رواية «فستق عبيد»: العبودية في حكاية مركبة

الأحد 29 تشرين الأول 2017

خلال السنوات الثلاث الماضية عالجت ستّ روايات عربيّة موضوع العبوديّة في الوطن العربيّ، ثلاث منها تناولت العبوديّة في فترة نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين في السودان، وهي: «شوق الدرويش» للسودانيّ حمور زيادة، و«كتيبة سوداء» للمصري محمد المنسي قنديل، و«فستق عبيد» للأردنيّة سميحة خريس. أمّا الروايات الأخرى فكان من بينها رواية «بابنوس» لخريس والتي تناولت العبوديّة بعد منتصف القرن العشرين في السودان أيضًا. فيما تناولت روايتان العبوديّة خارج السودان: «زرائب العبيد» لليبيّة نجوى بن شتوان عن العبوديّة في ليبيا، و«ثمن الملح» للبحريني خالد البسّام عن العبودية في جزء من الجزيرة العربيّة.

وتواجدت الروايات التي تعالج العبوديّة في قوائم الجوائز العربيّة لثلاث سنوات، وحصلت معظمها جوائز، الأمر الذي يدفعني لأسأل عن الألفة بين موضوع هذه الروايات؛ أي العبوديّة والجوائز العربيّة.

قبل أسبوع تقريبًا من الآن حصلت رواية فستق عبيد لسميحة خريس على جائزة كتارا 2017، وقبل البدء بعرض الرواية، يُذكر أنَّ روايتي خريس«فستق عبيد» و«بابنوس» تتناولان العبودية في السودان، لكن، وهذه نصيحة للذين يرغبون بقراءة العملين، فإنَّ الفترة الزمنيّة التي تناولتها رواية فستق عبيد سابقة على الفترة الزمنيّة التي تناولتها رواية بابنوس رغم صدور بابنوس أولًا، لذا أنصح بقراءة العمل الصادر مؤخرًا ومن ثم الأقدم لتفادي اللبس أو لتحقيق وضوح أكثر في تتبع الأحداث.

«فستق عبيد»

يدور العمل بشكل رئيسيّ بين قارتين؛ إفريقيا (السودان، الجزائر، ليبيا) وأوروبا (البرتغال). في الجزء الأوّل تجري الأحداث على تخوم الصحراء السودانيّة؛ مجلس يحكي فيه الجدّ السودانيّ (كامونقة) عن ماضيه في العبوديّة حين أُخذ عبدًا لتاجر سمسم من كردفان (التيجاني) ليبقى مرتحلًا على أسنمة الجمال في رحلة طويلة، قاطعًا خلالها 800 كيلو متر بأسبوعٍ وليلتين من بلاد دارفور في غرب الدنيا إلى الشرق عبر درب الأربعين حيث القفار والشمس.

يروي (كامونقة) حكايات الانكسار للأحفاد -من بينهم الطفلة رحمة- بفخرٍ شديد، وهي حكايات تدور عقب ثورة المهدي في السودان (1881-1889) الذي كان جيشُه من العبيد المحرّرين من التجّار، أمّا المكان فبيْن أم درمان وكردفان.

لا تعرض سميحة خريس العبودية بصورتها المتعارف عليها (الأبيض يشتري، و الأسود يُباع)، ثمة الكثير من صور العبوديّة التي تناولتها الرواية؛ عبودية الرجل الأسود للرجل الأسود، وعبوديّة الرجل الأسود للتاجر، وعبوديّة الرجل الأسود لرجل الدين. تعرض العبوديّة في أرض السواد، منظورًا لها من السود بدايةً، من جهة التاجر (التيجانيّ): «مقارنة بسواي؛ كنت عبدًا محظوظًا لرفقتي مالكي المهيب المهاب الطيّب، لا أغلال بيننا، ولا سوط ينظم تعاملنا، لا يخطئ أحدنا في فهم الآخر، محسودان على التناغم. (..) في محاولاتي للنسيان صنفت نفسي بصورة مخادعة رجلًا حرًا برفقة التيجاتي الطيب الذي يمتلكني». كان هذا حديث كامونقة العبد لنفسه.

خلال ترحال قافلة التاجر يمرّ كامونقة بمعسكر المهدي؛ إذ ذاك ستسلب العبوديّة الجديدة كامونقة حين يرى العبيد، كل عبدٍ فارٍّ من سيّده إذا ما التحق بالجهاد صار حرًا، عبوديّةٌ حرّة مع المهديّ، هناك يقول كامونقة: «ركبني عفريت اسمه الجهاد، وأنا ما عرفت قبل اليوم أنَّ عليّ أن أجاهد جنديًا؛ أقتلُ الإنجليز أو المصريين، وأسلم أمري بالكامل للخليفة المهدي». يُجري مقارنات العبوديّة في شكلها الأوّل (للتاجر) مع شكلها الثاني (رجل الدين):« يفترُ حماس قلبي إذا سمعت زعيق بوق أبو بايه العاجي، (في معسكر المقاتلين الجهاديين) نفس الصوت الذي يطلقه النخاس ليجمعنا على منصة عرض العبيد في الماضي، بات صداه يجمعنا حول الخليفة في المعسكر».

سيحارب كامونقة المصريين والإنجليز أخيرًا، يرحل في جيش المهديّ، وهناك سيخسر الجيش غزوته، وفي الخسارة ينبني الوعي بعبوديّته، سيشعر أنَّه ليس عبدًا وحسب، بل أسوأ: «أنّي رجل عبد، رجل عبد ميت».

في حوار مع سميحة خريس، سألناها عن عدّة مواضيع: الرواية الفائزة «فستق عبيد»، والرواية التاريخيّة، وأسرار العمل على الرواية، وبالطبع عن العبوديّة ومواضيع أخرى عن الجوائز و الحياة الشخصية.

حبر: لماذا اختارت سميحة خريس السودان أرضًا لمناقشة العبوديّة، ولماذا هذه الفترة الزمنيّة، نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين؟

سميحة: تختار الظروف المحيطة بالكاتب وبالموضوع مفردات النص. تختار الجغرافيا والتاريخ ونمط الشخصيات أيضًا. وأنا منذ البدايات على قناعة تامّة بأن نصًا ينتظرني في مكان لم يخطر بالبال، وأعرف أنَّ الظروف هيّأت لي أن يكون هذا المكان في السودان، ربّما لأني عشت فيها فترة من الزمن، وربما لأني درست تاريخها. وأكثر؛ لأن في الروح حرقة على جوانب مسكوت عنها في تاريخ هذا البلد وواقعه الراهن، ولسبب غامض يجعلني أفكر دائمًا بالهروب في نصي من أسر الأماكن التي ألتصق بها، إيمانًا بأنَّ قضايا الإنسان في كلّ مكان تخصني وتعنيني. هذه مجموعة من العوامل تضافرت لاختيار المكان.

تُجيب خريس على سؤالٍ مضمر لم نسأله عن وجود روايتها مع هذا الكمّ من الروايات التي تناولت العبوديّة في هذه الفترة (نهايات القرن التاسع عشر، بدايات القرن العشرين) وصدرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فنكتشف أن الفكرة قديمة في مشروعها الروائيّ.

سميحة: كان هذا النصّ يتشكّل عندي أثناء دراستي دون أن أعي هذا الأمر. أُصاب بالدهشة والرعب معًا وأنا أتلقى دروسًا في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ. وقد ظننت أن هذه المرحلة غابت تمامًا لانخراطي بجوانب مختلفة من الحياة، ولعودتي إلى البئر الأولى عبر نصوص متعددة تحركت في الفضاء الأردني. ولكني واجهت مجددًا العالم الأوسع حين كتبت روايتي «يحيى»، وكانت هي مفتاح اختياري لموضوع الرقّ، ساعدتني أبحاثها على استكشاف عالم الرق في القاهرة في القرن السادس عشر الميلادي، وأعادت إلى ذاكرتي ما درست، وحرضتني على مزيد من الأبحاث والدراسات التي تتعلق بما يحدث اليوم. في الواقع كان اختياري الأول العودة إلى جذور المسألة، على الأقل في التاريخ القريب، وكنت قد اخترت تلك المرحلة التي بدأ فيها العالم يبحث عن سبل تغيير مسيرته الحضارية، وانفجر ذلك الحلم في الحرب العالمية الثانية، ولكني أرجأت هذه الفترة وبدأت بمعالجة الأمر من الزمن الراهن عبر رواية سابقة في زمن صدروها، لاحقة في تاريخ أحداثها، وكان ذلك يتعلق بالجانب السياسي والإنساني وبإلحاح مشكلة وأزمة دارفور على الضمير العالمي، وعلى ضميري أنا شخصيًا.  

نعود للرواية، إن كان الجزء الأوّل في الرواية يتناول العبوديّة في محيط سود البشرة، فإن الجزء الثاني منها، يُدخل ذوي البشرة البيضاء إلى المشهد. عاد كامونقة إلى أرضه حرًّا: «تمتعت بكوني رجلًا حرًا، ومن يومها ونحن نزرع سهل الرمل الأصفر بالفول السوداني (..) قد تسألون لماذا الفول السوداني؟». هنا تروي خريس على لسان كامونقة كيف كان الجلّابة وقطاع الطرق يقتنصون الصغار الجوعى عارضين عليهم حفنات من الفول، مستغلين جوعهم: «هكذا اختطفوا السذج في الماضي، وأنا أردت تحصين أولادي من غواية الفول، الذي يسمونه في أماكن كثيرة فستق عبيد، إنّه الفستق الذي يمكن أن يوقعك في العبودية، قلت لنفسي: أزرعه، فيشبع الأولاد، ولا يذهبون إلى العبودية بأقدامهم».

ورغم ذلك، تُختطف إحدى حفيدات كامونقة، الطفلة رحمة. فيبدأ الجزء الثاني عبر رحلة في البرّ على الأقدام، كان التاجر اليهودي الجزائري رايمون يقود قافلة العبيد التي فيها رحمة عبر صحراء ليبيا إلى بنغازي، ثم في صفقة إلى تاجر برتغالي (ساراماغو) إلى ميناء الجزائر. ومن الجزائر إلى البرتغال، هنا تعرض خريس صور العبوديّة بين العبيد أنفسهم أثناء المحنة، تحظى رحمة الطفلة المخطوفة بمعاملة استثنائيّة قائمة على الجنس، تعيش بين البيض في أعلى السفينة فيما العبيد في الأسفل يُعاملون كأشياء يُمكن رميها في البحر إذا ما انتهت صلاحيّتها.

كلّ حكاية في الرواية تعالج إحدى صور العبوديّة؛ حكاية العبيد في أسفل السفينة مع طاقم السفينة تعالج صورة العبد الأسود الرجل بعين السيّد الأبيض الرجل، حكاية الحبّ الزائف بين رحمة مع التاجر ساراماغو تعالج صورة العبد بوصفه أنثى مع السيّد الأبيض. وحكاية التاجر ساراماغو المنحدر من سلالة غير نبيلة مع زوجته كارولينا سليلة النبلاء، تعالج عبوديّة الرجل الأبيض في مجتمعه من قبل طبقة النبلاء، هكذا تمضي الرواية، لا حكاية فائضة في «فستق عبيد».

حبر: هل استفادت سميحة خريس من تجربتها في رواية سابقة (بابنوس) لتُنضج على مهلٍ هذه الرؤية لمفهوم وممارسة العبوديّة؟

سميحة: العبودية كما الحرية، مفهوم مركّب تمامًا، ليس فقط من زوايا مختلفة، ولكن أيضًا في الشخص الواحد، في الزمن الواحد، وفي كل إنسان قدر من هذا وذاك. تتخد أعتى أشكال العبودية وضعًا مأساويًا كما حدث مع أبطال روايتي. ويمكن العثور على ومضات المفهومين في كل شخصية، سترى التاجر البرتغالي في لقطة مركّزة واقفًا بباب بيته يتحدث مع زوجته التي تفوقه منزلة اجتماعية فيحني رأسه منتظرًا أوامرها، ثم يلتفت ذات الرأس في ذات اللحظة، إلى عبدته مرتفعًا بمقدار يتيح له توجيه الأوامر، ولكن هناك أيضًا العبودية الوقحة التي تصفعك دون خجل، حين يصير الإنسان سلعة يباع ويشترى، بسبب ضعف مقدرته وغياب إرادته السياسة ونفوذه. والأوجع أن يتم ذلك بسبب لونه.  في تقديري ورغم أننا تجاوزنا عصر حقوق الإنسان وحريته فإنَّ أشكالاً أخرى من الرقّ تبتدع وترتدي ثيابًا قشيبة بالكاد نتعرف على وجهها القبيح.

تمضي أحداث الرواية باستعراض أوضاع العبيد في البرتغال، تناسلهم، من غراميات غير شرعية مع الأسياد البيض، يُولد أطفال «كريولو»، مختلطين بين الأبيض والأسود. يموت جيل من العبيد، ويستفيق جيل جديد بمشاعر ومعتقدات مختلفة عن جيل الآباء، هنا يُضاف لصور العبد شعوره الدينيّ. تركّب سميحة عُقَد العبودية على عُقد الدين. أطفال من سلالات مؤمنة بالإسلام، تفتحت أعينهم على تعاليم السيد المسيح. تتأزم العقد في الرواية، وفي عقول ومشاعر الشخصيّات، فيظهر الحلّ في وصيّة رحمة التي صارت أمًا لبنت تُسمى «تركيّة»، تبعثها مع تاجر إلى بلادها، كون هذا البلد (البرتغال) لا يعنيها. وهنا تنتهي الحكاية في فستق عبيد.

يُمكن استكمال الحكاية من رواية بابنوس، حيث تستمر المحنَة؛ لا يستقبل الناس في السودان القادمة الجديدة كواحدة منهم، إنما كواحدة بيضاء (تحمل البنت صفات البيض من علاقة غير شرعية بين التاجر ورحمة).

حبر: لماذا عمل آخر يتناول العبوديّة بعد بابنوس؟ أيمكن أن نقول أن «فستق عبيد» استدراكُ ماضي «بابنوس»؟

سميحة: على الرغم من ارتباط العملين معًا، في ما يمكن تسميته رواية أجيال، فبطلة فستق عبيد هي الجدة البعيدة لبابنوس، فإن كل قارئ يمكن أن يقرأ إحدى الروايتين دون حاجة للأخرى، كما يمكن أن يقرأهما معًا لتعميق التجربة وتسلسلها التاريخي والاجتماعي والسياسي، فتصبح جرعة المعرفة أعلى لديه حول ما حدث وما يحدث حقًا. ولكن الواقع أن النص ليس استدراكًا لما غاب، بقدر ما هو استحضار لفكرة تؤشر بمرارة على استمرار الوجع والممارسات اللاأخلاقية للعالم، وعلى تعدد أشكال الرقّ وتغير مسمياته وتعدد وجوه النخاسين. ولست بهذا أراهن على غياب الأمل، ولكني أؤكد على أن الإنسان الإفريقي تحديدًا دفع ثمنًا باهظًا، كما أدينُ كل من تكالبوا على القارة السمراء فاستعبدوا بشرها وسرقوا ثرواتها. بالطبع لا أبرر هذا الاختيار لأؤكد على الرق في ما يتعلق بأصحاب البشرة الأفريقية ولكني في أكثر من صورة ومشهد وموقع في الروايتين أشير إلى الرقيق البيض أيضًا، لأني أريد أن أنبه إلى وحشية الإنسان القوي حين يتعامل مع الضعيف، و«المتحضر» حين يتوحش مع من يظنه «البدائي». وفي الروايتين حرصت على البحث العميق في ثقافة الإنسان البسيط، تلك التي تعلي من شأن الخير والتي تبدو أكثر نبلًا من حضارة الإنسان القوي المستعمِر النخّاس.

حبر: لنفتح أسرار الكتابة معًا للقارئ، ماذا قرأت أو عايشت سميحة خريس للخروج بتصوّر عن أشكال العبوديّة هذه، و التي لا تُظهر العبيد كأرقام كما عالجتها أعمال أخرى؟

سميحة: بداية قرأت الحقبة التاريخية التي تناولتها، كانت أمامي الثورة المهدية التي لا يعرف عالمنا العربي الكثير عنها، والتي تحفل بكنوز يمكن للروائي استغلالها. استعدت تلك الآراء المتناقضة حول تلك الحقبة، ورغم أني على صعيد الوعي لست مع كثير من تفاصيل الفكر الذي شكل هذه الثورة، ولكني من جانب آخر معجبة بالشجاعة والإيمان واليقين الذي جعل من البسطاء أندادًا لأقوى قوة سياسية آنذاك، وقفوا في مواجهة بريطانيا العظمى، على أمل بناء المستقبل كما يريدون.

بالطبع في البال رواية «الجذور» لألكس هيلي، و«جزيرة» إيزابيل الليندي، و«كتيبة سوداء» للمنسي قنديل، وصولًا إلى قراءات قديمة، «كوخ العم توم»، ومشاهدات أفلام كثيرة تناولت هذا الهمّ الإنساني. ولكن الأثر الأكثر خربشة للروح، كان الأجساد الهائمة على وجهها في خيران الخرطوم، امرأة التقيتها في قلب العاصمة واستعرتُ اسمها «ست النفر» في الرواية الأولى بابنوس، أناس تحدثوا لي عن ملابسات خرافية كأنها مقتطعة من كتب الأساطير.

ثم، وهو الأهم، استمرار الوقائع المؤلمة إلى عصرنا هذا، لم تكن حكاية المنظمة الخيرية الفرنسية التي أطلقت شعار «أنقذوا أطفال دارفور» بعيدة، فقد قبض على فعلة الخير هؤلاء يخطفون أطفالًا بهدف بيعهم في فرنسا، وكانت قضية كبرى، جرى التغطية عليها، وجرى مؤخرًا إطلاق سراح المتهمين بالاتجار بالبشر فيها، عدا عما يدور من خزي في هوامش الحروب التي تعيد تلك الممارسة ليكون وقودها، على الأغلب الأعم، هم الأطفال العرب.

حبر: تصنّف فستق عبيد ضمن الروايات التاريخيّة، وفي استعراض توجهات الروائيين في الأردن بشكل عام نجد أن الجيل الأوّل: غالب هلسا، مؤنس الرزاز، تيسير السبول، لم يكتبوا في الرواية التاريخيّة، في الوقت الذي كتب الجيل الثاني: هاشم غرايبة، سميحة خريس، إبراهيم نصر الله، قاسم توفيق في هذه الرواية. كيف تنظرين إلى ذلك؟

سميحة: تحدثت لأكثر من مرة حول كتابة الرواية التاريخية، وهي في تقديري تعتمد على ظاهرة جمعيّة وليست فردية، لا أعتقد أن روائيًا يقرر وحده في زمن ما أن يكتب الرواية التاريخية، ولكن الأجواء تتهيأ حول عدد من الروائيين ليكتبوا في هذا المجال، إنه الزمن الذي تنجز فيه الحضارة نقلة كبيرة، ويتهيأ الزمن للدخول في حقبة مغايرة، ويقف الإنسان كما الأمّة على مفترق طرق، عندها يكون لزامًا على مجموع الروائيين الوقوف والاستدارة لقراءة الماضي في محاولة لفهم الموقع الذي يقفون فيه وأكثر؛ في محاولة لاستشراف ما هو آت. جيل الروائيين الأردنيين كانوا في قلب التغيير فعلًا، ولكننا في الجيل اللاحق وصلنا مفترق الطرق، وتم استدعاؤنا من عوامل مختلفة، بعضها يتمثل بتغير وجه الحياة الاجتماعية، وبعضها بتحول الحياة السياسية والفكرية، وأظنّ أنَّ الروائي في هذه المرحلة يصير شاهدًا على عصر.  

حبر: في عام 2012 حاولت في المركز الثقافي الملكي عشيّة إشهار عملكِ «على جناح الطير» القول بأنَّك لنّ تكتبي سيرة حياتك وتفضلين إبقائها خفيّة؟

سميحة: ليست المسألة أن هناك أسرارًا خطيرة أحيطها بالكتمان، ولكني حقًا أعتبر حياتي نسخة مشابهة لحياة بنات جيلي، ليس هناك ما يستحق الإفصاح، أو ترك شهادة للزمن، قد يكون لدي خصوصيات متفرقة تتمثل بتجربة السفر والمعارف التي عرضت لي، أو بتجربة الكتابة والنماء فيها، ولكنها تفاصيل تناولتها في كتابي «على جناح الطير»، وكان همي عندها أن أسجل سيرة للمدن التي عرفتها وعرفتني، إذ أن التغيير والمهم قد وقع للأماكن وللحياة التي عرفتها في تغيراتها وتقلباتها، وأعتقد أن هذا يكفي. هذا لا يمنع أن الحياة الشخصية من حيث وجهات النظر والأفكار والمشاهدات تتسرب من حياتي أو حياة من أعرفهم إلى النصوص الروائية نفسها، ففي كل شخصية أكتبها شيء مني، سواء كانت شرًّا أو خيرًا ، رجلًا أم امرأة، هذه معارفي وما يشكل نفسي وعقلي، عدا ذلك من أحداث روتينية للحياة فلا أظن أن فيها ما يستحق أن يكتب، ربما بالنسبة لي كانت حياة مكتظة بالتحديات والعمل الدؤوب، ولكنها بالنسبة للآخرين عادية، فلماذا إذًا أفرض تلك التفاصيل على الناس في كتاب؟