عن الليبرالية وكيف يسقط الغرب استبداده على آخريه: قراءة في كتاب «الإسلام في الليبرالية» لجوزيف مسعد

تصوير محمد اغباري.

عن الليبرالية وكيف يسقط الغرب استبداده على آخريه: قراءة في كتاب «الإسلام في الليبرالية» لجوزيف مسعد

الثلاثاء 18 كانون الأول 2018

عجرفة فريدمان أو عندما تتحرر الليبرالية من استبدادها

عقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ظهر زميله الأمريكي1 توماس فريدمان، الذي كان قد دأب على تأييد سياسات محمد بن سلمان والمناداة بمناصرته أمريكيًا، على قناة السي إن إن مع الصحفية كريستيان أمانبور. وبعد أن راوغ لمدة ثلث ساعة في ما يتعلق بدوره في تأييد بن سلمان وبالتالي دوره غير المباشر في تهيئة الظروف لمقتل زميله، عزا الجريمة إلى «نقص/قصور/عجز (deficit) في المعرفة، وعجز في الحرية، وعجز في تمكين النساء» يعاني منه العالم العربي بحسب تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، ثم استنتج أن «تلك المنطقة مصيرها الخراب (doomed)». ما لم يدركه فريدمان أنه في ثلث ساعة من المراوغة وبالذات في تلك الاستنتاجات/المهاترات، قد قام بتمثيل أمراض الليبرالية الغربية كما وصفها جوزيف مسعد (وفعل فريدمان ذلك بشكل لا يخلو من الكوميديا السوداء ومن الإملال في الوقت ذاته). فلكي يبرأ الغربي من آثامه الاستبدادية عليه أن يسقطها على آخَره المشرقي فـيتحرر بذلك ويصبح ليبراليًا. وبهذه العملية يتم تشييء وتثبيت آخر الغرب على أن عيوبه شيء أصل فيه (عجز عربي في المعرفة والحرية وتمكين النساء).

يجعل فريدمان من العجز العربي مصيرًا لا فكاك منه؛ وكلمة doom ذات الدلالات المصيرية المتعلقة بيوم القيامة مهمة هنا لتجعل من الخراب قدرًا محتومًا. وهكذا بدلًا من أن يقول فريدمان، ومن ورائه الغرب، إن مسؤولية الاستبداد العربي تقع على النظام العالمي الاستعماري الذي دأب على دعم الديكتاتوريات (وعلى دعم آل سعود تحديدًا)، أو تقع بشكل أكثر شخصية على أمثال فريدمان الذين جعلوا من أنفسهم أبواقًا لطغاة العالم ما داموا يخدمون السياسات الأمريكية، أصبح الطغيان والاستبداد قدرًا عربيًا محتومًا لا مسؤولية لهم عنه وإن أيدوه وقدموا له الذرائع. كما تجعل هذه المراوغة من الطغيان وجرائمه آفة يتفرد بها الشرق دون الغرب. لا وزن هنا لحقائق مثل تمرس المخابرات الأمريكية في قتل المعارضين حتى كأن المخابرات السعودية لم تسِر إلا على نهجها، ولا للدلائل الكثيرة على أن ترامب كان على علم بالجريمة وأن النظام السعودي لم يكن ليقوم بما قام به من دون ضوء أخضر أمريكي، ولم يخبرنا فريدمان لماذا يعد تفجير باراك أوباما لكثيرين -ومن بينهم مواطنون أمريكيون- بطائرات دون طيار أكثر رحمة من تقطيع أوصال الصحفي السعودي؛ فالمهم أن يبرأ هو وأمثاله من آثامهم بإحالتها إلى المشرق. وفي اللحظات القليلة التي لم يعزُ فريدمان فيها الجريمة إلى جوهر المنطقة أحالها خطوة أبعد إلى الشرق، فقال إن السعودية تتجه نحو نموذج الصين. وطبعًا كان الحل الذي قدمه فريدمان هو المزيد من التدخلات الأمريكية لتخبر «ذلك الصبي» (يعني محمد بن سلمان) بما عليه أن يفعل (وإن كان فريدمان قد عاد فأكد أن محاولات إصلاح تلك المنطقة لن تنجح بعد اليوم).

يقدم فريدمان  تمثيلًا أمينًا لمقولة مسعد بأنه «في القرن الحادي والعشرين وفي سياق حروب الولايات المتحدة الحالية وفي تناغم مع المخططات الإمبريالية، تحرك كثير من المحافظين والليبراليين العرب والغربيين (…) لتحدي «العجز» الديمقراطي في «العالم الإسلامي» باعتباره مسألة الدين وليس فقط مسألة الثقافة التي يحفزها الدين»2. صحيح أن فريدمان في حديثه عن خاشقجي لم يحل إلى الإسلام تحديدًا وإنما إلى جوهر مبهم للمنطقة يحيل إلى الشرق (الشرق الأوسط ثم الصين) ويتنافى مع مظاهر الحكم الغربي (فجعل التدخل الإمبريالي الأمريكي ليخبر المسلم «الصبي» ما عليه أن يفعل هو آخر العجز العربي ودواؤه)، إلا إنه قد انتمى فيما مضى إلى الجوقة التي أحالت مشاكل المنطقة إلى الإسلام واصفة الحل في إسلام جديد تنتجه الليبرالية على هواها، أو ينتجه المسلمون على هوى الليبرالية، أو، بحسب تلخيص مسعد لما تردده تلك الجوقة، في «علمنة من الطراز الأوروبي لن تقوم فقط بتحويل الإسلام إلى دين شبيه بالبروتستانتية يمارَس في حدود الحيز أو المجال الخاص، بل وستجلب الديمقراطية والمواطنة الليبرالية في المجال العام بشكل لا تعوقه المفاهيم المعادية للديمقراطية المزعومة في الإسلام الأوحد القائم».3

بدلًا من أن يقول فريدمان، ومن ورائه الغرب، إن مسؤولية الاستبداد العربي تقع على النظام العالمي الاستعماري الذي دأب على دعم الديكتاتوريات (..) أصبح الطغيان والاستبداد قدرًا عربيًا محتومًا لا مسؤولية لهم عنه وإن أيدوه وقدموا له الذرائع.

وسواء ردّ فريدمان العجز في المنطقة إلى التفسير المتطرف السائد للإسلام، أو الإسلام ذاته، أو إلى جوهر مبهم يرتبط به مصير المنطقة وتتحطم على صخوره محاولات الإصلاح التي يرعاها الأمريكيون في براءة، فقد جعلَ هذا العجز الجوهري نقيض الليبرالية حين جعله عجزًا في الحريات، ثم ربط العجز عن الليبرالية بالعجز في المعرفة (بالرغم من أن انتشار التعليم هو مكسب اشتراكي لا ليبرالي)، ثم بالعجز في تمكين المرأة ليقدم جوهر المنطقة كارهًا للنساء في مقابل الغرب المحب للنساء والممكِّن لهن. ولو تغاضينا مؤقتًا عن هذا التعميم المجحف بحق نضال النساء ضد الأنظمة الذكورية في أوروبا وأمريكا، وعن الإسقاط المحتمل حين يتحدث ذكر أبيض متغطرس ينتمي إلى مؤسسات يسيطر عليها ذكور بيض مثله عن آخَريه، كارهي النساء، ليصبح هو نسويًا على حسابهم، فإن من المضحك أن يتم ربط جريمة قتل الخاشقجي بوضع النساء في العالم العربي أو الإسلام؛ وكأن جريمة كتلك تنتفي عندما تتحرر النساء. فهل يستند فريدمان إلى إحصاءات، لا وجود لها، عن تقليل المخابرات البريطانية من جرائمها في عهد مارجريت ثاتشر أم إلى وعود انتخابية لم تقدمها هيلاري كلينتون بتقليل جرائم المخابرات والجيش في عهدها؟ إلا إن ما قاله فريدمان هنا لا ينتمي إلى المنطق بل إلى الخيالات الاستشراقية المكررة التي لا تتخيل ديار الإسلام إلا وتتخيل معها اضطهاد النساء؛ وهو للمفارقة خيال ينتمي إلى زمن كانت نساء الدولة العثمانية تحظى بحقوق قانونية واجتماعية تفوق حقوق الأوروبيات اللواتي لم يكن لهن حتى حق التملك وكن يعتبرن قانونيًا تابعات لآبائهن أو أزواجهن. وبغض النظر عن المنطق، فقد كان تصوير المجتمع الإسلامي مضطهِدًا للمرأة دعامة من دعامات اختلاق مفهوم «الاستبداد التركي/الإسلامي» في القرنين الثامن والتاسع عشر تمامًا كما أصبح من ركائز اختلاق العجز العربي وإعادة إنتاج الاستبداد جوهرًا عربيًا في زمن فريدمان؛ يقول جوزيف مسعد «لم يكن من قبيل المصادفة (…) أن يكون مونتسكيو نفسه هو من تصدى لشرح وضع النساء المسلمات والشرقيات في روايته الصادرة عام 1721 (…) حيث لم يكن ذلك سوى مقدمة لإنتاج مفهوم الاستبداد الشرقي الذي أورده في كتابه الأهم روح الشرائع».4 ويشرح لنا مسعد بالتفصيل في الفصل الثاني من الكتاب كيف لعبت تقارير التنمية التي تصدرها الأمم المتحدة (بالذات لعام 2005) دورًا في إنتاج وتدعيم مفهوم «العجز العربي» في الحريات وحقوق النساء وإحالته إلى ثقافة المنطقة تارة وإلى الإسلام تارة أخرى، فليست صدفة إذن أن نرى توماس فريدمان يستشهد بتقرير عام 2002 ليتحدث عن المصير المحتوم الناشئ عن هذا العجز الجوهري (الإسلامي-العربي).

لا تقوم هذه العملية التي مثلها فريدمان أمامنا فقط بإنتاج الإسلام أو الإسلامات المتعددة من خلال الخطاب الليبرالي الذي ينتِج آخَره المسلم، وإنما تقوم أيضًا بإنتاج الغرب، وإنتاج الليبرالية على أنها سمة غربية بامتياز تتناقض مع آخري أوروبا، ومن بينهم الإسلام، وإزاحة الاستبداد (الذي لا يخلو منه تاريخ أورو-أمريكا وحاضرها) إلى الشرق (الأوسط/المسلم أحيانًا والأقصى أحيانا كما فعل فريدمان حين أسقط دوره في دعم الديكتاتورية على جوهر المنطقة العربية ثم على الصين). ومن هنا فإن تاريخ الإسلام في الليبرالية هو جزء من تاريخ الليبرالية ومن تاريخ أوروبا، ومن تاريخ تكوين أوروبا لذاتها من خلال آخريها. عام 2007، حذرت وندي براون من أن أي تاريخ للعلمانية الغربية لا يأخذ آخري الغرب في الحسبان سيؤدي بنا إلى أن نصبح «مسجونين في عجرفة توماس فريدمان عن حداثتـ«نا» العلمانية واحتياجـ«هم» لها»؛5 ويضع جوزيف مسعد كتابه عن الإسلام في الليبرالية في سياق ملاحظة وندي براون، إذ يستكشف «التواريخ السياسية والفكرية التي ظهر فيها الإسلام كتصنيف من صنع الليبرالية الغربية» و«كيف أسقطت مخاوف الأوروبيين (…) الاستبداد، وعدم التسامح، وكراهية النساء، ورهاب المثلية- على الإسلام». ويستنتج مسعد «لولا هذه العملية الإسقاطية لما كان بإمكان أوروبا أن تظهر على أنها ديمقراطية، ومتسامحة، ومحبة للنساء والمثليين، أي باختصار على أنها «خالية من الإسلام»».6

الليبرالية = الغرب؟

لا يقوم مسعد هنا بتعريف الليبرالية وذلك لأنها، بحسب ما يقول مسعد في رده على أحد نقاد كتابه، ما هي إلا هدف متحرك؛ فالخطاب الليبرالي ينتجها باستمرار على أنها المزية الأوروبية7 حصريًا، فيصبح الأوروبي هو الليبرالي تعريفًا ولزامًا، ويصبح كل ما يتناقض مع الخصوصية الثقافية الأورو-أمريكية غير ليبرالي. يمكننا أن نبسط الأمر هنا فنقول إن إنتاج الليبرالية اعتمد على عمليتين متوازيتين ومتكاملتين؛ الأولى تنتج الليبرالي على أنه الأورو-أمريكي حصرًا، فتصبح كل ظاهرة أوروبية هي بالضرورة الليبرالية (وإن تضمنت فرض القيود) وما عداها هو الاستبداد (وإن فك قيدًا أو استبدل قيدًا بقيد)، وهو ما يشرحه مسعد بوضوح بالذات في الفصل الثاني إذ يصبح وضع المرأة في الغرب هو تعريفًا وضع تمكين وحرية، بالرغم من القيود المتعددة التي تفرضها المجتمعات الغربية على النساء، في حين لا يتم الاعتراف بأي من الحريات التي يحصلن عليها خارج المنظومة الغربية. يشرح ذلك أيضًا في الفصل الثالث، إذ تصبح الهويات الجنسانية المرتبطة بالخصوصية الثقافية الأمريكية تحديدًا والأوروبية أحيانًا هويات معولمة لا تتحقق الحرية إلا من خلالها حتى لو استدعى ذلك أن تفرضها المنظمات الحقوقية قسرًا بتمويل إمبريالي على من لا يعتبرون هذه الهويات معبرة عنهم، ويصبح الوجود خارج هذه الهويات ضربًا من ضروب القمع والاستبداد حتى وإن كان الوجود خارجها يحقق حرية أكبر بشكل موضوعي. أما العملية الثانية، التي تتوازى وتتكامل مع الأولى، فهي تنتج الليبرالية على أنها آخر آخري أوروبا، ومن بينهم الإسلام، فلا تصبح الليبرالية بالضرورة مظلة لمجموعة من القيم والمبادئ وإنما تصبح نقيض كل ما هو مشرقي، أو غير أوروبي، أو إسلامي – ولا تنفصل هذه العملية طبعًا عن إنتاج الإسلام على أنه عرق غير أوروبي، وعلى أنه عرق سامي وعربي في بعض الأحيان،8 رغم دوره التاريخي في إنتاج الثقافة الأوروبية المعاصرة وحضوره في أوروبا وأمريكا، لا فقط من خلال مجتمعات مهاجرة متعددة الأعراق ولكن أيضًا من خلال مجتمعات مسلمة أوروبية أو أمريكية بيضاء. ثم يأتي الإسقاط (بمعناه النفساني) ليتمم التكامل ما بين هاتين العمليتين؛ فإن كان تاريخ وحاضر أوروبا وأمريكا يمتلآن بمظاهر الاستبداد والتوحش، فإن هذه المظاهر يتم إسقاطها دائمًا على آخَري أوروبا-الليبرالية وفي صادرتهم الإسلام «ومن ثم (…) ترتيب وتشفير الأشكال الأوروبية من الاستبداد على أنها ديمقراطية».9

إن كان العنف من طبيعية الدول فإن الخطاب الليبرالي الذي يجعل الأوروبي ليبراليًا بالضرورة يجعل من القمع الأورو-أمريكي ممارسات معيارية مقبولة وقابلة للتعميم.

ومن مخاطر تثبيت الليبرالية على أنها هي الغرب أن أشد الممارسات عنفًا واستبدادًا تصبح ليبرالية ما دامت غربية، وقد نشأ بعد فض اعتصام رابعة العدوية في 2013، على سبيل المثال، خطاب يتذرع بـ«المعايير الدولية»؛ لم يأت هذا الخطاب من الدولة المصرية وصنائعها فحسب وإنما أتى أيضا من مؤسسات ليبرالية ممولة دوليًا مثل مركز ابن خلدون الذي يديره سعد الدين إبراهيم، والذي أرسل مندوبة منه يوم 14/8/2013 لتكون شاهدة على ليبرالية الفض، في حين تبرعت منظمة باريسية تسمي نفسها «فرانكو إجيبسيان لحقوق الإنسان» تخصصت في التحذير من انتهاكات المنظمات الإسلامية (ومؤخرًا دولة قطر) لحقوق الإنسان ولا تنتقد الممارسات القمعية أو العنصرية الفرنسية بالرغم من كونها جمعية «فرنسية-مصرية»، ببيان في مديح الفض والتزامه المعايير الدولية. وبالفعل، فإن العنف ضد المتظاهرين هو من المعايير الدولية كما رأينا على الحدود الأمريكية المكسيكية وكما نرى في تعامل الشرطة الفرنسية مع الاحتجاجات القائمة. وإن كان العنف من طبيعية الدول فإن الخطاب الليبرالي الذي يجعل الأوروبي ليبراليًا بالضرورة يجعل من القمع الأورو-أمريكي ممارسات معيارية مقبولة وقابلة للتعميم. وما زال أنصار الاستبداد في عالمنا العربي يتابعون بلهفة العنف الذي تمارسه الشرطة الفرنسية ضد «السترات الصفر» إذ تمنحهم دليلًا على أن عنف الشرطة هو من مظاهر الحضارة والليبرالية الغربيين ومن «معاييرهما الدولية»، وتمنحنا نحن دليلًا على أن عولمة النموذج الغربي ومنحه وسومًا إيجابية (ومن بينها الوسم الليبرالي) ينتجان مزيدًا من القمع في بقية العالم ويعطيانه دروسًا في الاستبداد، لا في الحرية.

من «الاستبداد التركي» إلى «الربيع العربي»

اتخذت الليبرالية من الإسلام آخرًا لها منذ مولدها؛ حتى أن مفاهيم الليبرالية والمواطنة الحديثة قد نشأت، كما يوضح مسعد في فصله الأول، بالتمايز مع مفاهيم «الرعية» الإسلامية و«الاستبداد» التركي. ويدلل مسعد على ذلك بقراءة الدور الذي لعبه «الاستبداد التركي» في أعمال بعض آباء الليبرالية مثل مونتسكيو وفولتير. وتجدر الإشارة هنا بتعليق ألبرتو توسكانو الذي استفاض فيه في بيان دور الإسلام كآخر أوروبا في فلسفة هيغل- وهي بشكل ما الفلسفة المؤسسة لفكرة أوروبا الحديثة- و نظرة الأخير إلى الثورة الفرنسية على أنها «ثورة الشرق». ففي كتابات هيغل، يخبرنا توسكانو، يصبح «[النبي] محمد ابن عم [ماكسميلان دو] روبسبيير [زعيم النادي اليعقوبي الذي انتهج سياسة الإرهاب ضد أعداء الثورة]»، ويصبح الإسلام هو دين التطرف والإرهاب اللذين يمثلهما النادي اليعقوبي.

انطلاقًا من تأريخ مسعد للاستبداد التركي/الشرقي/الإسلامي على أنه الآخر الذي يتمايز الغرب عنه، ومن ملاحظة ألبرتو توسكانو في هذا الصدد، سأقوم بتوسيع هذه الفكرة لأظهر من خلال أمثلة متعددة (تتجاوز ما جاء في كتاب مسعد وشرح توسكانو) كيف أن الإسلام حاضر في الخطاب حول الثورة والاستبداد، منذ الثورة الفرنسية وحتى يومنا هذا- بشكل يسبق في بعض الأحيان إنتاج هذا الطرف أو ذاك على أنه ليبرالي.

ففي خضم المعارك الفكرية التي خاضتها الثورة الفرنسية تكرر الاتهام المتبادل بين القوى الثورية وقوى النظام البائد بانتهاج الاستبداد التركي (والمفارقة أن القوى الثورية أو التي يمكن وصفها عن حق بأنها ديمقراطية هي التي كفت أولًا عن تشبيه خصومها بالترك حين وجدت في الدولة العثمانية حليفًا ضد قوى أوروبا الرجعية التي تحالفت لإجهاض الثورة).10 وإن كان تشبيه الثورة للنظام الأرستقراطي بالاستبداد التركي يشير إلى هيمنة صورة نظام الحكم العثماني (أو الإسلامي) في لحظة ولادة الديمقراطية الغربية، فإن لجوء قوى الأرستقراطية إلى نفس صورة الاستبداد التركي تكشف لنا كيف دأبت أكثر القوى استبدادًا ورجعية  على البراء من استبدادها بإزاحته وإسقاطه على آخرها المسلم. وبعد أن انقض الجناح الرجعي في قوى الثورة (أو ما عرف بجناح الاعتدال) على رديفه التقدمي (ممثلًا في النادي اليعقوبي) وبدأ بتصفية القوى الثورية فيما عرف بـ«الرجعية/الردة التيرميدورية» (نسبة إلى شهر تيرميدور في التقويم الثوري الفرنسي)، شرع الكونت فولني، الذي كان محافظًا في ليبراليته، في تشبيه اليعاقبة و«الإرهاب الثوري» الذي انتهجوه بالإسلام فقال إن «منهجًا عُمَريًا11 محدثًا قد أخفى هويته ومبادئه ليعظ بأن العلوم هراء وليحرم كل موهبة و كل ثراء [معرفي]» ثم بعد أن جعل الإسلام والثورة الفرنسية نقيضي مفاهيم النهضة الأوروبية لخص منهج اليعاقبة الذي أخذوه عن جان جاك روسو12 بأنه «فكّر مثلي وإلا سأقتلك، وهذا بالضبط هو إعلان الإيمان المحمدي».13 والمفارقة طبعًا هي أن قوى «الاعتدال» هي التي كانت في ذلك الوقت تمارس هذا النوع من الإرهاب الدموي ضد أنصار النادي اليعقوبي ولكن ملاحظة الكونت فولني أدت إلى إزاحة الإرهاب التيرميدوري إلى الإرهاب اليعقوبي الذي سبقه، وإحالة الاثنين إلى الإرهاب الإسلامي. وهكذا تمكن «الليبرالي المحافظ»، الذي كان كذلك من مشاهير الكتاب المستشرقين في ذلك الوقت، من أن يبرأ من تأييده لقوى الرجعية الترميدورية وإرهابها الدموي (وربما من تقلبه اللاحق بين الجمهورية والإمبراطورية والملكية، فبعدما ساند انقلاب نابليون على الثورة، فمنحه نابليون لقب كونت، ساند كذلك انقلاب الملكية على إمبراطورية نابليون، فكرمته الملكية بلقب أرستقراطي شرفي).

واستمر هذا النهج حتى أن «غازيتة فرنسا»، التي كانت لسان حال الجناح الأكثر رجعية في الحزب الملكي الفرنسي، قامت إبان الغزو الإنجليزي لمصر بتشبيه المد الثوري الذي طغى على فرنسا قبلها بعقد بالحالة الثورية التي كانت تعيشها مصر تحت ظل الحكومة العرابية، وبالطبع لم يفُتها التركيز على الجانب الإسلامي في الحركة العرابية والمبالغة فيه؛ فالحركة العرابية لا أمل لها بالنجاح بحسب الغازيتة (الصحيفة) لأن قادتها لم يقرأوا سوى القرآن ويعاملون عرابي كما لو كان نبيًا. وبهذه الطريقة أعادت الصحيفة الناطقة باسم قوى الاستبداد إنتاج المد الثوري الفرنسي الذي أسلمته على أنه «ديكتاتورية 1870».14 لم تكن الغازيتة، بطبيعة الحال، حتى وهي ترفض «الديكتاتورية» الثورية والمشرقية، ملتزمة بالديمقراطية، فقد عادت في مقال آخر وشبهت الحكومة العرابية بكومونة باريس وأدانت تهاون الحكومة الجمهورية الفرنسية مع مصر وتعاطف بعض الاشتراكيين الفرنسيين مع العرابيين  قبل أن تقوم بطرح الحل: «القضاء على الديمقراطية».15   

ربما كانت الغازيتة تقصد القضاء على الديمقراطية في مصر فكأنها بذلك تعطينا سابقة لخطاب سيسود فيما بعد، يرى أن السياسات الغربية في المنطقة العربية/الإسلامية عليها أن تدعم الاستبداد الذي يناسب ثقافة هذه المنطقة، لا مفاهيم الحرية والديمقراطية الغريبة عنهما. ولكن الأحرى أنها كانت ترى القضاء على الديمقراطية في فرنسا ومصر معًا باعتبارهما عوارض مرتبطة ببعضها البعض، بل إنها قد ذهبت في مقال آخر، عنونته بـ«الانحلال/الانحطاط الجمهوري»16 إلى إدانة موقف الجمهورية المتردد في التدخل العسكري في مصر إلى جانب بريطانيا، على أنه «جبن ديمقراطي» ورأت أن الجمهورية، بإتاحتها المجال للصراع الحزبي، أصيبت بانحلال/انحطاط «على الطريقة الشرقية» ملمحةً إلى أن تكون العدوى قد أصابتها من المسلمين الذين تتعامل معهم.

يمثل خطاب الغازيتة، الذي «ينسى آخرُه أولَه» (بالإذن من وليام شكسبير)،17 تشييء الإسلام على أنه آخر الغرب، وآخر الليبرالية، بشكل يسبق تشكل الليبرالية ويفيض عن الخطاب الليبرالي ذاته، فينتج الإسلام والمشرق الإسلامي على أنهما مغاليان في الاستبداد والانحلال (الديمقراطي، الفوضوي) في الوقت ذاته. فالغازيتة (التي ربما كانت تهتم بمال البوربون وحقهم المزعوم في الملك بأكثر مما كانت تهتم بالاتساق الأيديولوجي) لم تكن تعرف إن كان خصمها ديكتاتوريًا أم ديمقراطيًا، وبالتالي إن كانت هي آخر الديكتاتورية أم الديمقراطية، فقد كانت تعي أن آخرها، ديكتاتوريًا وديمقراطيًا، يحال إلى الإسلام. وإن كان يبدو كما لو كنا قد خرجنا عن إطار الإسلام في الليبرالية إلى الإسلام في الغرب، إلا إن هذا التناقض في جعل الإسلام مبالغًا في التزمت والانحلال في الوقت ذاته -وبالتالي جعل الذات المسلمة ذاتًا مبالغة في فاعليتها وفي سلبيتها في الآن ذاته، بحسب ملاحظة ألبرتو توسكانو– مركزيٌ في إنتاج الليبرالية لنفسها على أنها نظام الحكم السليم، وبالتالي حاضرٌ في التباسها نحو الثورة الفرنسية التي جعلت الليبرالية بحد ذاتها ممكنة ولكنها في الوقت نفسه خرجت قبل الأوان على حدود ما ستعتبره الليبرالية لاحقًا عقلانية وعملًا سياسيًا مشروعًا.

تصبح الثورات فوضى همجية تحيل إلى الانحلال الشرقي والإرهاب الإسلامي حين يتم التنصل منها، وتصبح ذروة التَأورُب الليبرالي حين يتم التباهي بها.

يتعجب ألبرتو توسكانو في قراءته من مفارقة إنتاج الحدث الأوروبي بامتياز -وبشكل ما الحدث المؤسس لليبرالية الغربية- وهو الثورة الفرنسية، على أنه إحالة إلى الإسلام، ولكن هناك نقطة مهمة أود أن أشير إليها في هذا السياق، وهي أن الثورة الفرنسية -وما تلاها من هبات شعبية- حين يتم التباهي بها تصبح أوروبية بامتياز، في حين تصبح في خطاب الثورة المضادة وخطاب «الاعتدال» الليبرالي، خللاً شرقيًا وإسلاميًا. وبشكل أوسع، تصبح الثورات فوضى همجية تحيل إلى الانحلال الشرقي والإرهاب الإسلامي حين يتم التنصل منها، وتصبح ذروة التَأورُب الليبرالي حين يتم التباهي بها (ولم يتباهَ أحد، مثلًا، بأن الثورة الفرنسية أوصلت إلى فرنسا التراث «التقدمي» العربي في قتل الملوك والذي تباهى به الشعراء قبل الإسلام وبعده).  إلا إن الصراع على تعريف «الثورة» وعلاقتها بالإسلام، وعلاقتهما الملتبسة بالليبرالية، يكتسب زخما أكبر في عالم ما بعد 2011.

يشرح مسعد على عجالة في الكتاب وبتفصيل أكثر في مقاله «الحب والخوف والربيع العربي»، كيف أن «الربيع العربي» هو مصطلح أنتجه الخطاب الغربي لينزع عن الحركات الاحتجاجية محتواها الثوري ويضفي عليها نزعة ليبرالية عن طريق إحالتها إلى ربيع براغ الليبرالي المدعوم أمريكيًا والمناوئ للشيوعية السوفيتية، والذي لم يكن، بحسب تحليل مسعد، حركة ثورية وإنما حركة «إصلاحية» بدأت من رأس النظام ومن داخل الحزب الشيوعي نفسه، ولم تتحول إلى حركة شعبية واسعة، ولم تتعدَ مطالبها بعض الإصلاحات «الليبرالية» على حساب المكاسب الاجتماعية في ظل الحكم الشيوعي. وقد ترتب على هذا الإنتاج الليبرالي للربيع العربي توتر مفتعل ما بين «ربيع ليبرالي» مزعوم وما بين وجود إسلامي نُزع من هذه الحركة التي كان رافدًا أساسيًا لها، وتم تصويره وافدًا عليها ونقيضًا لها. وفي أحيان أخرى وبالتزامن والتناقض مع ذلك، دُفعت الحركات الإسلامية إلى مواقف متصالحة مع الإمبريالية ورأس المال الأجنبي ومظاهر «الحداثة الغربية«/«الليبرالية»، بالذات الإخوان المسلمين الذين أبدوا حماسًا شديدا للمشروع النيوليبرالي وقروض صندوق النقد الدولي وشوقًا إلى الجلوس على نفس الطاولة مع الأمريكيين. (فيما بعد سيستخدم توماس فريدمان المصطلح ذاته لإضفاء الليبرالية على محمد بن سلمان بينما كان يشن حملات اعتقال على معارضيه وحملات تقتيل وتجويع في اليمن، قبل أن يتصنع البراءة، لا الندم، بعد مقتل زميله على يد صاحب «ربيع السعودية»).

إلا إن الإسلام في/ضد الليبرالية لا يظهر فقط في تعبئة مصطلحات مثل «الربيع العربي» و«الليبرالية» ولا فقط في الخطاب الغربي، ولكنه يظهر أيضًا في خطاب مُعرْقَن عن المواطنة الفاعلة والمواطنة السلبية، يضعه مسعد في صلب عملية إنتاج الاستعمار لليبرالية في المستعمرات؛ فيلاحظ أن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا أنتج «أفريقيين متمدنين» يمكنهم «ولوج المؤسسات الليبرالية» وأفارقة غير متمدنين قوامهم «الريفيون الذين يفتقرون إلى التعليم الاستعماري وامتيازات الطبقة الوسطى» وبالتالي يتم اعتبارهم «مواطنين سلبيين محالين لمجال مؤسسات «التقاليد والأعراف»».18 وبنفس المنطق أُنتج الإسلاميون -بالذات الإسلاميين ذوي اللحى والجلابيب التي تتنافى مع مظهر الحداثة- على أنهم «مواطنون سلبيون محالون لمجال مؤسسات «التقاليد والأعراف»». وربما احتاج هذا الأمر إلى دراسة مفصلة ولكن يمكننا أن نقول في عجالة إن الخطاب العام المصري بأجنحته السلطوية والليبرالية، دأب منذ عهد مبارك على إنتاج الإسلاميين أجسادًا ريفية خارجة على الإطار المعرفي والحياتي والملبسي والجمالي والقيمي الحداثي-الليبرالي (وبالتالي إنتاج الإسلام كآخر معرقن في بلد 90% من سكانه مسلمون). وقد تبدى هذا في الهلع الليبرالي من دخول الإسلاميين بلحاهم وجلابيبهم وشريعتهم إلى المعترك السياسي الرسمي (أو بتعبير آخر «ولوجهم المؤسسات الليبرالية») بعد أحداث 2011. رأينا ذلك مثلًا في ردود الفعل على ما عرف بجمعة قندهار أو حتى في بعض حالات الفتنة الطائفية التي رأى الليبراليون في تعقيبهم عليها أن ظهور الإسلاميين بجلابيبهم ولحاهم مبرر كاف لإطلاق النار عليهم. وقد سيطر الامتعاض من وجود المظاهر الريفية أو غير الحداثية في قصر الرئاسة على خطاب مناهضي الرئيس المعزول محمد مرسي (حتى أن هتافًا سائدًا كان ينعته بـ«ابن سنية» باعتبار اسم سنية اسمًا ريفيًا لا يؤهل حاملته أو ابنها لولوج المؤسسات الليبرالية). فكانت عرقنة الإسلاميين وأخرنتهم ضروريتين لتبرير خطاب 30 يونيو ومنح أرضية ليبرالية للانقلاب على سلطة منتخبة وفق تعاليم الليبرالية الغربية. وقد حاول البعض بيان تناقض ما قام به هؤلاء مع الليبرالية، ولكن يمكننا الآن من خلال قراءة مسعد أن نقول إن ما فعلوه هو الالتزام بالمعايير الثقافوية والعرقية-العنصرية لليبرالية بحذافيرها.

أما في الغرب «الليبرالي» الذي يعتمد تعريفه لنفسه عن الاختلاف مع المشرق -أو المشارق، عربيها وإسلامها وآسيويها- والذي يشكل الأفق التحرري العربي تهديدا لتعريفه لنفسه ولعالميه الخيالي والرمزي، فقد ظهر اتجاهان للتعامل مع انتفاضات 2011. الاتجاه الأول، الذي اتسق مع تسمية «الربيع العربي» وإحالتها إلى التاريخ الغربي، تعامل مع انتفاضات 2011 كما لو كان العالم العربي يتعلم من الغرب التحرر (الذي اختُزل في الليبرالية) لأول مرة. وهكذا تحولت الثورات العربية إلى خطوة في مسيرة داروينية اجتماعية تتبع خطى الغرب، متجاوزةً تاريخ المنطقة الطويل في النضال من أجل التحرر (من الاستبداد الداخلي والاستعمار سواء) ناهيك عن تاريخ طويل يمتد إلى ما قبل الإسلام في تحدي السلطان والتفاخر بذلك شعرًا ونثرًا (في حين حاول آخرون، ببادرة من سعد الدين إبراهيم، القفز على تاريخ الأمة الحديث والقديم وإحالة الثورة إلى مصر الفرعونية بإطلاق تسمية «ثورة اللوتس» على الحركة الاحتجاجية).

ولعل القراء يذكرون ظهور جون ستيوارت في برنامج صنيعِه باسم يوسف وإعطاءه الدروس لتلميذه الليبرالي (ومن ورائه لجموع الليبراليين المصريين والعرب) عن ماهية الديمقراطية وصعوبة مسارها ليتباهى بعدها بمائة عام من الديمقراطية الأمريكية. لم يقدم ستيوارت فحسب رؤية داروينية اجتماعية تفترض أن مسار التطور الغربي نحو الديمقراطية الليبرالية هو المسار الوحيد وعلى الآخرين السير في ركابه،وإنما زاد على ذلك أن بنى هذه السردية الغربية-الفوقية على أكذوبة «مائة عام من الديمقراطية الأمريكية» وهي الأكذوبة التي يضعها مسعد في لب تحليله لاختلاق الليبرالية الغربية وآخرها المسلم والتي ظهرت، كما يوضح مسعد، بشكل متكرر في خطاب الولايات المتحدة الفوقي الموجه إلى العالم العربي وإلى مصر تحديدًا، وقد ظهرت جلية في تصريحات هيلاري كلينتون بعيد سقوط مبارك، على سبيل المثال. يقدم مسعد الرد على هذه الأكذوبة بشكل واضح متسائلًا «فما معنى أن تقدم دولة عمرها قرنان، ينقسمان إلى قرن من العبودية العرقية وثانٍ من الفصل العنصري، نفسها داخليًا وخارجيًا على أنها أقدم ديمقراطية في العالم؟ وما معنى أن تقوم دولة لم يسمح للنساء  فيها بالتصويت في القرن الأول ونصف من عمرها بوصف نفسها بالديمقراطية الأقدم؟»19 ليس المهم هنا أن مسعد يقدم ردًا مفحمًا على ترهات جون ستيوارت وهيلاري كلينتون وغيرهما من المتغنين بتاريخ الديمقراطية الأمريكية، وإنما ظهور خرافة الديمقراطية الأمريكية -ونقيضها الاستبداد الشرقي ممثلًا في ثقافة المنطقة ونظام الإخوان المسلمين- حتى في لحظة احتمال تحرر الشعوب العربية من الاستبداد.

«ما معنى أن تقدم دولة عمرها قرنان، ينقسمان إلى قرن من العبودية العرقية وثانٍ من الفصل العنصري، نفسها داخليًا وخارجيًا على أنها أقدم ديمقراطية في العالم؟ وما معنى أن تقوم دولة لم يسمح للنساء  فيها بالتصويت في القرن الأول ونصف من عمرها بوصف نفسها بالديمقراطية الأقدم؟».

أما الاتجاه الآخر في تعامل الخطاب الغربي مع التغيرات الجارية في العالم العربي فكان إلى التأكيد على الديكتاتورية العربية-الإسلامية، وكأن الغرب الذي اهتز عالمه الرمزي بظهور احتمال زوال «الديكتاتوريات العربية» كان بحاجة إلى أن يطمئن نفسه إلى أن ديار العروبة والإسلام هي كذلك ديار الاستبداد، هذا قبل أن تدعم تيارات مختلفة من «الغرب الليبرالي» عودة الاستبداد سواء من خلال استقطاب الإخوان المسلمين وغيرهم إلى المشروع النيوليبرالي، ظهير إمبريالية رأس المال، أو من خلال دعم الانقلابات العسكرية أو من خلال تحويل حركات الاحتجاج إلى حروب أهلية وإلى ذريعة للتدخل الأجنبي. وبهذا المنطق، كان رد فعل هوليوود الأول على الثورات العربية هو فيلم الديكتاتور الذي لعب فيه الممثل الإسرائيلي-البريطاني ساشا بارون كوهين دور الديكتاتور الشرق-الأوسطي الجنرال علاء الدين (الشبيه إلى حد كبير بمعمر القذافي)، الذي يحكم دولة نفطية شرق أوسطية متخيلة أعطوها اسما عربيًا هو وديعة. وربما كان في اختيار الاسم إشارة (واعية أو غير واعية) إلى تصور المشرقيين/العرب/المسلمين شعوبًا تتميز بثقافة الاستبداد والتبعية ولا تعدو أن تكون «وديعة» في يد راعيها، وبالتالي إلى مفهوم الرعية الشرقية-الإسلامية التي قامت المواطنة الغربية على التمايز معه؛ أو ربما إشارة إلى كون الثروات العربية -و على رأسها النفط- وديعة تنتقل من يد حكامها إلى يد الشركات الدولية، وهي إشارة متسقة مع تحيزات الليبراليين الأوائل «الذين وصفوا الاستبداد [الإسلامي/المشرقي] بأنه نظام لا يعترف بالملكية الخاصة، ممهدين عبر ذلك الطريق للنهب الإمبريالي من قبل أوروبا، وهو شيء سيشرعنه عمومًا استشراق القرن التاسع عشر والفكر الليبرالي الأوروبي»، بصورة «لم تكن مختلفة كثيرًا عن الحجج الإمبريالية بخصوص مسألة النفط «العربي» و«الإسلامي»».20 وبالإضافة إلى هذه الإحالات الواضحة والمبطنة إلى الاستبداد العربي والمسلم، لم يخلُ كلام الجنرال علاء الدين من إحالات إلى كوريا الشمالية (فالمشرق كما أسلفنا يحيل إلى بعضه البعض؛ وإن كان الإسلام ليس آخر الليبرالية الوحيد، فالشيوعية الآسيوية ممثلة في الصين وكوريا الشمالية هي أيضًا من آخري الليبرالية، إلا إن الإسلام في إعلام الليبرالية المعاصر قادر على اختزال كل آخريها). والمفارقة أن كلام الجنرال لم يخل كذلك من إحالات إسرائيلية، فساشا بارون كوهين كان يمزج العربية بالعبرية ليختلق لغة وديعة. وبالرغم من هذه الإحالة الإسرائيلية، نرى الديكتاتور المشرقي (شبيه العرب والمسلمين) معاديًا للسامية بعنف، كأنما الفيلم يشي دون وعي من صانعيه بإنتاج المسلم ساميًا وإسقاط لاسامية الغرب عليه في الوقت ذاته (وهي العملية التي يفككها مسعد في الفصل الأخير من كتابه). وفي نهاية الفيلم يتزوج الديكتاتور من ناشطة غربية تمثل مزيجًا ساخرًا من النسوية وحقوق المثليين والنشاط البيئي- أي أجندة الجناح التقدمي من الليبرالية- وكأن الفيلم يقول لنا أنْ لا أحد يستطيع مقاومة غواية الليبرالية الغربية، ولا حتى المستبد الشرقي/المسلم (أو أن الديمقراطية هي ما لا نستطيع ألا نريد، بحسب تعبير وندي براون). إلا إن الفيلم على ما فيه، لم يفُته أن يشير بذكاء إلى اختزال الليبرالية للمطالب التحررية في إصلاحات ظاهرية على النمط الأوروبي تصب في مصلحة رأس المال الدولي، فمطالب التحديث والإصلاح الدستوري في الفيلم لم تعدُ أن تكون غطاء لتسليم نفط وديعة لشركات البترول الدولية (وهو ما حدث بالفعل في ليبيا)، وفي النهاية استطاع الجنرال علاء الدين أن يحصل على وسم الديمقراطية من الغرب عن طريق تمرير بعض الإصلاحات الشكلية التي سمحت لحكمه أن يستمر كما كان. ويلخص الفيلم كذلك بذكاء إنتاج المسلم المعرقن عربيًا واختزال جميع آخَري الغرب/الليبرالية في المسلم-المعرقن/العربي حين يقول ضابط الأمن الأمريكي للجنرال علاء الدين «للأمانة علي أن أعترف أنا أكره العرب»، فيرد علاء الدين بأنه ليس عربيًا فيرد الضابط الأمريكي «كلكم عرب بالنسبة لي: السود، اليهود، الشواذ الزرق الذين يحضنون الأشجار في [فيلم] أفاتار؛ في الواقع كل من هو خارج أمريكا هو عمليًا عربي». وعلى العكس من ذكاء الفيلم (الذي كرس صورة المستبد المسلم حتى أثناء سخريته من المشروع الليبرالي)، كان غباء الوول ستريت جورنال التي بشرتنا بأنه سيكون من حسن حظ مصر إن أتاها بينوشيه جديد.

وفي مقابل التذكرة بالاستبداد العربي/الإسلامي (ومعه الاستبداد الأمريكي اللاتيني وكأن انقلاب بينوشيه كان من صنع ثقافة العالم الثالث المناهضة للحرية، لا من صنع المخابرات الأمريكية) وتثبيته لتطمئن به الليبرالية نفسها على أن عالمها الرمزي لم يهتز، ظهرت مجهودات شبيهة للتذكرة بأن ميراث الثورة والتحرر هو ميراث غربي بامتياز. وإذ وضعت أحداث عام 2011 الثورات مرة أخرى على أجندة الإعلام الليبرالي أبت هوليوود -ومعها عموم الثقافة الشعبية الأمريكية- إلا أن تتذكر أن الثورة هي ميراث أوروبي-فرنسي فبعثت المعالجة المسرحية الغنائية لرواية البؤساء من مرقدها، وهي التي تتذكر الثورة الفرنسية عن طريق إزاحة الثورة من حيث هي عمل جماهيري يفتح الباب للتغيير الجذري إلى تمرد يونيو-حزيران 1832 المحدود والفاشل؛ فظهرت المعالجة الهوليوودية في عام 2012 ثم عادت المسرحية الغنائية لفترة  قصيرة إلى برودواي عام 2014، بالرغم من أن هذه المسرحية لم تكن يوما ذات شعبية في أمريكا ولم يتعد عرضها السابق في برودواي عامين (في مقابل نجاحها المستمر في بريطانيا حيث استمر عرضها من عام 1985 إلى يومنا هذا دون انقطاع لتصبح المسرحية الغنائية الأطول أجلًا في مسارح لندن). يشي هذا الظهور الأمريكي المفاجئ للمسرحية الغنائية التي كانت قبل ذلك متروكةً أمريكيا بدور تطورات العام 2011 في فرض مفهوم الاحتجاج الثوري على أجندة الإعلام العالمي، كما يشي بالحيل النفسية الدفاعية (اللاواعية في الأغلب) التي يلجأ إليها الغرب محاولًا إزاحة الانتفاضات العربية إلى القرن التاسع عشر وإلى ميراث الاحتجاج/التحرر الغربي، وفي ظل تقديم الثورة أوروبيةً بحتة حين يتم الاحتفاء بها، وشرقية-إسلامية همجية حين يتم التبرؤ منها. وحتى الدعوة إلى «احتلال وول ستريت» بعد أشهر من «الثورة» المصرية، وبالرغم مما كان وراءها من نبل ومن استلهامها للأحداث في مصر، أعادت التأكيد على أن الاحتجاج عمل غربي-ليبرالي بالأساس عن طريق الدفع بالنشطاء البيض إلى الواجهة وإخراس الأصوات العرقية الأخرى، وعن طريق التأكيد على مظاهر التحرر الليبرالي، مهمشةً بذلك مطالب التحرر الجذري والعدالة الاجتماعية، التي كانت وراء الدعوة من الأساس، وأجندة التضامن الأممي التي لم تكن الدعوة لتطلق لولاها.

التحرر في/من الليبرالية

لا يرى مسعد خلاصًا من خلال الليبرالية، وإنما يرى أن أي حل تحرري ينبغي أن ينطلق من الخلاص من الليبرالية.21 فما دامت الليبرالية، كما سبق، تقوم دائمًا بإنتاج آخرها الذي تتمايز عنه وتنبذه وتجعله هدفًا لا لإسقاط آثامها عليه فحسب ولكن لتغييره عنوة كذلك، وما دامت الليبرالية هي نتاج عملية تشفير الخصوصية الأوروبية على أنها الطريقة الأمثل كونيًا، فإن أي مشروع خلاص ليبرالي من شأنه أن يعيد إنتاج (بعض أو كل) التحيزات والسياسات الاستعمارية الكامنة في الليبرالية (وهو ما ظهر في مثال احتلال وول ستريت الذي طرحناه). وهنا يتفق مسعد مع منتقديه الذين يرون أن مشروعه يعوق «تخيل طرائق بديلة عابرة للحدود» ما دامت هذه الطرائق لا تخرج على الأعراف الليبرالية. وبدلًا من الطرائق الليبرالية يطرح مسعد «دعم أشكال التضامن غير العنصرية وغير الإمبريالية» التي لا تنطلق من تعميم وفرض التحيزات الليبرالية وخصوصيتها الأورو-أمريكية.22

«ليس الموضوع هنا»، بحسب ما يقول مسعد في سياق آخر، «أن هذه هويات وسياسات غربية يجب رفضها لأنها غربية كما يروّج بلهاء الليبراليين (فالفكر الاشتراكي مثلًا غربي المنشأ)، بل لأنها هويات وسياسات إمبريالية تسعى لإزالة مكوّنات قائمة في مجتمعاتنا تقف في طريقها، ابتداءً من الدعم الاقتصادي والحقوق الاقتصادية التي كانت الدولة تقدمها وترعاها، وطبيعة النشاط السياسي وتوجهاته، وإدراك مفهوم اللذة والممارسات والهويات الجنسية، والمبادئ التحريرية للتخلص من الظلم الاجتماعي والاقتصادي». واستنادًا على«السجل المروع» لليبرالية في تمرير القمع على أنه حرية ما دام أوروبي الطابع، وفي تهميش ومحو وتدمير المفاهيم التحررية التي لا تنبع من الخصوصية الثقافية الغربية ولا تتفق مع الأجندة الاستعمارية، يختلف مسعد مع الأكاديميين (ومنهم وندي براون) الذين يرون إمكانية للانطلاق من وعود الليبرالية لتأسيس أفق تحرري مع الاحتفاظ بنقد أشكال الليبرالية وبالذات النيوليبرالية. ويرى ضرورة الانطلاق من أجندات تحررية أخرى، ضاربًا المثل بالاشتراكية التي «منحت أكثر بكثير مما وعدت الليبرالية في مجالات العرق والنوع الاجتماعي والطبقة». ومع تسليمه ببعض مساوئ النظام السوفييتي، يتساءل مسعد لماذا نغض الطرف عن مساوئ الليبرالية ونتخيل أنه من الممكن تجاوزها إلى أفق تحرري يستند على وعود الليبرالية ولا نغض الطرف بالمثل عن مساوئ «الاشتراكية السوفييتية» ونتخذ منها أرضية لتخطي مساوئ النظام السوفييتي إلى أفق تحرري يستند إلى وعود الاشتراكية ويتخطاها؟

وردًا على سؤال ما إذا كانت الليبرالية تحتاج إلى الإنقاذ أو تستحقه، يرى مسعد أن الرد هو لا قاطعة، وأن الذين يرزحون تحت نير الليبرالية هم الذين يحتاجون إلى أن يتحرروا منها.23 ربما تحتاج هذه النقطة إلى استكشاف أوسع لمظاهر قمع الليبرالية لعموم شعوبها (كما تشي بذلك التطورات في فرنسا والولايات المتحدة التي تواكب كتابة هذا المقال)، إلا إنه من حسن حظنا أن المقدمة التي انتواها مسعد لمشروع جينيولوجيا الإسلام تحولت إلى دراسة مستقلة في إنتاج وتعبئة الإسلام ضمن عملية إنتاج الليبرالية ذاتها في ديارها (أو إلى دراسة في «الليبرالية من وجهة نظر ضحاياها»24 بحسب توصيف مسعد). فبنقل العدسة من العالم العربي/الإسلامي وتعبئة الليبرالية فيه والردود المحلية عليه، إلى العالم الغربي/الليبرالي وإنتاج الإسلام وتعبئته في الليبرالية- الغربية، يقطع مسعد الطريق على من ينتوي قراءة مشروعه على أنه نقد محلي محدود لاستيراد القيم الغربية في العالم العربي، ويسمح لنا بتوسعة مشروعه لا فقط لنقرأ الدور الأساسي للاستشراق وللتجربة الاستعمارية والتحيزات العرقية والثقافية في إنتاج «الغرب» نفسه (وهو مشروع إدوارد سعيد الذي يستلهمه مسعد في كتاباته)، ولكن أيضًا لاستكشاف الدور السلبي والمعادي للتحرر الذي لعبته وتلعبه الليبرالية في سائر العالم وفي المركز الأورو-أمريكي ذاته.

  • الهوامش

    [1] تظهر معضلة لفظية- هجائية حين نتحدث عن أمريكا لأن بعضنا يكتبها كما أكتبها وبعضنا يكتبها «أميركا». وإن كانت الثانية هي الأدق، فإن الأولى أنسب للأذن العربية ولقاعدة عدم التقاء الساكنين، وأطوع للعروض العربي؛ وقد قال محمود درويش على سبيل المثال، في مديح الظل العالي: «أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا» ولو قال «أميركا هي الطاعون والطاعون أميركا» لفسد الوزن واستحال الإلقاء. وبعد أن أتيت بشاهدي من الشعر على طريقة اللغويين القدماء، فإني أطلب الإذن من القراء الشوام، ومن جوزيف مسعد الذي يتبع تهجئة «أميركا» في كتاباته العربية، وبالطبع من محرري هذه الصفحة، في استخدام تهجئة «أمريكا» طوال المقال.

    [2] جوزيف مسعد، 2018. «الإسلام في الليبرالية». ترجمة وتحقيق أبو العباس إبراهيم. جداول للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت. ص 95.

    [3] مسعد، ص 96.

    [4] مسعد، ص 141- 142.

    [5] مقتبس في مسعد، ص 23.

    [6] مسعد، ص 24.

    [7] حديثي عن الخصائص الثقافية الأوروبية يشمل كذلك المجتمع الاستيطاني الأوروبي في أمريكا الشمالية، ما لم أقل غير ذلك صراحة.

    [8] مسعد ص.ص 375- 408 (الفصل الخامس).

    [9] مسعد ص 39.

    [10] Yves Benot, “Révolution Française et ‘Despotisme Turc’,” La Révolution Française et le Monde Arabo-Musulman: Colloque International Tunis 9-11 Novembre 1989.

    [11] نسبة إلى عمر بن الخطاب.

    [12] عن اختلاف جان جاك روسو وتلامذته عن سائر الليبراليين، إذ رأى نظام الحكم الإسلامي-العثماني «أقل فسادًا وأكثر عدلًا من الاستبداد الأوروبي». ينظر ص 70 من «الإسلام في الليبرالية».

    [13] Yves Benot, “Révolution Française et ‘Despotisme Turc’.”

    [14] Gazette de France, 8/4/1882, 8/7/1882.

    [15] Gazette de France, 17/6/1882.

    [16] Gazette de France, 6/7/1882, 1.

    [17] William Shakespeare. The Tempest, 2.1.174.

    [18]  مسعد، ص 39.

    [19]  مسعد، ص 34.

    [20] مسعد، ص 70.

    [21] Joseph Massad (2016): Liberalism from the Standpoint of its Victims, Politics, Religion & Ideology, DOI: 10.1080/21567689.2016.1172427

    [22] السابق.

    [23] السابق.

    [24] السابق.