لماذا يغيب النقد عن النص الإبداعي الأردني؟

الخميس 07 كانون الثاني 2016

علي عبيدات*

يبدي المبدع الأردني عتبًا كبيرًا على العملية النقدية، لأنها لا تساهم بترجمة نصه ليصل إلى القارئ، ولينْعم صاحب المنجز الإبداعي بتكريم السلطة النقدية عندما تحتفي به، سواء مدحت العمل أم بيّنت عيوبه ضمن ثنائية النقد الخالدة «حسن ورديء». إذ يمضي الكاتب سنوات طويلة في صياغة عمله الإبداعي وصقله، بعد عمر آخر من القراءة والتدريب والتجريب، ليخرج بنصه الذي سيُنسى ولن يكترث له النقد في نهاية المطاف. وبهذا يبقى المنجز الإبداعي حبيس الأدراج والرفوف دون أن يضيء عليه ناقد يقدّر دور السلطة النقدية في تنوير الطريق أمام المبدع والقارئ، باعتباره المكمّل لثلاثية الأدب الخالدة «النص، والناقد، القارئ».

ويلاحظ المتتبع للصحف والمجلات والمواقع الثقافية الإلكترونية في الأردن، أن العملية النقدية شبه غائبة، وأن ثمة بونًا شاسعًا بين عدد الإصدارت الإبداعية الحديثة مقارنة مع القراءات والإضاءات والدراسات النقدية التي تتناول هذه الإصدارات، ما يُخِل بمنظومة إنتاج الأدب.

نقد المجاملات والفجوة بين المبدع والناقد

تُشرّح الناقدة والأكاديمية مريم جبر أزمة النقد الأدبي في الأردن بأسئلة كلاَّنية تربط فيها عامل الزمن الناقد والمبدع والمتلقي، لتبدأ بسؤال النقد الذي تعتبره أهم أسئلة المشهد الثقافي الأردني، غير أن محاولة الإجابة عنه ستتضمن النظر في دوائر عديدة متداخلة، تجعل الحديث عن أسباب ضعف النقد -الذي لا تعتبره غائبًا- متضمنًا في توصيف واقع النقد في الأردن وعلاقته الجدلية بالإبداع.

تقول الدكتورة مريم جبر: «في الوقت الذي كثر فيه الحديث عن أزمة في النقد في الأردن، شهدت هذه المنطقة من العالم العربي حركة أدبية متقدمة في الكم والنوع، فعلى صعيد الكم صدر عدد كبير من الأعمال الإبداعية وخاصة في مجالي القصة القصيرة والرواية، جاوز مؤلفوها الأساليب التقليدية في السرد، ونأوا عن التأريخية في الصياغة واستعادة الأحداث، وتقنيات السرد الحديثة، كالمشهدية، والبوليفونية، والتفتت إلى معاناة الإنسان العادي البسيط في ظل تحكّم الآلة واستشراء الفقر، وثِقل وطء العادات والتقاليد، فتناولوا موضوعات كان يشار إليها على خجل وربما خوف، كموضوعات الرقابة والجنس وجرائم الشرف والعلاقة مع السلطة، ويمكن الإشارة هنا إلى روايات مثل عندما تشيخ الذئاب لجمال ناجي، وشرفة العار لإبراهيم نصر الله، والقط الذي علمني الطيران لهاشم غرايبة».

وتصف الدكتورة مريم جبر العلاقة بين المنتَج الإبداعي وتلقيه في الوسط الثقافي الأردني بأنها تقع في إحدى أربع فئات. الأولى هي ما ينشر من مقالات صحفية سريعة تعرض للعمل بكثير من الترحيب والحفاوة التي تليق بتقديم صديق لصديقه، أو أداء وظيفة يعمل فيها المحرر إلى ملء الصفحات المخصصة له، دون أن يحمّل الصحيفة تكلفة مادية، في وقت اختصرت فيه الصحف المساحة المخصصة للثقافة والأدب والفنون.

الفئة الثانية هي مقالات يكتبها كتّاب نَشِطون غير متخصصين، لكنهم متابعون جيدون، يتربصون بكل جديد، فيعرّفون به ويجولون بين صفحاته عرضًا وتفصيلًا لا يجاوز حدود عرض الموضوع وموقع الكاتب والترحيب بهذا الجديد. وقد حاز هؤلاء مكانة متميزة في الوسط الثقافي الأردني باعتبارهم وسيلة رئيسة في التعريف بالمنشورات الجديدة شعرًا كانت أم نثرًا.

ثالثًا، دراسات أكاديمية تعمل في الأكثر على حشر النص في بوتقة المنهج العلمي، فتعمل على تكييف النص على مقاس مقولات وخلاصات لنظريات، هي في الأغلب الأعم وليدة رؤى وفلسفات مجتمعية مختلفة أو نقيضة، ويقوم بها باحثون ودارسون لا تجاوز دراساتهم صفحات المجلات العلمية أو تظل حبيسة رفوفها العالية المتعالية على عقل القارئ وذائقته.

وأخيرًا، دراسات أكاديمية على قلّتها ما زالت تسعى جادة للانطلاق من النص وإليه، دون أن تتجاهل ما جادت به نظريات النقد وأفكار ورؤى المنظّرين الغربيين، أو ما لهذا النص من خصوصية تتصل بثقافة وتراث تراكمي لا يمكن تجاهله.

انعكاسات الأوضاع الراهنة تخدش الجمال

تذهب الناقدة والأكاديمية ليندا عبيد إلى أن أزمة النقد وضعفه في المشهد الثقافي هي أزمة تتناسب مع سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية، التي أفرزت طبائع رديئة ألقت بظلالها على كل فئات المجتمع، بما فيها طبقة المثقفين والكتاب والنقاد أو ما يعرف بالمشهد الأدبي والنقدي. إذ طغت المصالح الفردية والمادية فصار النقد يدور في فلك المجاملات والمصالح الشخصية. وأشبه ما يكون بالقوالب الجاهزة التي تصرف لفلان وفلان بغض النظر عن إنتاجهم، والأمر لا يتطلب إلا أن ننزع اسم هذا لنضع اسم ذاك. إضافة إلى كثرة ما يعرف بحفلات التوقيع التي يستضيف بها الكتاب نقادًا أصدقاء ليتحدثوا حول إنتاجهم منتظرين منهم المحاباة وتقديم جميل الكلام المتناسب مع لطف الضيافة.

أزمة النقد وضعفه في المشهد الثقافي هي أزمة تتناسب مع سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية.

وتضيف الدكتورة ليندا: «إن المجتمع بأغلب فئاته كأنما لم يعد يرغب بسماع الحقائق الموجعة وقبح الأشياء، فصار الأمر طبعًا قائمًا على تجميل حتى القبح، ليحظى الناقد بالتصفيق ويرفع عنه مغبة الانتقاد وانزعاج جوقة الأديب. وثمة سبب مهم برأيي مرده أن شيوخ النقد وأساتذته الكبار وبعد رحلتهم المنهكة الطويلة كأنما فقدوا رغبتهم بالاطلاع على الأعمال الجديدة في الأغلب، زد على ذلك أن قلة القلة منهم من تلجأ إلى تلمذة ودعم طلابهم من النقاد الصغار عمرًا ليسيروا على نفس الطريق فنحظى بجيل جديد من النقاد المدربين يجمعون بين خبرة السلف ومقدرتهم وأدواتهم وبين حس العصر وأدواته وروحه الجديدة».

تردي النقد حالة عامة

تعتبر الناقدة والأكاديمية مها العتوم ضعف النقد الأردني وتراجع دوره وتأثيره، جزءًا من المشهد النقدي العربي الذي يعاني من التراجع والضعف أيضًا فلا يواكب الإبداع، ولا يقوم بدوره المنتظر منه. ولضعف النقد عربيًا عدة أسباب لعل أبرزها، الانكفاء على نظريات ومدارس النقد الغربي، والقيام بتطبيق هذه النظريات أو إسقاطها على النصوص العربية، وهو فهم خاطئ للنقد الذي ينبغي أن ينطلق من النص لا من النظرية التي أنجزها النقد الغربي بناء على النصوص لا العكس.

وحول خصوصية النص ترى الدكتورة مها العتوم أن النص العربي بحاجة لنظرياته الخاصة لا النظريات القائمة على فلسفة وفكر وحضارة مختلفة كل الاختلاف عن واقع النص العربي. وهناك أيضًا سبب آخر هو المسافة بين النقد الأكاديمي الذي يكاد ينحصر في الجامعات ولا يتلاقى مع النقد غير الأكاديمي، كما لا يتلاقى مع النصوص الجديدة والتجارب الحديثة. أما خارج الجامعات فالنقد انطباعي متعجل لا يستبطن النص، وبالتالي فهو لا يؤسس لفكر نقدي تراكمي يمكن الانطلاق منه والبناء عليه.

نصوص لا تستحق النقد

وتعزو الناقدة والأكاديمية نهلة الشقران غياب النقد عن الأردن لأسباب كثيرة أهمّها قلّة الإنتاج الذي يستحقّ النقد، فكثرت الكتب مؤخّرا خاصة في فنيّ الرواية والقصة القصيرة جدًا، لكنها للأسف كثير غثّها نادر سمينها، من العارّ أن تتبناها الوزارة مثلًا في مشاريعها السنوية أو تصدرها دور نشر ربحيّة، وقلّ الإبداع اللافت لنظر الناقد. أمّا الأسباب الأخرى فتتعلّق بالناقد نفسه، فليس كل متخصص بالنقد ناقدًا، ولا كل من حفظ مصطلحات نقدية وساعده حضوره في الوسط الثقافي بناقد، علاوة على أنّه لا مصداقية في النقد إن وجد، وأغلبه مصالح مشتركة بين الجماعة الواحدة.

أما الناقد والأكاديمي خالد الجبر فيفصّل المشهد النقدي الأردني بأبعاد محددة ساهم غيابها بضعف النقد الأدبي، كان أهمها مهنية الناقد وحرفية المبدع وبيئة التلقي ليقول: «االنّقد صورة عن حياتنا في تجلّياتها المتعدّدة، وهو بذلك تجسيد لحالتنا الفكريّة والثقافيّة. وبما أنّه ممارسةٌ قائمةٌ على ساقين: الأدب، والغاية، فإنّ حاله لا تستقيمُ إلاّ بحالة أدبيّة متّقدة من جانب، وبموضوعيّة الغاياتِ وتجرُّدِها من «الشّخصنة» و«الإغراض» من الجانب الآخر. ومع الأسف الشّديد فإنّنا في الأردن نعيش حالة من فاعلية الحياة الأدبية ثقافيًا، وضمورها على مستوى العلاقة بالحياة والقضايا الكبرى للأمّة والإنسان، فضلًا عن كثيرٍ من البهرجة والزخرف والبذَخ المنبتّ من بيئته. وإذا أضفنا إلى ما تقدم أن الجهودَ النقدية في الأردن نشأت في حضنِ الأكاديميا التي وجهتها في آخر ثلاثة عقود وجهة غير محمودة، حتى ضاقت دائرتها لتكونَ في إطار إقليمي ضيق من جهة، ورزحت تحت ضغوط الأهواء والنزعات الغرائزية من قبيل المجاملة أو القدح أو النّيل أو الفائدة. فقد خرجت الحركة النقديّة عن مسارها المحمود، ووقعت في ربقة المحلي الذي يقتضي الوصف والتحليل حسب، وهما لا يقتضيان أكثر من فهم فج لنظريات أو رؤى يسبق تنزيلها على النصوص، أو سَوْقَ النّصوص إليها. فكيف لهذا أن يطوّر حركة نقديّة أو يرتقي بها؟».

 الجهود النّقديّة في الأردنّ نشأت في حضن الأكاديميا التي وجهتها في آخر ثلاثة عقود وجهة غير محمودة.

وحول تقنين الأدب بين نقد هجومي ونقد جُله مدح، يضيف الدكتور خالد الجبر: «لقد درجنا في آخر عقدٍ على كثيرٍ من التّمادي في هذا، والانسياق لرغباتِ بعض مراكزِ النّفوذ في المؤسّسات؛ تلك التي أرادت للأدب والنّقد أن يتساوقا معًا في مساحةٍ ضيّقةٍ من المدح أو الرّدح، فثمَّة أقلام «نابحة» على الإطلاق لا تجد شيئا أمامها إلا ما يستحق الهجوم، منصِّبةً من نفسِها وصيّةً على الأدب وقيمةً عليه، وثمّة أقلامٌ تُدفَع لتقولَ ما يرادُ لها أن تقولَ لكي تُفتحَ لها المنابر والأبواب وتُشرَّع لها النوافذ والصفحات والأضواء أيضًا. هكذا كرَّس بعضهم نهجًا أحاديًّا ذا بعدينِ اثنين للنّقد في الأردنّ: صحفي قدّاحٍ رداحٍ أو مدّاح صدّاح، وهذا لا قيمةَ له على الإطلاق لأنّه لا يبني شيئًا بل يضلل. وهو نقدٌ مناسباتيّ تجدُه في حفلاتِ توقيعِ الإصداراتِ وتقريظِها، أو على صفحاتِ المواقعِ الإلكترونيّة وبعض الصُّحفِ المفرّغة من مضمونِها والمجلات الموجهة ذات الغايات الضّيّقة.

ومن الجانب الآخر، تجد النّقد الأكاديميّ الذي وجّهتْه أيدٍ وإراداتٌ ليتضاءل وينحسرَ حتّى كأنّه أصبحَ مقصورًا على الإقليميّة الضّيقة التي نعيشها على مستوى الحركة الاجتماعيّة، وعلى بعض الرّؤى الناضجة المعزولة أو المعتزلة التي لم يُتَح لها البابُ لتكونَ جزءًا من التيار الصارم الغالب. هكذا، لم ننجح في تكوين مدرسية في الأدب، كما لم نفلِحْ في انتهاج مدرسيّة في النّقد، وذهب الكبار دون أن يخلّفوا وراءهم أنصارًا أو مريدينَ يحملونَ مشاعلَهم».

وتصل أزمة ضعف النقد في الأردن إلى ظاهرة التابع والمتبوع ضمن ثنائية جديدة على عالم النقد الأدبي وهي «الدويتو الأدبي النقدي» الذي يتعاقد فيه المبدع مع الناقد لنقد النصوص بأي طريقة، طمعًا بالانتشار وبعد اتفاق مسبق، ويضيف الدكتور خالد الجبر: «وكثير من النقّاد، أو ممارسي النّقد، قد ارتضوا لأنفسهم/ أنفسهنّ مكانةَ التّابعِ الذي يجري وراء الأديب ليقاسمَه شيئًا من الشُّهرة الحقيقيّة أو الزّائفة، حتّى لقد نشأت لدينا ظاهرة «الدويتّو الأدبي النّقدي». وهي ظاهرة شوّهت النّقد والأدب معًا، وجعلت منهما مناطًا للسخرية والتندُّر لدى شريحة الشّباب من الكتّاب، وأفقدتهم الثّقة بالنّقد والنقّاد».

أخيرًا، تتعدد الآراء على اختلاف رؤى أصحابها، لكنها تصب في مصب التغيير الحقيقي الذي يرمي له النقاد على صعيد النص كأرضية للعملية الثقافية، ومن بعده على صعيد النقد وأدواته وتطوير القائمين عليه. لينعم المشهد الثقافي الأردني ببيئة تحقق الهدف المنشود وهو المثاقفة وإحياء المشهد الثقافي الذي أنهكته جدلية الكم دون العناية اللازمة بالكيف.

*شاعر ومترجم أردني.
الصورة من معرض نون للكتاب المستعمل