«كل المعارك» روايةٌ عمّانية ترسم وجهًا للمدينة على حلبة الملاكمة

الإثنين 29 شباط 2016

«كل جولة جديدة بلادٌ غريبة، وكلٌ منها أبعد من سابقتها عن الوطن»

تختصر هذه الجملة الكثير من رواية «كل المعارك»*، إذ اختار الكاتب الأردني معن أبو طالب لروايته الأولى التي أصدرها مؤخرًا حكاية غير مألوفة، يبتعد فيها عن الحديث في السياسة والحياة الاجتماعية بالشكل التقليدي المباشر كما يفعل معظم الروائيين الشباب، متجاوزًا قصص العلاقات والحب بشكلها الكلاسيكي، فيطرح كل ما يجول بخاطره من خلال اختيار لعبة الملاكمة كإطار رئيس في الرواية، ومع بطلٍ ذي شخصية مركّبة ومتناقضة، تدور حوله أحداث الرواية كلها.

رواية عمّان بشقّيها

تجري أحداث «كل المعارك» في عمّان، حيث الأبطال كلهم أردنيّون من منابت وطبقاتٍ مختلفة، نقرأ فيها التفاصيل العمّانية اليومية بأبسط أشكالها، اللهجة والمصطلحات العامية الدارجة، والأماكن والشوارع وتفاصيل الحياة اليومية، كلها عناصر جعلت الرواية تقف على أرض صلبة، ينطلق فيها الروائي من مكانه وبيئته نحو القارئ. كما كان السرد واقعيًا بصورة أغنت الرواية، وابتعد أبو طالب عن المثاليات والاهتمام بالمصطلحات العميقة من أجل اكتساب إعجاب القارئ؛ منحازًا إلى اللغة البسيطة التي تُقرّب القارئ إليه وتمكنه من كشف أسلوبه في السرد، دون ابتذال ولا تصنّع، فحتى الشتائم والمصطلحات المستخدمة في الشارع جاءت في مكانها وغير مُقحمة على النص.

يُسلط أبو طالب الضوء، وبشكلٍ غير مباشر، على الاختلاف الطبقي والاجتماعي في عمّان من خلال «سائد»، القادم إلى عالم الملاكمة متأخرًا، ويكشف عن الصراع الخفيّ بين عمّان الشرقية والغربية، وكيف ينظر كل طرف للآخر؛ أن القادم من عمّان الغربية إلى عمّان الشرقية دخيلٌ غير مرغوبٍ فيه، وأن نظرة الاستعلاء التي يواجه بها سكان الغربية سكّان المناطق الشرقية تبقى موجودةً بقصدٍ أو دون قصد. وبصورة غير مباشرة أيضًا، يُقدم المؤلف وصفًا منطقيًا للطبقات الاجتماعية في عمان، وكيف يتفاعل أبناء هذه الطبقات مع تفاصيل الحياة اليومية.

العناصر العمّانية في الرواية أعطتها طابعًا خاصًا؛ إذ أنه وعلى الرغم من أنها ليست الرواية الأولى التي تستخدم عمان كأرضٍ تنطلق منها وإليها، إلّا أنها بتقديري الرواية الأولى التي تصوّر تفاصيل المدينة دون مبالغة أو استعراض، ودون محاولة لإظهار أحد جوانبها بصورة قاتمة أو وردية، كانت فقط تنطلق من مكانها وتستعرض جزءًا من تفاصيل عمّان كما يراها كاتبها.

ولا يغفل أبو طالب أن يؤرخ لجانب من تاريخ عمّان الحديثة؛ فعلى الرغم من أنه لا يُسهب بالحديث عن الوقائع التاريخية، لكنه يوظفها في خدمة مجريات الرواية دون إقحام، فينطلق صراع البطل في الرواية من تاريخه الشخصي وتاريخ عائلته الشركسية وطفولته، ليبدو وكأن الملاكم داخل «سائد» ما هو إلا امتداد للمقاتل القوقازي في جيناته.

التقنية الروائية

الرواية لا ينقصها التشويق، والانعطافات في مجرى الأحداث تزيدها إمتاعًا للقارئ، كما أنها تتنقل في الزمن بأسلوب رشيق وممتع، حيث يستخدم أبو طالب أسلوب الإطار الرئيسي في الرواية، وفي داخل هذا الإطار أُطر أصغر، تسمح له بالتنقل في أحداث الرواية وكسر الجمود، ويتنقل بالسرد بين الماضي والحاضر والمستقبل دون ترتيب واضح، إلا أن هذا التنقل يجعل من الرواية أكثر تشويقًا. والأطر الزمنية التي يستخدمها تأتي متسقة مع الأحداث وخارجة منها وليست مُقحمة من أجل مراكمة المعلومات.

يبدو واضحًا أن الكاتب يبحث عن الإنسان في راويته من خلال حبكة العمل والظروف التي يمّر بها أبطال الرواية ووصف حالتهم النفسية؛ إذ يُسهب في الوصف الاجتماعي لشخصيات الرواية، ويرسم ملامحها النفسية وصراعاتها الداخلية، أما بالنسبة للشخصيات «الثانوية» فيصفها من حيث الشكل دون إسهاب، إلا أنه يبتعد عن وصف «سائد» (الملاكم وبطل الرواية) من حيث الشكل إلا قليلًا، مما يجعله شخصًا غير مُتخيلٍ بوضوح للقارئ، فيعتمد على تصوير «سائد» من خلال المونولج المباشر وغير المباشر، ومن خلال تصويره من الداخل بدلًا من الخارج.

تنقلنا الرواية إلى الصراع الداخلي الذي يعيشه سائد، بين عمله في شركة كبيرة ومنصبٍ جيّد وبين رغبته في احتراف الملاكمة والانفلات من عالمه الأول، صراعٌ بين عالم الإعلانات وحلبة الملاكمة، ورسمٌ لصورة الأحلام حين تستحوذ علينا فنتخلى من أجلها عن كل ما هو ثابتٌ على الأرض، وبالتوازي مع هذا يرسم صراعًا آخر، هو صراع سائد مع ماضيه وبحثه عنه.

يستخدم أبو طالب أسلوب الراوي العليم (الصوت الثاني)، إلا أنني كنت أتمنى أن تكون الرواية بصوت الراوي الذاتي؛ إذ كان هذا ليجعلها أكثر قربًا للقارئ وأكثر قدرة على إدخاله في أجواء الرواية، وكنّا سنشعر بانفعالات البطل بصورة أكثر حميميّة لتصبح أحداث الراوية حيّة، إلا أنه اختار أن تكون الرواية بالصوت الثاني، وهو الصوت الذي كان في بعض الأحيان يُشتت ذهني ويخرجني من الرواية، خصوصًا في تلك الأجزاء التي يُسهب فيها بالوصف.

في مقهىً في بيروت مع عدد من الأصدقاء حدثنا معن عن روايته الجديدة قبل أن يُصدرها، طارحًا التساؤل: «كيف يمكن لكاتب عربي أن يكتب رواية بصوت الراوي الذاتي (الصوت الأول) دون أن نشعر أنها مصطنعة أو مُقحمة» مشيرًا إلى أن اللغات الأخرى أكثر قدرة على استخدام الصوت الأول من اللغة العربية. وهنا أختلف مع أبو طالب بشدة، فاللغة العربية، تمامًا كباقي اللغات، قادرة على إصدار رواية بالصوت الأول بصورة ممتعة ودون تغليب الأنا فيها. وهنا تظهر مهارة الكاتب؛ إذ أن ما يُميّز روائيًا عن آخر هو قدرته على تفتيت الأنا في صوته وإظهار وعيه بذاته وبشخصية أبطاله ليكون قادرًا على الانفلات من كلاسيكية الراوي البارد والخارج من النص، ويعبر عن الآخر بصوته، فيبحث عن الإنسان داخل الإنسان.

ومع ذلك، فإن تعدد الرواة في «كل المعارك» حوّل الرواية إلى مشهد سينمائي، وأضفى عليها جوًا محايدًا، وأعطى الشخصيّات مساحاتٍ أوسع تبتعد وتقترب من البطل الذي تتطور شخصيته في الرواية بصورة سلسة وتحاول أن تكتمل مع اكتمال الرواية، إلا أنها لا تكتمل حقًا.

نهاية متسرّعة

من الواضح أن الكاتب قد بذل جهدًا في البحث والقراءة وتأنّى في اختيار تفاصيل روايته، فكادت أن تكون عملًا مميزًا لولا استعجاله في الخاتمة. خاتمة الرواية بدت وكأنها بترٌ للقصة، أو محاولة لإنهاء ما لا يستطيع إنهاءه، وكأنها خارجة عن حبكتها؛ لم تكن خاتمة مفتوحة تدعو القارئ للتأمل والتفكير، ولا نهاية واضحة أيضًا، بل كانت مجرد خاتمة غير مُعتنىً بها ولا مدروسة، وكأنه بعد أن بنى كل أحداث روايته لم يعرف كيف يعود لضبط إيقاعها وحصرها في خاتمة جيّدة.

دون شك، هذا أمرٌ مؤسف؛ من المؤسف أن تقرأ رواية بهذا الجهد، يحاول كاتبها أن يصل إلى درجة عالية من الاتقان، ولكنها تُحبطك بنهايتها. ففي خاتمة «كل المعارك» البطل والكاتب وحدهما يعرفان ما يدور، أما القارئ فقد كان مُبعدًا عن التفاصيل، ولربما يكون في ذهن الكاتب إصدار جزءٍ ثانٍ للراوية، لكن ذلك لم يكن واضحًا لي كقارئٍ أيضًا.

ورغم أن الخاتمة لم تكن موفقةً، ولعلها لم تستطع أن تصل بالكاتب إلى مبتغاه، إلّا أنه لا بد أن أشير إلى أن المؤلف، من خلال عمله على «كل المعارك»، يُظهر احترامًا لأدب الرواية وفنونها، ويُظهر إمكاناته وتقنياته في التخطيط لهيكل الرواية، ويبتعد عن الاستسهال أو الاستعراض اللغوي أو الفكري على حساب العمل. مقدّمًا عملًا حذرًا من حيث التجديد والانفلات في الكتابة، لكنه عملٌ جيّد، بل يكاد يكون الأفضل بين الرواة الشباب في الأردن.

وباعتقادي، فإن «كل المعارك» تؤسس بحق لمشهد روائي جديد وشاب في الأردن، وتطرح قصةً جديدة لا تخطر على بال روائي عاديّ. وعلى عكس معظم الروايات الشابة التي نقرأها يظهر جليّا أن «أبو طالب» لم يستسهل الكتابة ولم يقدمها للقارئ على عجل، ورغم النواقص فيها؛ فقد تأنى بالبحث عن موضوعه ليرسم شخصياته بدقة. وبالنسبة لقارئ مثلي لا يعرف شيئًا عن الملاكمة، استطاع أبو طالب أن يُقرّب المشهد لي، وأن يجعل رأسي يتمايل مع الضربات التي كان سائد يتلقّاها في الحلبة.

* «كل المعارك» رواية صادرة عن دار الكتب خان، من إنتاج محترف نجوى بركات، بمنحة من برنامج آفاق. أما مؤلف الرواية، معن أبو طالب، فكاتب ومحرر وأحد مؤسسي مجلة معازف الإلكترونية المتخصصة بالموسيقى.