جولة على الأقدام إلى ثلاثة معارض فنية في جبل عمّان

جولة على الأقدام إلى ثلاثة معارض فنية في جبل عمّان

الأربعاء 06 أيلول 2017

 

عاد جبل عمّان إلى الأضواء في السنوات الأخيرة كغيره من مناطق المدينة الأقدم التي عاشت هبّة حضريّة، قد يكون أكثر مظاهرها إيجابيةً احتضانُ تلك الأحياء لمساحات فنية تساهم في الدفع بالفن التشكيلي العربي إلى الأمام. وكما جرت العادة، تعرض تلك المساحات حالياً أعمالا متنوعة من مجموعتها بانتظار الموسم الجديد، وهي مرحلة مثيرة للاهتمام في حياة أيّ صالة عرض، حيث تشكل هامشا سنويا لإعادة التأمل في الموسم الفائت، وتجمع مختارات من كل المعارض التي استضافها المكان يوما.

ولذلك اخترنا هذا المسار القابل للمشي، والمكون من ثلاث محطات تستدعي الزيارة هذا الشهر، يميزها بشكل خاص بيئتها الصديقة للزوار، وأعمالها التي تكمل بعضها، جاعلةً من المسار رحلة زمنية خاطفة عبر عقد، على الأقل، من المشهد الفني المعاصر للمدينة والمنطقة.

نبَض

يعيش جاليري نبض حياةً خاصة من السكينة، يفصله عن المدينة حديقةٌ بيتيّة من جهة، وشرفة مطلة على باقي جبال عمان من الجهة الأخرى، ويعرض حالياً مجموعة، تستمر حتى منتصف أيلول، تضم حوالي خمسين لوحة لفنانين غالبيتهم أردنيين وعرب.

تتوزع اللوحات على صالة رئيسية وبعض غرف جانبية، وتبرز من بينها أعمال مثل «شجرة زيتون» للفنانة الفلسطينية السورية، المقيمة في كندا، إيمان حرم. يمثّل العمل شجرة زيتون نزعت من أرضها لتوضع على شبكة إحداثيات، كادرٌ منطقي ينتهي بالتلاشي أمام فوضى الأوراق والأغصان التي تعرّش في طبقات متداخلة من الأخضر والرمادي. يزيد من غموض العمل متتالية فيبوناتشي الرياضية التي ترقَم الشبكة، وتترك المشاهد مأخوذاً بغرابة اللغة الرمزية والحالمة التي تعالج بها الفنانة علاقتها بالمنفى والذاكرة.

يلفت الانتباه أيضا لوحتان للفنان العراقي سيروان باران، أبطالها شخصيات بكيانات تقريبية ووضعيات خرقاء ومتلويّة، ملامحها الغائرة تختفي إما تحت قناع لوني فظ أو تتفسّخ إلى أسود-بني غامق. يتميز أسلوب باران بلمسة خاصة من الاستفزاز والتهكم، وبتعبيريّته المظلمة، وكأن أحداث اللوحة تجري على طبقات مختلفة من الواقع، تتسرب إلى بعضها عبر لطخات وثقوب، ويتفجر فيها التوتر بألوان حادة.

وادي فينان

تجعل الواجهة الزجاجية من جاليري وادي فينان امتدادا بصريا وفراغيا للحارة الحجرية، كما يمتلك الجاليري موقعا ثانيا أكبر على بعد 50 مترا، ويعرض الموقعان مجموعةً لفنانين عرب بانتظار الموسم الجديد الذي سيبدأ مع نهاية أيلول.

مصدر الصورة: الموقع الإلكتروني لجاليري وادي فينان.

يبرز من تلك المجموعة لوحات لأشخاص مثل سمعان خوام ومحمد تميمي، اللذان يلعبان -كلٌ بطريقته- على المنطقة الغامضة بين الطفولي والكابوسي، بشخصيات تكاد تكون كرتونية لولا القسوة في ملامحها. لكن أكثر ما قد يستوقف الزائر أعمال الفنان السوري الشاب بشر قوشجي، الذي سكن عمان منذ عام 2012 وأقام فيها معرضاً منفردا العام الماضي.

تتكون غالبية لوحات قوشجي المبهرة بصريا من بورتريهات لشخصيات عادية، أطفال وسيدات منزل وأزواج، جميعهم مرسومون بطريقة مسطحة، يعشّش في رؤوسهم عالم من شظايا طويلة تشبه قطع مرآة كانت تحمل قصة كبيرة، قبل أن تتكسر إلى شذرات حادة وتتراصف بتكوين عشوائي، كل منها يحمل جزءًا أصبح غير مقروءٍ من القصة.

تحافظ لوحات قوشجي بالرغم من تعقيدها على خفة مدهشة وهدوء لونيّ، بشخصيات لا تبدو متألمة بقدر ما تعيش نوعا من الخدَر، تبدو ملامحها الضائعة قيد التعليق بانتظار الفيلم اللانهائي من الحوادث والذكريات التي تومض دون توقف. يتناقض النسيج التكعيبي ذاك بديناميكيّته مع سكون الشخصيات وافتقادها للعمق، كما يتمدد أحيانا خارج رؤوس الشخصيات ليتحول إلى كائن مستقل يظهر في «بورتريهات» خاصة به.

جاكارندا

نصل محطتنا الأخيرة باتباع شارع الرينبو نحو الحافة الشرقية للجبل، حيث يشكل شارع عمر بن الخطاب محورَ تناظرٍ مثاليّ بين الفضاء الأزرق المشرف على المدينة من جهة، وبين واجهة زجاجية تعكس جبل الأشرفية من الجهة الأخرى، وتشي بالغرف المكدسة بالأعمال الفنية لجاكارندا.

ينظم جاكارندا معارض دورية، ويعرض حاليا مجموعة تضم فنانين عربًا وأجانب، وتتميز كالعادة بالتنوع المدهش لخلفيات فنانيها، من معماريين كعمار خماش، وصولاً إلى الكثير من الشباب غير الأكاديميين بالضرورة، يعرض بعضُهم أعماله للمرة الأولى.

تركز الأعمال المعروضة بشكل أساسي على الطباعة والفن المشغول على الورق، بكل ما يتضمنه ذلك من تصوير وحفْر وأشكال التصميم الجرافيكي المختلفة، كما تستوحي طابعها العام من أشكال أقدم ارتبطت بالطباعة مثل الكولاج والطوابع والبطاقات البريدية، وبذلك، يساهم جاكارندا بصياغة مفهوم جديد للفن القابل لإعادة الإنتاج في سياق محلي يتجاوز التجاري والمبتذل.

يعكس المكان البيئة البصرية للأردن والمنطقة، ويعجّ بالخط العربي والزخرفة والموتيفات المحلية التي تحاول جميعها التمدد خارج سياقاتها التقليدية. كما تدخل الكثير من الأعمال في حوارٍ مع تجارب من القرن العشرين مثل البوب آرت الأميركي أو القصائد التصويرية الفرنسية، كما في عمل «قصيدة الأرض» للنحّاتة الأردنية منى سعودي، وهو جزء من مجموعة حفر تعود للسبعينيّات من القرن الماضي بعنوان «تكريم لمحمود درويش»، تأتي فيها الرسومات كامتداد للنص، وتخطّ بأسود عريض كتلًا من أشخاص وأشياء تذكّر بساطتُها ورمزيتها بمنحوتات الفنانة.