الذات تصف نفسها: جوديث بتلر إذ تحاول سرد تاريخ نشوء الذات

الثلاثاء 03 كانون الثاني 2017
جوديث بتلر، عن جريدة برلينر تسايتونغ الألمانية.

«سأصير يوماً ما أُريدُ
سأصيرُ يوماً شاعرًا،
والماءُ رَهْنُ بصيرتي. لُغتي مجازٌ
للمجازِ، فلا أَقولُ ولا أشيرُ
إلى مكانٍ. فالمكان خطيئتي وذريعتي».
محمود درويش، الجداريّة.

«الذات تصف نفسها» هو الكتاب الأول والوحيد المترجم للعربيّة للفيلسوفة الأمريكيّة جوديث بتلر. يتكوّن الكتاب من مجموعة محاضرات تُعرف بـ«محاضرات اسبينوزا» ألقتها بتلر في جامعة أمستردام* عام 2002. جمعت هذه المحاضرات لاحقًا في كتاب، ترجمه إلى العربيّة الكاتب والمترجم العراقيّ فلاح رحيم.

قبل الدخول في عرض الكتاب، أرغب في الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب، على صغره النسبيّ (240 صفحة)، فإنّه بالغ التكثيف، كثير الإحالات إلى فلاسفة ومفكرين وأدباء. لذا فإنّ العرض له مهما فعل سيظلّ قاصرًا على أن يأتي على الكتاب برمّته.

يبدو النصّ متمنعًا وشاهقًا. ويبدو أنّ جوديث بتلر تعمد، وهي تسردُ آراء الفلاسفة عن نشأة الذات، إلى تهميش نفسها مكتفيةً بدور ناقلة المعلومة. لكن حتّى في ذلك، فإنّها تمتلك سلطة انتقاء المعلومة المقدّمة، ثم إنّ في ترتيبها للمعلومات ما يحيل إلى منهجها وطريقتها في التفكير.

لم تعمد بتلر إلى سردٍ كرونولوجيّ لآراء الفلاسفة بقدر ما عمدت إلى سرد يتوخّى تاريخ نشوء «الذات»، وبداية علاقتها بـ«الآخر». يبدو تنقّلها اعتباطيًا بدايةً، لكنّنا ومع تقدّمنا في النص سنكتشف أن هذا التنقل مفيد لتأسيس رؤيتها لتشكّل الذات، إذ بدأت بالآراء التي تبتعد عن رؤيتها حتّى وصلت إلى من تبادلهم الرؤية في بعض الأماكن.

f38326dc-37d1-4c56-9355-9bf72711fc4dتبدأ بتلر الرحلة مع نيتشه الذي كان يعتقد بأن نشوء الذات مردّه خوفها من العقوبة. ثمّة تهديدٌ أو اتهام ما بأنّها تسبّبت بمعاناة خارجيّة (تجاه الآخرين) أو داخلية (تجاه نفسها). يترتّب على هذا التهديد والذعر الذي يتلوه تقديم «الأنا» سيرة ذاتيّة عن هذه الذات تثبت فيها الاتهام أو تنفيه، وينجم عنه انعكاسيّة توجّه المعاناة نحو الداخل وتشكّل ما أسماه نيتشه «الضمير المثقل بالإثم»1.

بعد نيتشه تنتقل بتلر إلى سرديّة فوكو عن الذات: «تُشكّل الذات نفسها في علاقة مع مجموعة من الشفرات، والإرشادات، والقواعد. وهي تفعل ذلك بطرق لا تكتفي فقط بـ(أ) كشف حقيقة أن تأسيس الذات هو نوعٌ من الصيرورة (Poiesis) ولكنها (ب) تؤسس خلق الذات بوصفه جزءًا من عمليّة أوسع هي النقد»2. النقد إذن عند فوكو يساهم في عمليّة تخليق مستمرّة للذات، لكنّه في الآن عينه لا يشكّل سببًا مباشرًا لوجودها. ثمّ تعرض جوديث بتلر لسرديّة هيجل القائلة بأنّ اعتراف الذات بالآخر بالضرورة يصاحبه اعتراف الآخر بالذات، حتّى يصير الاعتراف ذاته متمنّعًا على الطرفين إطلاقًا، ففي اللحظة التي أمنح الآخر فيها اعترافًا بوجوده (أي اعتراف بوجود ذات عنده) يمنحني هو الآخر اعترافًا بوجودي، فيصير كلا الاعترافين ناقصين بوجودهما في لحظة واحدة في ما يشبه تقابلًا يلغي الفرديّة عند كلا الطرفين3.

وتنتقل بتلر بعد هيجل لتقدّم قول المفكرة الإيطاليّة أدريانا كافاريرو في كتابها «السرديات الرابطة» (relating narratives) أنّ وجود الآخر شرطٌ لوجود «ذاتي»، أو كما قالت بنفسها: «دونما «أنت» تصبح قصتي مستحيلة»4.

نلاحظ هنا كيف انتقل الكلام عن «ضمير مثقل بالإثم»، قانع بتسبّبه بالمعاناة، يواجه العالم وحده عند نيتشه، إلى انفتاحٍ تام على الآخر في قول أدريانا كافاريرو بوجود الآخر كشرطٍ لفهم الذات. هنا تنتهي التوطئة، وبشيء من المباغتة تقول جوديث بتلر رأيها في كيفيّة نشوء الذات. تعتقد بتلر أنّ الأنا غير قادرة تمامًا على إدراك نشوء الذات، إذ أنه وفي لحظة نشوئها حدثت أمور لا يمكن لها (أي الذات) أن تشهدها، فمعرفتها كانت قاصرة في تلك اللحظة؛ كلّ محاولة سرد لتلك اللحظة هي بالضرورة تفريط للمعرفة الموثوقة. لذا فإن بتلر تقترح اقتراحًا مثيرًا في الحقيقة: «السرد ممكن دون شك في مثل هذه الظروف، لكنه، كما يشير توماس كينان (Thomas Keenan) خرافي بالتأكيد. (…) لذلك وتوخيًا لمزيد من الدقة أجد لزامًا عليّ القول إنني أستطيع أن أسرد قصة أصلي بطرق مختلفة، بل وأستطيع أن أسردها مرة إثر مرة بطرق مختلفة»5.

ليست كل العلاقات الأخلاقية قابلة لأن تُختزل إلى أفعالٍ حُكميّة، والقدرة على الحكم نفسها تفترض مسبقًا علاقة قائمة من قبلُ بين الحاكم والمحكوم.

سرد القصّة لا يعني وسمها ووضعها في درج التاريخ، فكما تشير إمكانيّة سرد قصّة أصل الذات أكثر من مرّة حدّ اللانهاية إلى قدرٍ من التخفّف والحريّة من قيد القصّة الواحدة المفردة، فهي تشير أيضًا أنّ هذه الحريّة تظلّ مكبّلة بعددٍ من المعوقات تحدّ من إمكان قول الحقيقة بصفتها المطلقة. تذكر جوديث بتلر أنّ أحد هذه المعوّقات هو الجسد، إذ لا يمكن الانكشاف على الآخر تمامًا طالما أنّنا لا نستطيع سرد سيرة هذا الجسد (نحن نسرد أفعاله فحسب) «أن تكون جسدًا يعني على نحوٍ ما أن تكون محرومًا من القدرة على استعادة تامة لحياتك»6. مفردة الانكشاف ذاتها غير متحقّقة تمامًا لارتباطها بالجسد الذي لا يُمكن أن يُكشف للآخر. في ظل فشل الذات هذا في فهم نفسها (لأسباب كثيرة)، تكرّر بتلر كثيرًا سؤالها حول مسؤولية هذه الذات الأخلاقية الممتلئة بالعتمة، غير القادرة على فهم نفسها على وجه التمام، تجاه الآخر «هل يعني ذلك، بالمعنى الأخلاقي، أنني لست معرضة للمساءلة بصدد من أكون وما يصدر عني من أفعال؟ إذا اتضح بالرغم من جهودي الصادقة التي أبذلها أن ثمة عتمة معينة لا تريم وأني لا أستطيع أن أجعل نفسي مسؤولة تجاهك، هل يعدّ ذلك إخفاقًا أخلاقيًا؟»7.

في القسم الثاني من الكتاب، والذي يدور برمّته حول نبذ العنف الأخلاقي، تتحدث جوديث بتلر في جزء من هذا القسم عن الحكم الأخلاقي. تفترض بتلر أنّ الحكم حتّى يكون أخلاقيًا فإنّ علاقةً ما يجب أن تربط الحاكم بالمحكوم. ولا تنفي بتلر هنا أهميّة الحُكم بقولها «أنني لا أذهب هنا إلى حد الدعوة إلى الامتناع عن إصدار الحُكم فهو مطلوب على نحو ملحّ في الحياة السياسيّة، والقانونية، والشخصية على حدّ سواء»8. لكنّها في الوقت عينه، استطاعت أن تذهب في مسألة الحكم إلى أفقٍ أرحب إذ تكمل: «أنا أعتقد أن من المهم، في إعادة التفكير في الشروط الثقافيّة للأخلاق، أن نتذكّر أن ليست كل العلاقات الأخلاقية قابلة لأن تُختزل إلى أفعالٍ حُكميّة، وأنّ القدرة على الحكم نفسها تفترض مسبقًا علاقة قائمة من قبلُ بين الحاكم والمحكوم»9. ولعلّ كلامها هذا يحيلنا إلى رأيها في النوع الاجتماعي (gender)، فهي ترى أنّ النوع ليس قارًّا (performed) بل أدائيًا (performative)، أيّ أنّ المرء في كلّ موقف يمثّل دورًا ما، يعيد من خلاله تخليق صورته كذكر أو كأنثى باستمرار، كاسرًا الصورة المكرّسة لمن يطلق عليهم ذكور أو إناث إلى حدٍ ينتفي فيه مفهوم النوع برمّته، وبالمحصّلة فإنّ الحُكم الأخلاقي لا معنى له هنا.

تناقش جوديث بتلر أكثر من مسألة مهمّة في القسم الثالث والأخير. تعود بدايةً إلى سؤال يبدو أنّه يؤرقها لكثرة ما تعود إليه: سؤال المسؤوليّة؛ المسؤولية الأخلاقيّة تجاه الآخر في ظل عدم تمكّن الذات من فهم نفسها كما يجب، وعيشها مع عتمة حتميّة. ومن المثير للدهشة، أن سؤالًا بحجم هذا المطروح، والذي يتردّد صداه في مواضع كثيرة من الكتاب، تجيب عنه الكاتبة في أقل من صفحتين. هنا، في بداية القسم الثالث من الكتاب، تؤسس بتلر إلى أحد أهم ما يرتكز عليه بحثها هذا؛ أي تلك الحالة الثنائية التي توجد بها الذات مع الآخر بالضرورة، كما أنّ عتمة الذات لا تكون إلا مصحوبة بعتمة ذات الآخر «أجد أن تشكلي ينطوي على الآخر في داخلي، وأن غربتي عن نفسي هي على نحو متناقض مصدرُ ارتباطي الأخلاقي مع الآخرين»10.

تجدر الإشارة إلى مفارقة بارزة في هذا الفصل، تنطوي على أهمّيّة المعنى بوصفه عنصرًا بلاغيًا، في فهم حيواتنا. تقول بتلر: «علينا إعادة التفكير في معنى المسؤولية نفسه على أساس هذا التقليص [تقليص مسؤوليتنا تجاه الآخرين في ظل عدم فهم الذات لنفسها]؛ إذ لا يمكن أن نقيّده بوهم يصدر عن ذات كاملة الشفافيّة إزاء نفسها»11. ما تقوم به جوديث بتلر هنا هو تفكيك لمعنى المسؤوليّة كما وصفها نيتشه (وحتّى كما وصفها ليفيناس فيما سيرد لاحقًا)، حين قال أنّ الذات تتشكل انعكاسيًا بتوجيه المعاناة إلى الداخل، فالنفس وحدها مسؤولة عن المعاناة التي تتسبب بها، لتعود وتركّب هذا المفهوم. المسؤوليّة نتاج تعالق الذات التي تكتنفها العتمة، بذات أخرى تكتنفها عتمتها الخاصة، فهي (أي الكاتبة) «إن جُرحت تجدُ أن الجرحَ يشهد على حقيقة أنها سريعة التأثر، ممنوحة إلى الآخر بطرق لا تستطيع أن تتنبأ بها أو تسيطر عليها تمامًا»12.

في مُقارنة صغيرة للنصّ المترجم مع الأصلي يتوضّح حجم الجهد المبذول من الكاتب والمترجم العراقي فلاح رحيم في تليين ما استطاع من وعورة، ونقل النص في شكلٍ لا يبتعد كثيرًا عن شكله الأصل، وهو جهدٌ حُقّ له أن يذكر في آخر هذا العرض لكتابٍ يتكاثف أكثر فأكثر مع كلّ محاولة لاختزاله.


 

1- ص 50.
2- ص 57.
3- ص 72.
4- ص 79.
5- ص 86.
6- ص 88.
7- ص 90.
8- ص 100.
9- ص 100.
10- ص 158.
11- ص 157.
12- ص 158. وأشير إلى أنّني تصرّفت بالضمير المستخدم في العبارة محولًا إياه إلى ضمير المتكلّم حتّى تتّسق العبارة مع السياق.

* ذكرت نسخة سابقة من هذا المقال خطأً أن المحاضرات ألقيت في جامعة بيركلي في كاليفورنيا، وتم التصحيح.