحدة.

فيما يتعلق بالشّطر الثاني من السؤال، عن القصص الإخباريّة بصياغتها الأدبيّة السرديّة مع اقترانها بالمعلومات، وغيابها عن صحافتنا العربيّة، فذلك يؤخذ بالفعل على صحافتنا التي تظلّ أقل تطورًا عما هي عليه الصّحافة في الغرب، وإن كانت هناك بوادر من هذا القبيل في الصّحافة اللّبنانيّة. كتابات حازم صاغيّة مثلًا لا تقتصر على التّعليقات، ومثلها بعض كتابات أمجد ناصر الصحفيّة؛ وثمة كتابات صحفيّة في المغرب تنحو أيضًا هذا المنحى.

كتبتَ القصّة القصيرة جدًّا في مجموعاتك الاولى، ومنذ نهاية الستّينيّات، دون أن يكون حينها «تيّارٌ» (يتصاعد صوته اليوم) ينادي بأن القصّة القصيرة جدًّا جنسٌ متميّزٌ بذاته، منفصل عن غيره، وله سماته ومحدّداته، الخ. ككاتب قصّة (بكلّ أنواعها)، أجد نفسي لا أميل على الإطلاق إلى مثل هذا «الفصل»، ولا أجد أن مهمّة الكاتب تتعلّق بتجنيس الكتابة وصناعة حدود حول أنواعها، بقدر ما هي اكتشافٌ مستمرٌّ لإمكانيّات الكتابة، وبالتالي كسر حدود الأجناس. كيف تنظر أنت إلى هذه القضايا؟

انظر إليها كما تنظر إليها، وكما يتبدّى في سؤالك. السرد القصصيّ بالغ المرونة ويفتح مجالًا للتّجريب، وقابلٌ أيضًا لعدم التجريب! بمعنى أن يكتب كاتب قصة أقرب إلى حكاية وبصيغة شبه تقليدية (موباسينيّة أو تشيخوفيّة) وتكون شيّقة بالفعل. وعندي أن الحداثة هي هذه المرونة. أن لا يحبس الكاتب نفسه لا في قفص تقليديّ ولا حداثيّ. أن لا يكتب على الكاتالوج، بل وفق إيقاع روحه وشخصيته. وبصراحة، لست مولعًا بالتّنظير حول هذه المسائل، فكما أن الحياة تتّسع لأنماط من أساليب الحياة، كذلك الإبداع؛ وقد تروقني قصّة مكتوبة بطريقة خاطئة، أو ضعيفة بعض الشيء، إذا كان موضوعها شيّقًا أو جديدًا مثلًا. طبعًا من الأفضل أن يتجاور الأداء الجيّد مع المضمون الجيّد، لكن ماذا تفعل إذا كان الكاتب هو كذلك، ولا يبالي كثيرًا بالفنّ. هناك كتّاب ممتعون من دون أن يكونوا بارعين فنيًّا مثل خيري شلبي الذي أتيت على ذكره قبل قليل؛ وهناك كتّاب بارعون فنيًّا وغير ممتعين مثل الفرنسي ألان روب غرييه.

أجل كتبت ما يسمى بالقصّة القصيرة جدًا في وقت مبكر(أواخر السّتينيّات)، ولم يكن فيه هذا اللّون شائعًا أبدًا، فقد خفقت روحي لهذا اللّون من الكتابة القصصيّة، ولكني لم أتقيد به، وإن واظبت على كتابته بين آونة وأخرى. للقاصّ أن يكتب قصّة في خمسة سطور، أو في 5 آلاف كلمة، هو حرّ. المهم أن يكون أصيلًا ومقنعًا، وألا يكون عبدًا للشّكليّات والقوالب قديمها وجديدها، أو للشكلانيّة. في عالم الأدب -كما تعرف- تروّج شعارات كثيرة لا تقل عن شعارات الحقل السياسيّ. المهم هو التّأثير في القارئ أو إقناعه، وأعني هنا بالقارئ ذاك المتوسّط الثقافة فأعلى. وكما أن هناك كتّابًا لا يحسنون الكتابة، كذلك هناك قرّاء كثر لا يحسنون القراءة، ويتوقّعون أشياء على مقاس ما خبروه في حياتهم، أو قرأوه من قبل. هؤلاء لا يعوّل عليهم. أنا مع كسر الحدود بين الأجناس الإبداعية، على ألا يكون ذلك متعمّدًا، أو هدفًا بحدّ ذاته، أو مدخلًا واجب الدّخول منه، بل أن يقود النصّ بطريقة عضويّة إلى هذا الكسر. قرأت مرة رواية في حوالي 300 صفحة نصفها تقريبًا مقالات! الرواية لجي إم كويتزي الحائز على نوبل عام 2003، ومع ذلك كان الأمر مقنعًا وليس ثقيلًا، لأن بطل الرواية يمتهن كتابة المقالات. هذا نموذج لكسر الحدود بين الأجناس.

في تصدير مجموعتك القصصيّة الأخيرة «ضيفٌ على العالم» (2017)، اقتبست من مقالة لعوّاد علي، يقتبس هو فيها بدوره من عدّة نقّاد ما يفيد بأن القصّة هي «التاريخ الذي تلتقي فيه الشخصيّة بحادثة حاسمة، أو أزمة»، الأمر الذي يأخذني إلى تعريف القصّة القصيرة، وعناصرها الأساسيّة. كثيرًا ما أُشير إلى «الحدث» (event) باعتباره الرّكن الأساسي في تعريف القصّة القصيرة، إلى جوار الأركان الأخرى التي أعتبرها أقل أهميّة، فالقصّة هي فنّ «الحدث» والغوص في أعماقه ودلالاته ووجوهه المتعدّدة؛ بينما تلعب الشخصيّات وتطوّرها وعلاقاتها هذا الدور المحوريّ في الرواية. كيف تعرّف أنت القصّة القصيرة، اليوم، بعد كثير من التطوّرات والتغيّرات التي حصلت على شكل وتقنيّات هذا الجنس الأدبيّ الذي لا يتوقّف عن التطوّر والتغيّر؟

الحدث المقصود يمكن أن يكون ماديًّا، كوقوع البطل في الحب أو فقدان شيء عزيز، وقد يكون نفسيًّا، كأن تتحسّن حالة البطل بعد أن شهد حلمًا جميلًا، أو أن تسوء حالته مع رؤية كابوس، أو أن يقع في البلبلة نتيجة غموض حلم رآه (وما أكثر الأحلام الغامضة!)، أو حتى أن يكون الأمر أبسط من ذلك، كأن تهجم عليه فجأة ذكرى قديمة، فيما هو ينتقي حبّات من الخضار عند بائع. وعليه فالحدث مقترن بالحركة الجسديّة أو الشعوريّة، وهو محور القصّة.

ليس لديّ تعريف جامع مانع للقصة؛ ربما لو كان لديّ مثل هذا التّعريف لتوقّفت عن الكتابة. الكتابة رحلة اكتشاف، وكثيرًا ما بدأت أكتب قصّة ما، بتصوّر ما، وإذا بها تتكشّف عن أخرى تحت سطحها، أو تقود نحو قصّة أخرى لم يكن مُفكرًّا بها. عربيًّا، تعرف أنّه قد ثار جدل طويل غطّى النصف الثّاني من القرن العشرين حول الشّعر وتجديده، لأن تراثنا القديم والوسيط زاخر بالشعر، ذاكرتنا الثّقافية مثقلة بالشّعر، خلافًا لفنّ القصّة المستحدث نسبيًّا، والذي بالكاد عمره مئة عام. لا نتحدّث عن بذور القصّة في المقامات، وفي ألف ليلة وليلة، وفي حكايات التّراث الشعبيّ، بل عن القصّة التي عرفها الغرب قبلنا بنحو قرنين. وبالتّالي، ولأننا لا نملك تراثًا ممتدًّا لهذا الفنّ السرديّ، يسهل الخوض في معترك السّرد بعيدًا عن أي قداسة لأشكال متوارثة، أو أنماط غائرة في الذاكرة. عليّ هنا أن أعود إلى مسألة المرونة، المقترنة بالحيويّة، ومن خلالها أتعرّف على القصّة، وأعرفها، كإضاءة موقف أو مشهد أو واقعة، بالانطلاق من حدث مهما كان ضئيلًا (كالقيام بربط خيط الحذاء)، على أن يتعهّد الكاتب هذا الحدث بالنموّ مهما كان بطيئًا او محدودًا، إلى أن تقع لحظة انكسار أو صعود أو انكشاف.

تبدو لي الكتابة الباردة أصعب من الكتابة الحارّة، إذ تتمّ المراهنة فيها على التّفاعلات النفسيّة لدى القارىء دون أيّة إثارة أو تهييج، وذلك بدل إبداء عواطف مباشرة

يمكن الحديث عن الزّمان أو المكان، لكن من الممكن التّضحية بأحدهما وتنجو القصة! شخصيًّا يشدّني الزّمان أكثر من المكان؛ ووصف الشّخصيّة أكثر من وصف المكان؛ والحوار أكثر من استرجاع ذكريات بتفاصيلها. وأنحو نحو الضّغط والتّكثيف، وهي طباع شعريّة، رغم أنّي كثيرًا ما أقاوم المبالغة في التّكثيف. المهم أن يكون هناك «هارموني»، وإيقاع نابض للقصّة، وقدر من التّشويق (فمن الظلم التسبب بالملل للقارئ، وهذا القارىء قد يكون الكاتب ذاته ما إن يفرغ من نصّه ويحاول قراءته كأن أحًدا غيره كتبه، التماسًا لحكم ذاتيّ نزيه على العمل).

دعني أقول لك إنّي أؤمن إلى حدّ ما بالإلهام، لكن ليس بالمعنى السحريّ الغيبيّ. يكون أحدنا في مواجهة مشكلة مستعصية، ويفكر عبثًا لأيّام وأيّام بطريقة لحلّها، وفجأة، وهو يغسل وجهه، ينبثق الحل. هذا هو الإلهام الذي أقصده، والذي ينبثق من اللّاوعي، مع أن ثمّة علاقة هنا مع الوعي. فما نُمعن التّفكير فيه، يترسّب بعضٌ منه في اللّاوعي، وقد يتّخذ شكلًا آخر غير الذي كان عليه وقت التّفكير اليقظ. وبهذا أرى اللّاوعي مزيجًا من التّفكير والأحلام (وقد تكون هذه أحلام يقظة) والاستيهامات والهواجس، مضافًا إليها الطّاقة الذاتيّة للّاوعي، التي لا أعرف كيف تعمل.

بفضل الإلهام نقع على الإيقاع المناسب لكتابة قصّة فكّرنا بها ولم نكتبها منذ أمد غير قصير، حتى إني أسمّي بعض النّصوص المنجزة: هدايا، حين تأتي فجأة إثر تفكير يلبث لفترة قصيرة بها، نصف ساعة مثلًا؛ قصص تكون قد اختمرت في النّفس بغير وعي وإدراك صاحبها. وبطبيعة الحال فإنّ التدخّل العقليّ يتمّ بعد انتهاء الدّفقة الأولى، أو الكتابة الخام، فتتمّ بعدئذٍ هندسة القصّة وربط أجزائها وصقلها لغويًّا وإزالة الزوائد. وعطفًا على ما تقدم، فإن نموّ الحدث يمثل بديلًا للحكاية، علمًا بأن الحكاية ما زالت صالحة لأن تكون محورًا للقصّة، شريطة ألا يكون القاصّ مجرد حكّاء، بل أن يحسن السّرد والوصف.

بين القصة والرواية

استكمالًا لسؤالي السّابق، سأذهب نحو روايتيك اللتين كتبتهما في مرحلة متأخرة: «من يؤنس السيّدة» (2009) و«حلم حقيقي» (2011) وسط 14 مجموعة قصصية. لماذا قرّر القاصّ أن يكتب رواية؟ وما الذي وجده في الرواية ولم يجده في القصّة، والعكس؟

هذا سؤال طرح عليّ كثيرًا. أغلب السّاردين يجمعون بين كتابة القصّة والرّواية إلا في حالات ضئيلة. القصّة والرواية يجمعهما حقل سردي واحد، وخبرات كتابة القصّة تفيد في كتابة الرّواية إذا أدركنا أن الرّواية هي مصفوفة من الحكايات والقصص والمواقف الصغيرة، والعكس صحيح. يجد القاصّ في الرّواية فرصة للتّصريح، في حين تعتمد القصّة على التّلميح. وبينما يتعرّض كيان القصة الرّقيق والهشّ إلى الكسر إن كانت هناك حمولة زائدة في الشّخصيات أو الوصف أو التدفّق اللغويّ، تتّسع الرواية لهذا، وبالطّبع مع الضّبط اللازم، حتى لا تتحوّل الرّواية إلى حافلة محشوّة بخليط من الركّاب (الشخصيّات) والأمتعة (المواضيع). ويبدو لي أن كل قاصّ ينزع حين يتقدّم في العمر، وتجربة الحياة والفن، الى كتابة رواية؛ حتى الشّعراء ينزعون إلى ذلك من أجل أن يقولوا ما لا يملكون الفرصة لقوله في القصائد، ولا أقصد بالطبع القول المباشر، بل التّعبير عن الرؤية بصورة مفصّلة وغير مجازية.

لكنّي لم أكتب سوى روايتين. العمر يداهمني والإنترنت اللّعين لا يترك لي وقتًا ولا صفاءً في الذّهن.

يقول فرانك أوكونر في كتابه عن القصّة القصيرة: «الصوت المتوحّد»، أن الرواية هي «فن تطبيقيّ» (applied)، بينما القصّة القصيرة هي «فن خالص» (pure)، وبالتالي فالقصّة أجود، وأكثر فنيّة وإبداعًا. وبينما يمكن للروائي أن يرتكب أخطاء وهفوات فنيّة في نصّه دون أن تُلاحظ، نظرًا لطول وامتداد النص، فإن هذه «الأفضليّة» لا تتوفّر للقاصّ، حيث كل كلمة محسوبة وموزونة، ويسهل اكتشاف أي خلل. هل تشارك أوكونر هذه الرؤية؟

جميل. لقد أشرتُ إلى ما هو قريب من ذلك في ردّي على السؤال السابق، ولهذا فإن جيل هذه الأيّام يستسهل كتابة الرّواية أكثر من القصّة، مع أن الرواية تحتاج إلى جهد هائل، وخبرات حياتيّة (في النّفس البشريّة مثلًا) وخبرات فنيّة، لكنّ مداها عريض، ويسمح للهواة باستعراض لغويّ، ورومانسيّات، وخطابات، وتوثيق، وما أشبه. على أن الرواية -في المعايير الفنية- تحتاج إلى ضبط وربط مثل القصّة، إلا أن الهفوات الصغيرة تبقى مسموحًا لها ومغفورة، خلافًا لحال القصة، هذا صحيح. دعني أقل -بالمناسبة- أنّ فن القصّة لا يواجه منافسة من الرّواية فقط، فالفضاء الإلكترونيّ زاخر بالمدوّنات والشّهادات المحكيّة، ومواقع التّواصل [مثل] فيسبوك وتويتر، تفسح مجالًا رحبًا وهائلًا لسرد التّجارب الحياتيّة في قالب شبه قصصي. للأسف تضيع بعض المواهب (الحاملة لبذرة قصصيّة) وتتبدّد بالانغماس في سرد التّجارب والذّكريات على مواقع التّواصل. وبهذا فإن على القاصّ أن يبذل الكثير من أجل إسماع صوته وسط هذا العدد الهائل من البشر الذين لا يتوقّفون عن الحكي على مدار السّاعة. والناس تحبّ من يتوجّه إليها مباشرة بالخطاب، وتستهويها الاعترافات، وما شاكلها، بشدّة، وتأنس للحكايات المرويّة ببساطة شديدة، حتى لو اشتملت على مواعظ ومبالغات وتكرار في بعض المقاطع.

كثير من قصصك ينحو منحًى واقعيًّا، وبعضها تظهر فيها أنت شخصيًّا بمختلف تفاصيلك: عام ولادتك (1948)، مدينة طفولتك (أريحا)، منزلك، سفراتك والمدن التي حللت بها زائرًا. يقوم القرّاء في بعض الأحيان بالدّمج بين الكاتب، شخصيّته، حياته الخاصّة، وبين ما يقرأ في نتاجه الأدبيّ، يبدو أنّك تقوم بذلك بنفسك! أين يبدأ الواقع عندك وأين ينتهي؟ وهل ثمة علاقة «شخصيّة» تجمعك ونصوصك؟

هذا سؤال مهم. هناك علاقة شخصيّة تجمعني ببعض نصوصي القصصيّة، أما النّسبة الأكبر من قصصي فهي متخيّلة وبعيدة عنّي كشخص. سبق أن أشرت إلى أن مصادر القاصّ ومرجعيّاته عديدة، وتبدأ بحياته وتجاربه هو، لكنّي لا أسرد سيرة ذاتيّة تتعلّق بي، بل حدث أن أشرت غير مرة إلى عناوين أو لمحات من حياتي، كتاريخ المولد، ومدينة الطّفولة والفتوّة، بينما في حالات أخرى عديدة أمزج بين تجاربي وتجارب آخرين من أجل تخليق شخصيّة ثالثة. أحسب أن نسبة كبيرة من الكتّاب يفعلون ذلك بطريقة أو بأخرى، فأين يذهب القاصّ بتجاربه إن لم يتسرّب بعضها إلى قصصه؟ هذا علاوة على ميولي الشعريّة (دون أن أعتبر نفسي شاعًرا)؛ من هو في حكم الشّاعر يسهل العثور على صورته الذاتيّة في نصوصه. على أنّي لا أدمج بين حياتي وبين نصوصي، وأحرص أن تكون هناك مسافة بينهما.

 للقاصّ أن يكتب قصّة في خمسة سطور، أو في 5 آلاف كلمة. المهم أن يكون أصيلًا ومقنعًا، وألا يكون عبدًا للشّكليّات والقوالب أو للشكلانيّة.

للأسف، ما زال البعض يخلط أحيانًا بين ضمير المتكلّم في النصّ وبين مؤلف النصّ، خاصّة إذا ما بدا أنّ هناك تشابهًا ما -ولو طفيفًا- بين البطل والمؤلف. في سؤالٍ سابق لكَ أشرتَ إلى الكتابات القصصية «الحقيقيّة»، التي تسرد وقائع حياتيّة للقاصّ، وحيث يختلط صوت السّارد وصوت المؤلّف؛ لم أفعل هذا ولا ما هو قريب منه، ولا أتخيّلني أفعله، رغم أني -كقارئ متذوّق- لا أعترض على ذلك من حيث المبدأ. قد تتسلّل أحيانًا أمورٌ من ذات الكاتب إلى نصوصه، إلا أني أجد أن عليه أن يسعى ما أمكنه إلى «الهرب» من أسوار نفسه، ومعانقة حيوات متخيّلة ذات منشأ واقعيّ.

أما عن السّؤال: من أين يبدأ الواقع وأين ينتهي، فهو يبدأ عندي من رؤية البطل ضمن سياق حياتيّ (بيئيّ واجتماعيّ) له نظير في الواقع، ويحيل إلى نماذج بشريّة في الواقع الذي يعرفه القارئ، لكن النّهاية، أو الرؤية الكليّة، قد تصل إلى مبارحة الواقع الحسيّ والمألوف وفقًا لمفهوم: الانطلاق من التّجسيد نحو التّجريد، إلى لغة كونيّة.

تبدو قصص مجموعتك «عمّ تبحث في مرّاكش» (2015) مختلفة عن باقي قصصك الأخرى، حتى تلك التي صدرت بعدها، لجهة مواضيعها، واتّكائها الرئيسيّ على الخيالات والاستيهامات، والسوريّالية التي تسم أغلب قصصها، واستخدامك لتقنيّات «ما بعد حداثيّة» –إن جاز التّعبير- من قبيل: التشكيك في رواية الراوي، وإحداث الالتباس بين الشخصيات المختلفة، أو رواية نفس القصة بأكثر من نسخة، خصوصًا تلك المجموعة من القصص التي تقع في القسم الأوّل من الكتاب، وتدور أحداثها كلّها في المغرب؟ هل تتّفق معي أن قصص هذه المجموعة (شكلًا وموضوعًا) تختلف عن كتاباتك الأخرى؟ كيف وجدت نفسك تكتب بهذه الطريقة؟

دعني أقل لك إني لا أعود إلى قصصي السّابقة، بل أسعى إلى نسيانها، كي آتي بجديد. تعرف تلك الوصيّة العربيّة من أحد اللّغويّين إلى شاعر ناشئ بأن يقرأ ألف بيت شعر، يحفظها ثمّ ينساها، قبل أن يباشر كتابة الشّعر أو قوله. أنا أفعل مثل ذلك، وأزيد عليه أني أنسى ما أكتبه (أنسى معظمه في الحقيقة، فهناك نصوص تبقى عالقة بالذّاكرة). مجموعتي القصصية الأولى «العري في صحراء ليلية» (1972) كانت شاهدًا على نزعتي للتّجديد القصصيّ في وقت مبكّر وفي سنّ غضّ، علمًا أن عنوان الكتاب لا يروقني الآن. كنت أقل واقعيّة مما أنا عليه الآن. كنت مولعًا بتحطيم الشّكل القصصيّ وشحن النصّ بالشّعر. في كتاب «عمّ تبحث في مرّاكش» (2015)، هناك نزوع نحو كتابة قصصيّة مختلفة، تمزج الواقع بما فوق الواقع، والمجموعة تعكس خبراتي القصصيّة، وبعض القصص في الكتاب لا تعطي نفسها بسهولة للقارئ.

حين طلبتُ منكَ ذات مرّة اختيار قصّة واحدة تمثّلك، أو لنقل: تمثّل تجربتك القصصيّة، اخترت «رجوع الطائر» من المجموعة التي تحمل نفس الاسم (2008)، وهي قصّة عن علاقة معقّدة بين رجل وببغّاء، تنتهي بإطلاقه مرّة أخرى في الطبيعة. هذا الإحساس بالطبيعة وكائناتها يتجلّى في قصّة أخرى هي «خنفسة النّهار»، من مجموعة «فرق التوقيت» (2011)، وهي قصّة عن خنفسة تعبر شارعًا وتنجو دون أن تدهسها السيّارات، وسط دهشة مراقب يتفرّج عليها دون أن يتدخّل. هذه الحساسيّة المابعد إنسانيّة نادرة في الكتابات العربيّة. كيف ترى موقع هذه الحساسيّة في كتاباتك؟ ما هو جذرها الفلسفيّ؟ ولمَ لا تجد هذه الحساسيّة موقعًا مؤثّرًا لها في الأدب العربي؟

شكرًا على السّؤال. في قصصي عدد من الطيور والحيوانات، رغم أنّني لم أعش في الريف (علمًا أنّي أنحدر من قرية بيت ريما). ببساطة: أؤمن بوحدة الوجود، وبرابط يربط الكائنات الحيّة، بما في ذلك النباتات والأشجار، وهذه ذات وجود في قصص لي. أشعر أنّنا محظوظون كبشر، لأنّنا جنس حيوانيّ يمتاز بميزات أرقى عن الحيوانات التي نأكل بعضها! ماذا لو حلّ جنسٌ أرقى منّا من كوكب ما، هل يحقّ له التهام لحومنا؟! لستُ نباتيًّا لكني أتناول اللّحوم بتحفّظ، وعلى مضض، وآنس بوجود الأشجار في أي مكان، ويؤلمني أن الشّجرة عاجزة عن الحركة ومبارحة مكانها كبقيّة الكائنات الحيّة.

الحيوانات موجودة في الأدب العربي، ولكن لاستعمال الإنسان وفي خدمته، وليس ككائنات بذاتها، إلا في حالات قليلة. الاعتراف بالحيوان ككائن بذاته هو اعتراف بالآخر. يؤلمني أن بعض الأطفال يلاحقون الكلاب وينكّلون بالقطط ويقصفون فروع الأشجار. في نيبال رأيت الكلاب تمشي على الأرصفة مع الناس، لا تؤذي أحدًا ولا أحد يؤذيها، ولها حقّ المشي والتريّض. كتبت ذات مرّة شذرة تقول: «باستثناء النّزعة اللّئيمة الاستبداليّة، فإن الصّداقة مع الحيوانات هي أطهر الصّداقات طرًّا»، وكنت أقصد بالنزعة اللّئيمة استبدال البشر بالحيوانات كما يحدث في الغرب؛ الحنوّ على الكلاب واللّامبالاة تجاه البشر. الأصل أن يكون الحنو على كل الكائنات.

مع احتلال وسائل التواصل الاجتماعي مساحة هائلة في حيّزنا اليوميّ، وفي كل المجالات ومنها الأدب، صرنا نلاحظ ظواهر بالغة الرّداءة تستشري كالنّار في الهشيم، منها دخول من لا يتقنون أبجديّات الإملاء والقواعد إلى الكتابة، وصرنا نشهد تحوّلات هائلة في اللّغة نفسها. «لكِ» صارت تكتب «لكي»، والكتابات السطحيّة الساذجة صارت تحصد الإعجابات، وتشتق «قيمتها» من هذه الإعجابات، بل وتطبع ورقيًّا وتنضمّ إلى «الأكثر مبيعًا» استتباعًا لذلك. أنت ترأس تحرير موقع ثقافيّ إلكتروني هو «قاب قوسين»، وتتفاعل –كما ألاحظ- فيسبوكيًّا، ما تقييمك ،بعيدًا عن تسهيل التواصل والتعارف والتشبيك، لتأثير هذه الوسائط على الكتابة، وعلى اللّغة نفسها؟ أية تحوّلات -برأيك- سنشهدها خلال الأعوام القادمة؟

الأمر الأبرز هو الضّعف اللغويّ في قواعد الإملاء والنّحو، وعدم مراجعة المادّة قبل إرسالها أو نشرها، وإهمال التّرقيم (الفواصل والنقاط والأقواس). هناك سرعة وتسرّع في الكتابة وطلب النّشر، وهذا يكشف عن وهن ذهنيّ وعن استعجال هائل، مع أن الإبداع هو قرين التأنّي والتأمّل والمراجعة والتّدقيق، وهو أقرب إلى عمل صائغي المجوهرات. ويحزنني أن كتّاب مواقع التّواصل يعجزون عن الحكم على أعمالهم، مع أن الكاتب الجيّد، أو الذي ينزع إلى التجويد، هو النّاقد الأوّل لعمله، فهم يكتبون القصّة ولا يقرأون شيئًا عن فنّ القصّة، وكذلك بقيّة الأجناس، وكثير منهم يأتون لي طالبين الرأي، وهم صادقون في طلبهم هذا، لأنّهم عاجزون عن الحكم على أعمالهم. صحيح أنّ الكاتب الشابّ يظل بحاجة للاستئناس برأي غيره، لكن يتعيّن أن يكون لديه قدر من الوعي إزاء ما يكتب. والمشكلة تتعدّى النّشر الإلكترونيّ إلى النّشر الورقيّ، فمن يملك كلفة طباعة كتاب لا يتوانى عن ذلك، ويقيم حفل توقيع. لقد تراجع -إلى حدّ كبير- دور النقّاد الأدبيّين، وأساتذة الجامعات لا يواكبون الحياة الأدبيّة، فلديهم انشغالاتهم المهنيّة الخاصّة.

صدّعت الرواية وجوائزها رؤوسنا، وبات الرحيل إلى الرواية، والركض خلف مواسم الجوائز، ونزوع الكتاب لإصدار رواية في السنة على الأقل للّحاق بالمواسم، والرّشوات المتعلّقة بتقاسم مبلغ الجائزة بين كاتب وعضو مؤثر في لجنة تحكيمها، كلّ هذا صار جزءًا من فعل الكتابة في العالم العربيّ اليوم، وباتت لا السّلطة تضع حدودها (الواضحة) للرّقابة، بل صارت هناك رقابة (خفيّة) لسلطان السّوق (الأكثر مبيعًا) والجوائز ومن يقف خلفها. كيف ترى تأثير الجوائز على الكتابة؟ ولِمَ تستقطب الرّواية كلّ هذا الاهتمام الذي –برأيي- لا تستحقّه؟

الجوائز ليست سيئة، وما زالت تتمتّع بحدّ معقول من المصداقيّة، رغم أنّ الحظّ يلعب دورًا غير قليل. ضع لجنة التّحكيم التي نظرت في كتب السّنة الماضية، ودعها تحلّ محل لجنة التّحكيم للسّنة الجارية، وسوف تتغيّر النتائج. الذائقة، والحسابات الخاصّة بكل لجنة تحكيم، تلعب دورًا كبيرًا في النّتائج. هناك من ينظر إلى التّوزيع الجغرافيّ للمرشّحين، وهناك من ينظر إلى معالجة المواضيع المثارة في الكتب كأولوية، وهناك من يُعنى بالمستوى الفنيّ أولًا، وهناك من يركّز على توزيع الجوائز بين رجال ونساء، أو بين شبّان وكهول، إلى آخره. السّيء هو أن يحلّ منح الجوائز محلّ دور النّقاد، فقد أصبحت الجوائز تقوم مقام النّقد، وهذا غير منطقيّ، وليس عادلًا. فثمّة كتّاب ينأون بأنفسهم عن الترشّح للجوائز، وثمّة كتب غير فائزة لا تقلّ في الأهميّة عن الكتب الفائزة.

منطق السّوق، ومنطق النّجاح، يجرف الجميع. ومن المؤسف أن تمتثل القلّة القليلة الباقية من النقّاد لمنطق الجوائز، فتواكب الكتب الفائزة فقط، وتهمل تلك التي لم يحالفها الحظّ. ليس لدينا ما يسمى في الغرب بـ«وكيل المؤلّف» الذي يتابع كتب المؤلّف نشرًا وتسويقًا وسوى ذلك، وبهذا أصبحت الجوائز، ومواقع التّواصل، هي التي تقرّر مصير الكتب الصّادرة، وهذا أمر مؤسف وينطوي على خلل. زد على ذلك أن الجامعات غائبة عن مواكبة الحياة الثقافيّة، وأن الصّحافة الثقافيّة بدورها مأخوذة بمنطق الجوائز، وأصبحت تلهث وراء الفيسبوك وتويتر. لقد تغيّرت الدّنيا، والكاتب الشابّ الأصيل قد يضيع في خضمّ هذه الموجة، ويغدو ضحيّة لها.

أنا مع كسر الحدود بين الأجناس الإبداعية، على ألا يكون ذلك متعمّدًا، أو هدفًا بحدّ ذاته، أو مدخلًا واجب الدّخول منه، بل أن يقود النصّ بطريقة عضويّة إلى هذا الكسر.

أما عن الرواية فقد جاء الاهتمام بها ليدحض تقديرات سابقة بأننا نعيش في عصر السّرعة، حيث لا محلّ للكتب كبيرة الحجم. برأيي أن القارئ يرى في الرّواية ما يُعينه على جمع شتات نفسه، وتنظيم تفكيره، ومحاولة فهم ما جرى ويجري حوله وفي العالم. ليس الاهتمام بالرّواية مُفتعلًا، ولا هو ضربة حظ، مع الإقرار أن هناك ظروفًا ساعدت على استحواذ الرواية على الاهتمام، منها الجوائز والترجمات والمؤتمرات حول هذا الفنّ. على أن قراءة رواية جيّدة يملأ فراغ النفس، ويلبي حاجة روحية في زمن الانكسار والتّراجع على مختلف الأصعدة. في ظروف أخرى سيعود الاهتمام أكثر بالقصّة والشّعر. الأمر الإيجابي في ذلك كله أن قاعدة القرّاء اتّسعت، وبات قرّاء «عاديّون» يُقبلون على اقتناء الرّوايات وقراءتها.

أختم بسؤال تقليديّ صار لازمًا في سلسلة المقابلات هذه مع أساتذة القصّة القصيرة في العالم العربي: لمَ بدأت بالكتابة؟ ولمَ تكتب اليوم؟ وهل ثمّة جدوى ما تتحقّق من فعل الكتابة؟

بدأت الكتابة كي أنجو من ضغط التأمّلات التي كنت أنوء تحت وطأتها منذ كنت فتى، وما زلت. وإن كنت قد اكتشفت أن التأمّل الحرّ والطّلق، والمُركّز أيضًّا، أجمل من الكتابة! لكن لا مفرّ من الكتابة، وإلا فقد يصاب المرء في عقله من فرط الحديث مع النّفس. مع التقدم في العمر والتّجربة، يكتشف الكاتب أن الكتابة تعينه على معرفة نفسه، كالأحلام –مثلًا- التي تقوده إلى التعرّف على مجاهل نفسه. ويتعدى الأمر ذلك إلى السّعي لكسر رتابة الحياة اليوميّة، وفقرها العقليّ والوجدانيّ. والكاتب يولد حقًّا من جديد مع كلّ كتاب جديد له، وبينما يولد بيولوجيًّا مرّة واحدة فقط، فإنّه يولد إبداعيًّا عديد المرّات، مما يمنح حياته معنىً وطعمًا. وإذ يبدو لي العالم مرّة على هيئة ورشة ذات ضجيج هائل، وتارةً على صورة مسرح صامت وأبكم، وطورًا على شاكلة فوضى لا تهدأ، فإني أحاول بالكتابة كما يحاول سائر المبدعين، إضفاء نغمة خاصّة كبديل عن الصّمت والضّجيج معًا، وعلى أمل الحدّ من الفوضى؛ نغمة يعود القارئ، بالإصغاء إليها، إلى ينابيع نفسه. أما الجدوى فهي حقًّا ضئيلة، وهي -لا شكّ- وسيلة لمقاومة العدم، بأن يظلّ شيءٌ من المبدع حيًّا بعد رحيله، وهو آثاره.