الحب في زمن يوسف شاهين

الأربعاء 24 شباط 2016

بقلم موسى الشديدي

تعرف أنك وقعت فريسة لفخ متقن الصنع أعده يوسف شاهين عندما يصبح الحب لعنة سينمائية لا يمكن الخروج منها. إنه إيقاع خطوات ذلك المخرج المجنون يتجه نحوك في كل جزء من «رباعية إسكندرية»، تلك الرباعية التي يسرد فيها شاهين سيرته الذاتية سينمائيًا مصفيا حساباته وكاشفا للمستور، وما يستوقف مشاهد الرباعية هي مهارة شاهين الفذّة في تفتيت وتفسير مشاعره الشخصية وتحويلها إلى مشاهد لا يمكنها أن تخطئ قلبك، لتنال هذه الرباعية عن جدارة لقب أكبر قصة حب مثليّة في السينما على الإطلاق بسهولة فائقة.

إسكندرية .. ليه ؟ (1979)

يروي هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في الإسكندرية فترة الحرب العالمية الثانية أكثر من قصة، من بينها قصة عادل الفدائي المصريّ الثريّ، والذي يدفع لبلطجي اسمه مرسي ليخطف له جنودًا إنجليزيين سكارى من بارات الإسكندرية ليقوم عادل بقتلهم معبرًا بذلك عن وطنيته بطريقته الخاصة، حتى شاء القدر أن يخطف مرسي جنديًا إنجليزيًا اسمه تومي، ليقع عادل في حبه بدلًا من قتله، فيأخذ الجندي الثمل معه إلى بيته بدلًا من المقبرة ليستيقظ في الصباح التالي ويجد نفسه في سرير عادل.

خلال الفيلم نستطيع رصد مشاهد غزل رومانسي بينهما بوضوح، وبعد أن ينجح شاهين بمهنية عالية في جعل العدو يبدو حبيبًا، يعود ويجهض ذلك الحب بشكل تراجيدي ليشعل تعاطف المشاهد، فالجندي البريطاني يلقى حتفه في المعركة ويذهب عادل للبحث عن قبر حبيبه بين قبور العلميْن البيضاء.

قصة أخرى يرويها الفيلم، وهي قصة يحيى المراهق البالغ من العمر 18 عامًا، ومنذ بداية الفيلم نتعرف على يحيى عبر مشهد دخوله مع مجموعة من أقرانه إلى السينما، فيهمس فجأة أحدهم «وأنا جاي عالسينما شفتلكم حتة دين بنت» وبينما تثير هذه العبارة فضول المجموعة ينظر يحيى باستخفاف قائلا «اهدى بقى».

بعد خروجهم من السينما وركوبهم للسيارة يقترح أصدقائه الذهاب لمغازلة النساء على الكورنيش،  فيرد يحيى بتوتر على هذا الاقتراح «ما بلاش يا جماعة، أصلي أنا عاوز أشوف الفيلم تاني، أصلي مشفتوش كويس». وينزل من السيارة  بشكل مريب دون أن يترك لأصدقائه مجالًا للرد، فهل هذا هرب من النساء باستخدام السينما أم أنه حبٌ مفرطٌ للسينما طغى على حب مراهق للنساء؟

حدوته مصرية (1982)

يسافر يحيى إلى لندن لإجراء عملية قلب مفتوح (كما حدث لشاهين في الواقع) ليقوم بعلاقة مثليّة عابرة مع سائق سيارة أجرة. ويبدو أن العلاقة الزوجية ليحيى، الذي يمثل دوره في هذا الجزء نور الشريف، غير مستقرة، إذ كثيرًا ما تعبّر زوجته عن وضع علاقتهما بقولها كلمة «أصحاب».

كما تقول له في أحد الحوارات التي دارت بينهما: «فضلت أحلم إنك تتغير» ليرد عليها: «الواحد مش عارف يبطل سيجارة حيقدر يغير عقده وماضيه؟» ثم تقول في مشهد آخر «عايزاه معايا نقعد ندردش نبص عالقمر بالليل». وكأن هذا الفيلم هو خروج يوسف شاهين من الخزانة ومحاكمة هذا الخروج في الوقت نفسه.

إسكندرية كمان وكمان (1990)

في هذا الجزء، يلعب يوسف شاهين دور يحيى في ذروة نجاحه الإخراجي، لكنه هذه المرّة غارق في ألم فشل علاقته بشاب ممثل موهوب يدعى عمر. ويحاول خلال الفيلم الاحتيال على هذا الألم والتعامل معه.

يبدأ المشهد الأول في الفيلم بعمر وهو يقول ليحيى: «أنا عاوز استقر واشوف مستقبلي بطريقتي، حتجوز وأجيب عيال وابقى عادي، الناس هلكاني كلام» ليعلن بذلك نهاية علاقتهما وبداية الفيلم.

إسكندرية نيويورك (2004)

بينما يتذكر يحيى مغامرات مراهقته أثناء الدراسة في أمريكا يتمحور جزء من الذكريات حول صاحبة النزل الذي أقام فيه، ومحاولاتها التحرش به جنسيًا، فيستعين بإحدى زميلاته (جنجر) لمساعدته في التخلص منها وتمثيل دور عشيقته.

تعترف جنجر بإعجابها بيحيى لكي يرد عليها قائلًا: «لو خدتيني زي ما أنا كده أوك، لكن أكون زي ما انتي عايزه، معتقدش الحكاية تنفع، مش حتمشي».

مع هذه الرباعية يرحل شاهين مخلفًا إرثًا سينمائيًا خطيرًا للأجيال اللاحقة لا يقدر بثمن.