جون بيرجر: طرق مختلفة لرؤية العالم

الإثنين 30 كانون الثاني 2017

بقلم يزن أشقر

«تأتي الرؤية قبل الكلمات. ينظر الطفل ويميّز قبل أن يستطيع الكلام. لكن هناك أيضًا حاسة أخرى يأتي فيها النظر قبل الكلمات. فالرؤية هي التي تؤسس لموضعنا في العالم المحيط. نفسّر ذلك العالم بالكلمات، لكن ليس باستطاعة الكلمات أن تزيل حقيقة أننا محاطون به. لا تستقر العلاقة بين ما نراه وما نعرفه أبدًا. كل ليلة نرى الشمس تغيب، ونعرف أن الأرض تنصرف عنها، ومع ذلك، لا تتناسب المعرفة ولا التفسير مع المشهد».

جون بيرجر، طرق الرؤية.

أثار رحيل الكاتب والناقد الإنجليزي الماركسي جون بيرجر في الثاني من هذا الشهر عن واحدٍ وتسعين عامًا سيلًا من المقالات والنعي في الصحافة ووسائل الإعلام العالمية والعربية، وحتى وزارة الثقافة الفلسطينية. بحساب الأثر الذي تركه وما يزال يتركه على عالم الفن والكتابة النقدية الفنية عند مريديه وأعدائه على حد سواء، يمكن القول بسهولة أن جون بيرجر كان أهم ناقد فني معاصر منذ نصف قرن على الأقل. وليس الأمر متعلقًا فقط بكتاباته عن الفن، بل بما يمثله من أفكار تربط الفن بالسياسة في عالم اليوم، بالإضافة إلى أعماله الأدبية الأخرى كروائي مهم وشاعر وكاتب مقال. رغم ذلك، يبقى بيرجر شبه مجهول في اللغة العربية خارج دوائر الفن الضيقة، ولم يترجم له الكثير، رغم علاقته المقربة بالشرق الأوسط، وهو الذي دعم العديد من حركات التحرر في العالم، وفلسطين على وجه التحديد.

الغرض من تقديم جون بيرجر كناقد فني -رغم عدم محبته لهذا اللقب- مهموم بالسياسة بقدر ما هو مهموم بالفن ضروريٌ للغاية، وليس الغرض منه تقديم السياسة على الفن بقدر ما هو إعادة الاعتبار لما يمثله بيرجر من مدرسة نقدية مرتبطة بالواقع اليومي الذي نعيشه. كان بيرجر دائمًا واضحًا وصريحًا وصارخًا في كل أعماله ومواقفه ككاتب يؤمن بالماركسية وبالنظرية النقدية في عالم اليوم المسلّع.

في كثير من المرّات التي تم فيها تقديم بيرجر، كان يتم تجاهل التعريف به كـ«ماركسي»، إلّا أنه لم يُخفِ هذا الانتماء يومًا، بل كانت هذه الماركسية هي الأساس الذي ينطلق منه في مقالاته النقدية عن الفن، كعلاقة دينامية بين مفهوم الرؤية والفن والعالم الذي نعيش فيه. كتب مرة: «الفقر في قرننا لا يماثل أي فقر آخر. هو ليس نتيجة لنقص طبيعي، كما كان الفقر في السابق، بل نتيجة لأولويات تم فرضها على بقية العالم من قبل الأثرياء».

ولد جون بيرجر في لندن عام 1926، ومارس الرسم وعلمّه في الأربعينيات من القرن المنصرم قبل أن يتركه نهائيًا للكتابة. كان قد عمل أيضًا ككاتب صحفي في مجلة «تربيون» تحت إشراف جورج أورويل في الخمسينيات. لاحقًا، اتجه بيرجر إلى النقد الفني وكتب المقالات مدعمًا إياها بآرائه السياسية، مما أحدث ضجة في أوساطه وجعل شخصيته محط جدل. لكن شهرة بيرجر انطلقت بالفعل عام 1972 عندما عرض التلفزيون البريطاني سلسلته الوثائقية «سبل الرؤية»، التي لا تزال تلهم أجيالًا من محبي الفن والنقد الفني حتى الآن.

يمكن القول بسهولة أن جون بيرجر كان أهم ناقد فني معاصر منذ نصف قرن على الأقل. وليس الأمر متعلقًا فقط بكتاباته عن الفن، بل بما يمثله من أفكار تربط الفن بالسياسة في عالم اليوم.

في السلسلة الشهيرة، يشرح بيرجر من وجهة نظر ماركسية كيف يُنظر للفن في القرن العشرين في سياق الرأسمالية، بخلاف النظرة الكلاسيكية الأوروبية الرسميّة للفن، معتمدًا بشكل أساسي على مقالة فالتر بنيامين الشهيرة «العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي»، مفسرًا ومقرعًا كيفية تحول الفن إلى سلعة في السوق، وموضحًا أن نظرتنا إلى العمل الفني تتحدد بالفترة الزمنية والسياق السياسي التي ينظر فيها إلى العمل إلى جانب ظروف خلق العمل نفسه.

جاء برنامج «سبل الرؤية» ردًا مباشرًا على وثائقي تلفزيوني بريطاني آخر هو «الحضارة» الذي قدمه مؤرخ الفن كينيث كلارك، والذي يسرد فيه تاريخ الفن الأوروبي منذ «العصور المظلمة» وحتى وقته. في حين كان كلارك يقدّم تاريخ الفن الأوروبي كنادٍ خاص للحضارة الأوروبية وطبقتها الحاكمة والثرية، أتى بيرجر ليعكس المشهد ويعيد الاعتبار لظروف العمل والمتفرج عليه أيضًا: الفنان يرسم في ظروف معينة، والمتفرج يشاهد العمل (أو نسخه) في ظروف معينة وأزمنة أخرى قد تغير معنى العمل عنده. الفهم الذي قد ينتجه عقل أرستقراطي يتمعن في لوحة زيتية يملكها يختلف عن فهم متفرج عادي يرى اللوحة في زمن مختلف وفي مكان مختلف آخر، وهو شيء مشروع أيضًا، فعملية الرؤية وفقًا لبيرجر علاقةٌ دياليكتيكيةٌ متغيرة، لها سيناريوهات غير منتهية، خصوصًا مع وجود نسخٍ أخرى من اللوحة.

لا معنى للنظر إلى جودة العمل في سياق الجودة التقنية فقط، فكما يقول: «تمثل اللوحة بِصمْتها ممرًا يربط ما بين اللحظة التي تمثلها اللوحة واللحظة التي ينظر فيها المتفرج إليها». المعنى الأصلي للوحة موجود، لكنها الآن مع نسخها أصبح معناها عرضة للتلاعب وأصبح أكثر إبهامًا. تخيل موقفًا فيه جدال سياسي حاد، ليخرج أحد المتجادلين نسخة من لوحة لفان جوخ ويضعها في سياق حجة سياسية لا تمت للوحة بأي صلة. اختلف معنى اللوحة هنا تمامًا. أو كما أعطى بيرجر مثالًا آخر في برنامجه، إذا ما قرّبنا الكاميرا من لوحة ما لنأخذ تفصيلًا واحدًا فقط أمام الشاشة، ينحصر المعنى الشامل للوحة كلها في القسم الذي تركز عليه الكاميرا فقط، وتختزله فيها، فالأيقونة الدينية كمريم مثلًا إذا ما أخرجت من سياق لوحة وتم التركيز على وجهها فقط في الكاميرا ليأتي متفرج ليرى وجه مريم فقط دون باقي اللوحة، يصبح المعنى عند المتفرج أنه يرى لوحة لإمرأة جميلة. وهكذا تفعل نسخ اللوحات الموجودة في كل مكان. ومع ذلك يقول بيرجر إن هذا «ليس بالضرورة شيئًا سلبيًا إذا استوعبنا ما يحدث».

في مقالة له على موقع «لوس انجيلوس ريفيو أوف بوكس»، كتب روبرت منتو أن «معظم الكتّاب الذين يهرعون لتمجيد جون بيرجر يتجنبون الخوض في صلب وجهة نظره، وهي ماركسيته». لا يعني هذا أن بيرجر منظّر سياسي، بل بالنسبة له، السياسة ضرورية لفهم التاريخ ولفهم العالم الذي يسيطر عليه الاقتصاد الرأسمالي الذي نعيش فيه اليوم، وبالتالي فهم السياقات المختلفة التي يخضع لها نظر المرء إلى لوحة أو عمل فني ما، وبالتالي فهم العمل أو نسخه المتكررة بين نية وظروف الفنان/صانع العمل، والحقبة الزمنية التي تم فيها إنتاج العمل واستقباله، والسياقات الراهنة التي تفرض على المتلقي فهمًا آخر.

بالنسبة لبيرجر، تتحدد الرؤية بالاختيار. في عمله الأشهر «طرق الرؤية»، والذي قدمه كوثائقيّ تلفزيوني وألحقه بكتاب لاحقًا، كتب: «أن تنظر هو فعل اختيار. وكنتيجة لهذا الفعل، يحضر ما نراه في متناولنا، لكن ليس بالضرورة في متناول أيدينا. أن تلمس شيئًا هو أن تموضع نفسك في علاقتك مع الشيء. (…) لا ننظر أبدًا إلى شيء واحد فقط، بل ننظر دائمًا إلى العلاقة بين الأشياء وأنفسنا. بصرنا فعّال بشكل مستمر، متحرك بشكل مستمر، يمسك بالأشياء في دائرة حول نفسه باستمرار، ممثلًا الحاضر الذي نحن فيه».

يعتبر بيرجر أن المعركة الرئيسية في الفن الآن هي مع السوق. هناك قيمتان للعمل، قيمة معنوية تحددها مهارة الفنان في تفسير العالم وتقديمه كعمل فني، أو القيمة المادية التي يحددها السوق للعمل الفني كسلعة ثمينة تستخدم كسلطة ثقافية أو روحية متداولة بين الأثرياء، وشيء يستثمر مستقبليًا أو يوضع في المخازن والمجموعات الخاصة للدلالة على المكانة الاجتماعية والاقتصادية. لا يرفق بيرجر في كتبه نسخًا ملوّنة عن اللوحات التي يكتب عنها، بل يكتفي بنسخ بالأبيض والأسود. في مقدمة مجموعته ما قبل الأخيرة «صور»، يعلق على ذلك: «إن النسخ الملوّنة المصقولة المعاد إنتاجها في عالم اليوم الاستهلاكي تَختصِر ما تُظهر إلى أشياء في كاتالوغ باذخ للأغنياء، بينما النسخ بالأبيض والأسود تخدم كمذكرة فقط».

كتب بيرجر عن مواضيع كثيرة أيضًا، وبأنماط مختلفة كذلك. كتب عن الفن والتصوير والحيوانات وعن الحروب والذاكرة والسياسة والعمّال. كان أيضًا -وبشكل لا يقل أهمية عن كتاباته في الفن- روائيًا بارعًا، إذ كتب ثماني روايات نالت جوائز أدبية مرموقة ورشحت للكثير منها ونالت قسطها من الضجة. كتب أيضًا أربع مسرحيات، وله مجموعتان شعريتان، بالإضافة إلى السيناريوهات السينمائية الخمسة التي وضعها.

أثناء حياته، دعم بيرجر العديد من القضايا النضالية حول العالم. بعد أن نال جائزة البوكر الأدبية عام 1972 عن روايته (G)، أعلن أنه سيمنح نصف مبلغ الجائزة إلى حركة الفهود السود، وفي النصف المتبقي من الجائزة موّل عمله التالي (رجل سابع)، وهو كتاب أعده مع المصور الفوتوغرافي جون مور عن العمّال المهاجرين، وكيفية ابتعاد الفلاح عن أرضه ليصبح عاملًا مهاجرًا.  

في حوار مع الصحفي نجوان درويش نشر على صحيفة العربي الجديد، قال بيرجر «كنا واعين للنضال الوطني الفلسطيني بين غيره من قضايا الشعوب. الفلسطينيون يعانون من نفس القوى التي نناضل ضدها. كانت فلسطين في نظري جزءًا من النضال العالمي الواسع». دعم بيرجر أيضًا حركة المقاطعة وسحب الإستثمارات والعقوبات ضد إسرائيل (BDS) عام 2006، وساهم أيضًا مع المترجمة ريما حمامي في ترجمة جدارية محمود درويش إلى اللغة الإنجليزية وتزويدها بالرسوم، وأهدى رمزيًا السيمفونية الخامسة لبيتهوفن إلى المقاومين الفلسطينيين.

بالنسبة لـ[بيرجر]، السياسة ضرورية لفهم التاريخ ولفهم العالم الذي يسيطر عليه الاقتصاد الرأسمالي الذي نعيش فيه، وبالتالي فهم السياقات المختلفة التي يخضع لها نظر المرء إلى عملٍ فنيٍ ما.

على كون الكتابة حرفة تتطلب ممارستها أشكالًا مختلفة من العزلة، وكون الكثير من الكتاب يختارون الابتعاد عن محيطهم، اتخذت عزلة الكاتب أشكالًا متنوعة بين الأدباء. لكن بيرجر لم يعتزل العالم بقدر ما اختار نمط حياة مختلفًا؛ أن يعتزل الحياة المدنية الحديثة منذ سبعينيات القرن الماضي في جبال الألب في فرنسا، ليشاطر الفلاحين طريقة عيشهم. لم يكن منقطعًا عن العالم أبدًا، بل كان منقطعًا عن ضوضاء المدن ليختار أن يعيش العالم كما يراه على أهميته مع الفلاحين.

عربيًا، لم يقرأ بيرجر كما يجب، وهو شيء مؤسف لرجل ربطته علاقة قوية بالشرق الأوسط وقضاياه، وفهِمَها كجزء لا يتجزأ من النضال العالمي التحرري. بالنسبة لمقالاته ونصوصه، ترجمت له بعض النصوص أحيانًا بشكل متفرق، مثل ما ترجمه أسامة منزلجي على موقع أوكسجين الأدبي، وبعض النصوص التي ترجمها فواز طرابلسي لمجلته بدايات.

أما من ناحية الكتب، ترجمت لبيرجر ثلاثة كتب فقط إلى اللغة العربية على فترات متباعدة من بين أكثر من ستين عملًا. ترجم له فواز طرابلسي مختارات من مقالاته الفنية تحت عنوان «وجهات في النظر» في كتاب صدر عام 1990 عن دار الفارابي ولم يُعَد طبعه حتى الآن. الكتاب الثاني هو عمله الشهير التقييمي لبيكاسو ومسيرته الفنية بعنوان «بيكاسو: نجاحاته وإخفاقه» والذي صدر بالإنجليزية عام 1965 وترجمه الدكتور فايز الصايغ عام 2010 وصدر عن المنظمة العربية للترجمة بمقدمة خاصة كتبها بيرجر، والكتاب الثالث هو روايته «From A to X» التي صدرت عام 2008 وترجمتها كل من د. فتحية السعودي و تانيا تماري ناصر بعنوان «من عايدة إلى كزافييه» عام 2010 عن الدار العربية للعلوم.