الجموع و«بيت الورق»: كسر الرتابة الهوليوودية

الإثنين 05 تشرين الثاني 2018
لقطة من مسلسل «بيت الورق».

هذا المقال هو الثالث في سلسلة مبنية على أطروحة دكتوراه للكاتب، تناقش الإرث الفلسفي الغربي المعادي للثورات، وتمثلاته في مصر المعاصرة. المقال الأول، المقال الثاني.

تطارد الجموع، كما قدّمنا في مقالين سابقين، مخيلة الغرب وتسكن كوابيسه. ترى ثقافة الغرب المعاصرة في الفردية مزية، فتخشى الحشود التي تهدد الفرد كما تخشى ذوبان الفرد في الجمع، وتقلق الدولة وأنصارها ومواطنوها الصالحون من استحالة التعرّف على الفرد متى انغمس في الحشد. وبعد أن تعرفنا على وجهين من هذا الخوف، عن طريق ربطه بالآخر الهمجي/المشرقي/المسلم، وعن طريق ربط الاثنين بالعهر والخراب والتأنيث، سنلتفت الآن إلى عمل فني قارب الجموع من زاوية مغايرة فأظهر خوف الدولة من الجموع، وإن انحاز للجموع على حساب الدولة، أعني المسلسل الإسباني «بيت الورق» (La Casa de Papel)، والذي روجته نتفليكس وحاز قبولًا واسعًا بين المشاهدين العرب. وفيه تقوم مجموعة خاطفين يتسمون بأسماء المدن باحتلال دار طباعة العملات الإسبانية حتى يطبعوا مليارات اليوروات ويهربوا بها، (وسيحوي مقالي هذا حرقًا لأحداث المسلسل، فليحذر القراء). وفي هذا المسلسل تظهر ببراعة ثيمات ذوبان الفرد وسط الجمع وخوف الدولة وأجهزتها من ذلك الذوبان الذي يعد في حد ذاته مناوءة للدولة ويرتبط بالعمل الإجرامي والمقاوم سواء.

الاختباء في الجمع

رغم أن المسلسل يحكي عن عملية سطو، لا عن الجموع، فإن خطة السطو ترتبط بالجموع ارتباطًا وثيقًا. فالخطة، التي أعدها شخص يسمونه «البروفيسور»، تقوم على أن يحتجز الخاطفون، الذين يرتدون زيًا أحمر وأقنعة تشبه وجه سلفادور دالي، مجموعةً من الرهائن ويجبروهم على ارتداء الزي ذاته والأقنعة ذاتها فيصبح مستحيلًا على قوى التدخل أن تعرف الفارق بين الخاطفين والمخطوفين، مما يعطي الخاطفين فسحة من الوقت لينتهوا من طباعة العملات قبل أن يهربوا من نفق يعكفون على حفره. تتكرر فكرة الاندساس وسط الجمع في الخطط البديلة والجانبية، فمثلًا حين يحتاج البروفيسور أن يتسلل إلى مستشفى وهو يعلم أن رجال الشرطة له بالمرصاد يدعو مجموعات من المهرجين للحضور إلى المستشفى بينما يتسلل بينهم مرتديًا زي المهرج وأصباغه. وخطة الهروب البديلة، التي أسموها بخطة تشرنوبل ولم ينفذوها، تقوم على إلقاء الأموال على الناس ليتجمعوا فيختفي الخاطفون وسط الجموع.

الاختفاء وسط الجموع إذن هو سيد الخطط. واختفاء الناس (مجرمين كانوا أم ناشطين سياسيين أم أناسًا عاديين) وسط الزحام أمر شائع في ثقافتنا المعاصرة، ولا ننسى نهاية فيلم «الإرهاب والكباب» حين يندس عادل إمام وصحبه بين جموع المخطوفين المغادرين مجمع التحرير فيذوبون وسطهم ولا تتعرف قوى الأمن عليهم. وهي كذلك ثيمة مكررة في الأدب والثقافة الغربيين منذ اكتشف الأوروبيون ظاهرة الحشود في حاضرتيهم، لندن وباريس، في بدايات القرن التاسع عشر حتى قال شاعرهم وليام وردسورث واصفًا الزحام: «فكل وجهٍ عابرٍ يمر بي، هو لغز».

يتحدث ووردسورث هنا عن طبيعة الزحام كمكان يلتقي فيه الغرباء من دون أن يمكثوا أو يتعارفوا، فكأن كل وجه وشخصية يستتران وراء قناع لا يخلعانه. يتحدث ووردسورث أيضًا عن الزحام كجمع يذوب فيه الفرد، فكأن الناس في الزحام يرتدون كلهم نفس القناع، تمامًا مثل أقنعة دالي وأصباغ المهرجين في خطط البروفيسور. بل إن رهاب الأقنعة ورهاب المهرجين يمكن ربطهما بنفس الخوف من غياب الهوية الفردية وعدم القدرة على تمييز الأفراد (وربما أمعن البروفيسور في اللعب على الخوف من غياب التمييز باختياره لدالي ملك السريالية الذي تذوب عنده الحدود بين الأشياء وتتخلخل المعاني).

رهاب الجماهير وإرهابها

هذا هو الخوف نفسه الذي يميز تصور الحشود في الثقافة الحديثة، لا سيما الغربية. في رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز، يقدم الروائي الإنجليزي كاريكاتورًا للجموع الثورية حين يتخفى كل أعضاء التنظيم السري تحت اسم جاك، فلما يأتي الضابط السري ويسأل عن جاك لا يصل إليه، فجاك هو كل الناس وهو لا أحد. ثم يستحيل الكاريكاتور كابوسًا حين تثور جموع «الجواك». والقناع في «بيت الورق» هو مثل اسم جاك في «قصة مدينتين»، يختفي تحته الهاربون عن عين النظام فيصيرون كلهم واحدًا ويصيرون لا أحد. وفي كل تلك الأمثلة، يصبح الاختفاء في الجمع تحديًا للدولة وتعطيلًا لسلطتها.

في هذه الأمثلة يغدو التنظيم السري (الثوري في «قصة مدينتين»، الإرهابي-السياسي بالصدفة في «الإرهاب والكباب»، والإرهابي-الإجرامي في «بيت الورق») رديف الجماهير. ونرى في المسلسل بوضوح العلاقة الملتبسة بين الإرهاب وبين الجماهير، فبينما يلجأ الإرهاب (بصفته عملًا سريًا وعنيفًا) إلى إقصاء الجماهير فإن الإرهابي يندس في الجموع ويتحدث أحيانًا باسمهم ويستهدفهم في الوقت ذاته. ويظهر هذا الالتباس في المسلسل أكثر ما يظهر في محاولات الخاطفة «نيروبي» استمالة المخطوفين ومحاولتها -بحسب الخطة التي رسمها البروفيسور- جعلهم شركاء في الجريمة (وهي محاولات يفشل معظمها)، كما تظهر (بشكل أكثر تبسيطًا) في خطة البروفيسور التي تعتمد على استمالة الرأي العام. كما يمكننا أن نرى في علاقة الحب المعقدة التي نشأت بين الخاطف دينفر وبين المخطوفة مونيكا (بعد أن حماها دينفر وآذاها في الوقت ذاته) مجازًا لتلك العلاقة الملتبسة بين الإرهاب والجماهير. وتزداد العلاقة التباسًا باختلاط السياسي بالشخصي، والنبل بالإجرام والخسة، في دوافع الخاطفين ودعايتهم وتصرفاتهم. ولعل ذلك الربط الملتبس بين الجماعة السرية-الإجرامية وبين الجموع يذكرنا بالربط ما بين «حلف الظلال» وما بين الجموع في قصص وأفلام باتمان والذي تعرضنا له في مقال سابق. إلا أن مسلسل «بيت الورق» يذهب إلى ما هو أبعد في استكشاف ذلك الربط وبيان التباساته كما سنبين.

السطو والعمل المقاوم

يربط المسلسل إذن بين عملية السطو وبين أنماط مختلفة من مناوءة السلطة ومقاومة الدولة؛ الإرهاب حاضر بشكل واضح، فعملية الخطف هي تعريفًا عمل إرهاب. وقد تكررت أكثر من مرة خلال المسلسل مقارنة الخاطفين بـ«الجهاديين». إلّا إن الإحالة الأقوى خلال المسلسل كانت إلى العمل اليساري المناوئ للرأسمالية والمقاوم لتغول الدولة وللفاشية تحديدًا. وبينما سمعنا أحد الخاطفين يدندن بالنشيد الأممي في الخلفية أثناء نقاش بين زملائه، فإن الإحالة إلى اليسار وإلى تاريخ مقاومة الفاشية تكررت من خلال أغنية «بيلا تشاو» التي سمعنا الخاطفين يغنونها بينما يحفرون النفق، والتي رأينا البروفيسور يغنيها بحميمية مع برلين (الذي اختاره البروفيسور ليقود عملية الخطف)، كما تكررت في خلفية العديد من المشاهد، وبالذات المشهد الدرامي الذي يسقط فيه برلين برصاص رجال الأمن في الحلقة الأخيرة. وهذه الأغنية من أناشيد المقاومة المسلحة (اليسارية في أغلبها) ضد الحكم الفاشي في إيطاليا، وتحكي عن مناضل (أو partigiano أي نصير، فالمقاومة ضد النازية والفاشية في إيطاليا وغيرها قد سمت نفسها بالأنصار، وهي كلمة كانت تطلق قبل ذلك على القوات شبه النظامية) يستشعر موته القادم فيطلب من رفيق السلاح إذا مات أن يدفنه تحت ظل زهرة في أعالي الجبال حتى إذا تعجب الناس من جمالها قيل لهم «هذه زهرة مناضل مات من أجل الحرية».

ويتضح أن ذلك الربط ما بين الخاطفين (أو البروفيسور تحديدًا) وبين العمل المقاوم ليس ربطَ عشواءٍ، إذ تخبرنا الراوية بينما البروفيسور وبرلين يغنيان تلك الأغنية بأن حياة البروفيسور كانت تتمحور حول مبدأ واحد وهو المقاومة (فهل هي صدفة إذن أن المقهى الذي كان يقابل المفتشة فيه كان يسمى هانوي؟)، وأنه تعلم هذه الأغنية من جده الذي تطوع في صفوف المقاومة الإيطالية ضد الفاشية (ولا ننسى أن الأحداث تدور في إسبانيا، حيث عمّر الحكم الفاشي لثلاثة عقود بعد سقوطه في إيطاليا وسقوط رديفه النازي في ألمانيا) وأن البروفيسور لقن بدوره هذه الأغنية لبقية أعضاء الفريق.

ورغم أن الهدف من عملية السطو هو الربح الشخصي، إلا إننا نكتشف شيئًا فشيئًا أن البروفيسور يريد لهذه العملية أن تكون انتقامًا من النظام (المالي والبوليسي)، فيخبرنا أنه كان ملازمًا للمستشفى في صباه وكان أبوه يسرق البنوك ليتمكن من الإنفاق على علاجه حتى سقط الأب قتيلًا على مدخل بنك -البنك الإسباني الأمريكي تحديدًا- برصاص رجال الشرطة.

ويكرر البروفيسور في أكثر من مشهد بأن ذلك الأب كان المخطط الأول لعملية الخطف التي نشاهدها، وأنه يريد للعملية أن تكون تحية لذكرى والده (ويقول له برلين وهما يحرقان صورة الوالد «إنما نفعلها لأجله» في مشهد مسترجع «فلاشباك»). وفي مشهد قرب النهاية، حين يواجه البروفيسور المفتشة التي وقع في غرامها بخطته ودوافعها، يقارن ما يفعلونه بما يفعله البنك المركزي حين يقوم بـ«ضخ السيولة» من دون معادل إنتاجي فتنتهي الأموال في البنوك وفي جيوب الأغنياء، ثم يمزق ورقة من فئة الخمسين يورو أمام عينيها ليريها أن العملة لا قيمة لها في حد ذاتها، فكأنما يعطيها درسًا عمليًا في فتيشية العملة.

ويقول البروفيسور أن ما يفعله إنما هو ضخ للسيولة، ولكنه ضخ ينتهي لا في جيوب البنوك وحفنة المترفين بل في جيوب مجموعة من المهمّشين. بعد هذه الخطبة الانفعالية يأخذ البروفيسور نفسًا عميقًا ثم يعلن دافع هؤلاء المهمشين: «ليهربوا من ذلك كله»؛ ويظهر بذلك جانب آخر من الالتباس، فعلى الرغم من الرداء الإيديولوجي فإن الهدف في النهاية مصلحة شخصية وهروب وانتقام فرديّان من النظام لا مقارعته.

وبينما يطغى دافع الجشع الفردي على العملية، يظل الدافع السياسي واقفًا على حدودها، مشكلًا لجمالياتها وكامنًا في منطقها، ويظهر لا فقط في الأنشودة الثورية التي يتغنون بها أو في سعيهم لنيل تعاطف الجماهير ولكن أيضًا في خطة الهروب البديلة التي سموها خطة تشرنوبل، والتي كانوا ليطلقوا بمقتضاها الأموال في مناطيد ثم يفجروا تلك المناطيد بالرصاص «فينهمر المال مطرًا احتفاليًا» بحسب تعبير برلين فتصبح العملية نصرًا إعلاميًا ويتجمهر الناس فيختفي الخاطفون وسطهم، بينما يكون المال قد ضاع عليهم، فالبروفيسور «مثالي، يهتم للرسالة أكثر من المال» بحسب تعبير برلين كذلك.

وخطة تشرنوبل البديلة هذه تعيد إلى الأذهان (مع الفارق الكبير) نهاية عملية «بنك أوف أميركا» التي نفذها تنظيم «الحركة الثورية الاشتراكية اللبنانية» في بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 1973، حيث اقتحم الفدائيون البنك واحتجزوا من به رهائن ليجبروه على وقف تمويل«إسرائيل» وللحصول على أموال للمقاومة (وقيل لإجباره على تحويل أموال للجيشين المصري والسوري اللذين كانا منخرطين وقتها في المعارك ضد العدو الإسرائيلي). فلما حاصر الجيش اللبناني الخاطفين قام الشهيد علي شعيب («قامة الوعر المنتصبة والجرد الذي يختزن الصواعق والقلب الذي يترقرق بماء الوطن»)، في إشارة واعية إلى الصلة بين العمل الثوري وبين الجماهير، بإلقاء الأموال على الحشود التي أحاطت بالبنك دعمًا للعملية، قبل أن يرديه رصاص الجيش فيغنّيه عباس بيضون ومن بعده مارسيل خليفة بقصيدة «يا علي».

إحدى مميزات المسلسل الأساسية هي تجاوزه لثنائية الطيب والشرير ولسخافات هوليوود الأخلاقية، ولصيرورة انتصار الخير على الشر البليدة والتافهة

لم تبدأ المواجهة بين التنظيم الثوري أو الجماهيري والمؤسسات المالية بعملية «بنك أوف أميركا»، فقد صدَّعَنا سليم النقاش، صنيع الإنجليز ومؤرخ الاحتلال الإنجليزي لمصر، على سبيل المثال، في الجزء الخامس من كتابه الدعائي «مصر للمصريين» بروايات عن الخطر الذي شكلته جماهير الإسكندرية والثورة العرابية تجاه المؤسسات الغربية ومنها البنوك. وفي «قصة مدينتين» كان بنك تيلسون المتخيل هو ملاذ أبطال الرواية من الحشود الثورية. وقد لجأ البلاشفة إلى سرقة بنك في 1907 إلا إنهم فشلوا في استخدام النقود لأن السلطات كانت على علم بأرقامها المسلسلة، وهو الخطأ الذي تلافته خطة البروفيسور التي اعتمدت على طبع الأموال بأرقام مسلسلة متفرقة وعهدت بذلك إلى نيروبي الحريصة على التفاصيل. ولا ننسى كذلك تاريخ تنظيم الفصيل الأحمر الألماني، أو ما عرف إعلاميًا بعصابة بادر ماينهوف، في استهداف البنوك تفجيرًا وسرقةً. و«بنك أوف أميركا» كانت في حد ذاتها جزءًا من سلسلة عمليات سارت فيها الحركة الثورية الاشتراكية اللبنانية على خطى التوباماروس الأوروجويين في استهداف البنوك.

في الكثير من تلك المواجهات (ومع الفارق بين منفذي عملية«بنك أوف أميركا» الذين عرفوا بنقائهم وزهدهم وبين أبطال المسلسل الذين يرتكبون عملية السطو طمعًا في المال) نرى التنظيم المسلح، الإرهابي أو الثوري أو الإجرامي، ومعه الجماهير (معه طوعًا أو قسرًا) في ناحية، وفي الناحية الأخرى البنك، أو المؤسسة المالية مع باقي مؤسسات الدولة وسلطتها وذراعها الأمنية (التي تعمد المسلسل إظهارها بمظهر الشر حتى تضاءلت أمامها جريمة الخاطفين). ولقد أكد المسلسل على هذه المواجهة في تتر نهاية الحلقة الأخيرة من الجزء الأول حين عرض مشاهد تظهر تدفق المال وتوحش الرأسمالية و صعودها على رقاب الفقراء والمهمشين على خلفية أغنية «بيلا تشاو».

السرقة والعمل المقاوم والحكم الأخلاقي

بالرغم من هذه الخلفية السياسية، لم يجعل المسلسل الخاطفين أبطالًا ومقاومين بل أمعن في إظهار جانب الشر فيهم. فبرلين ظل ساديًا متلذذًا بإيلام الآخرين حتى موته البطولي، وحتى في موته هذا أصر على أن يجرجر معه فتاة صغيرة مذعورة وأن يجبرها على تلقيم مدفعه بينما هي تبكي وترتجف. وطوكيو الراوية بدت أنانية قادرة على التضحية بالآخرين لأجل نزواتها وقادرة على القتل والتعذيب حين تغضب. وكلما ظن البروفيسور ونيروبي (المثاليان) أن ثمة جريمة نظيفة، كانا يُفاجئان باضطرارهما إلى إيذاء الآخرين لإنجاح العملية وبقدرة رفاقهما على الإيذاء وحماسهم له.

ولو نظرنا للمسلسل نظرة هوليوودية تبسيطية لقلنا إنه أساء للعمل المقاوم حين قرنه بعملية خطف سادية دافعها الطمع. إلا أن إحدى مميزات المسلسل الأساسية هي تجاوزه لثنائية الطيب والشرير ولسخافات هوليوود الأخلاقية، ولصيرورة انتصار الخير على الشر البليدة والتافهة، ولعل هذا من أسباب نجاح المسلسل خارج الولايات المتحدة، وإقبال المشاهدين العرب عليه.

صحيح أن المسلسل لم يأتِ بجديد في استعارته لثيمات «السرقة الكبرى» والسطو المسلح واحتجاز الرهائن و«الهروب الكبير»، التي أخذها من هوليوود ذاتها (ولم يخل المسلسل من إحالات مباشرة وغير مباشرة إلى الأفلام الأمريكية)، إلا أنه قدم كل تلك الثيمات مجردة من حالة الوعظ الطفولي التي تميز أعمال هوليوود. وإن كنا لن نعدم في الدراما الأمريكية من أمثلة تنحاز للمجرمين أو تظهر التناقض في شخصياتهم فلا نراهم شرًا محضًا، فقد امتاز المسلسل الأسباني بأنه بعد أن أمعن في إظهار الشر (والخير) في نفوس المجرمين جعل العنصر السياسي أحد عوامل استدرار التعاطف معهم (ولو كان المسلسل أمريكيًا لجعل من اشتراكية البروفيسور، وإعلاء برلين للجماعة على الفرد ومن أنشودة المقاومة اليسارية أسبابًا لإدانة الخاطفين لا لتبرئتهم). وبينما تنحاز الثقافة الغربية السائدة ضد الجموع والتنظيم السري معًا، انحاز المسلسل الإسباني لهما وأثار تعاطفنا معهما. لم ينتصر المسلسل فقط للمجرمين (أو للمهمشين الذين يلجأون إلى العنف و«الإرهاب») وإنما انتصر أيضًا للترابط بين التنظيم السري وبين الجمع الذي يذوب فيه الفرد. ولعل هذا سبب أساسي في انجذابنا نحن العرب إلى هذا المسلسل وتعاطفنا مع أبطاله (ومجرميه)، فقد ألفنا ذلك الخطاب المقاوم وعرفنا المؤسسات المالية آكلة لحقوق الضعفاء (ومن مقاومينا من استشهد على باب البنك كعلي شعيب وصحبه). ثم إننا اعتدنا من آلة الإعلام الأمريكية أن تقرن الجريمة والإرهاب بنا نحن العرب، واعتدنا منها أن ترى في الإرهاب والجماعات السرية-التخريبية والجموع خطرًا لا يهذر إلا بالعربية؛ فكأننا صرنا مستعدين للتعاطف مع كل ضحايا هذه الآلة الإعلامية، أو كأننا لا نصدق أن ضحاياها مجرمون وإن أقسمت هوليوود على ذلك بأغلظ الأيمان، فلما انتصرت آلة إعلامية أخرى لهم فرحنا، بكسر الرتابة إن لم يكن بانتصار المظلوم.