مريم صالح تُغني أفراح «عدويّة» باستعراض غنائي كوميدي في بيروت

الأحد 17 كانون الثاني 2016

على خشبة مسرح مترو المدينة في بيروت مساء الخميس الماضي، أعادت الفنانة المصرية مريم صالح بث أغنيات المطرب المصري الشعبي أحمد عدوية بصورة مختلفة، أشبه ما تكون بالكاريكتورية التي تضخم التفاصيل الصغيرة وتركز عليها.

في الاستعراض الفني «فرح: مريم صالح تغني عدوية» بإخراج مسرحي لهشام جابر، تنقل صالح جمهور شارع الحمرا في بيروت إلى إحدى الحواري الشعبية في مصر، تحديدًا إلى فرح شعبي في الثمانينات أو حتى السبعينيات، فتغني التراث الشعبي لأفراح مصر، والتي كرّسها عدوية منذ مطلع السبعينيات، بأسلوب ساخر لا يعتني بالصوت تمامًا إلا أنه يركز على الأداء.

تُدرك صاحبة أغنية «أنا مش بغني، أنا مش بقول» أنها لا تمتلك صوتًا مُهذبًا في مقاييس الغناء الشرقي والطرب، لكن ابنة المسرح استطاعت أن توّظف ما تملكه من صوتٍ وتغلفه بأداء مختلف، لتكون صالح على خشبة المسرح؛ صوت وأداء وتمثيل.

في «عدوية»، لم تُقدم صالح عرضًا مكتمًلا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إذ فاتتها بعض التفاصيل التي كان من الممكن أن تُغني العرض وتجعله أكثر ثراء: كان يحتاج إلى المزيد من الاستعراض في الأداء لتُظهر ما كان عليه عدوية في الحفلات والأعراس الشعبية، وكان يلزمه ديكور وإخراجٌ مسرحي أكثر زخمًا وامتلاءً، إلا أن هذا لم يكن لينتقص من العرض بصورته الكاملة.

خرجت مريم صالح بزيٍ لامعٍ ومبالغ فيه بعض الشيء، من تصميم وسام دلاتي، تحاكي فيه عدوية في الشكل والأداء حين كان يخرج لجمهور بسترات برّاقة أو ذات ألوان فاقعة، ورافقها أحمد الخطيب على الرق، سامح أبو المنى على الأكورديون، عماد حشيشو على العود، مازن ملاعب على الطبلة وزياد جعفر على الكمان، كلهم ظهروا بسترات زرقاء برّاقة، وبشعر وشكلٍ كاريكتوري وساخر، فيما رافقتهم الراقصة اللبنانية رندة مخول رقصًا وتمثيلًا كوميديًا.

أصرّت صالح على الغناء الحر في العرض، تمامًا كما عدوية، اعتنت بنشوز صوتها أثناء الغناء وكأنه حرفة، فقد كان صوتها ونشوزها في الغناء في بعض الأوقات مدروسًا، كأن تخرج عن طبقتها وعن السلم الموسيقي وهي تصرخ مُغنيةً «اجي من هنا زحمة، واروح هنا زحمة هنا أو هنا زحمة، زحمة يا دنيا زحمة» لكنها ما تلبث أن تعود مرةً أخرى لتحرص على الغناء الصحيح حين تقول «زحمة ومعطلاني وان رحت وما لقيتوش، اخاف اروح له تاني في معادي وما القاهوش، كتير الناس كتير وانا عايزاركب واطير».

ركزت صالح على تأدية أغاني عدوية ذات الكلمات الغريبة: «السح اندح امبو الواد طالع لأبوه»، «كله على كله»، «حبه فوق وحبه تحت»، «كركشنجى دبح كبشه يا محلى مرقه لحم كبشه، عكشو فركش نكشو طنش قلشو آقلش» وغيرها من الأغاني التي كانت في بدايات عدوية نذير شؤم على الغناء العربي الأصيل، إذ رأى كثيرٌ من النقاد والفنانين أنها انحدار حادٌ في الفن، وهبوط في مستوى اللحن والكلمة، متغافلين أن عدوية غنى من كلمات بيرم التونسي ومأمون الشناوي والأبنودي وغيرهم، ولحن له كثيرون، منهم سيد مكاوي وكمال الطويل وعمار الشريعي.

عرض صالح يذكّرنا بأن عدويّة لم يكن يغني كلامًا ساخرًا لا معنى له، وأنه يُعد بحق العلامة الفارقة الأهم في الغناء الشعبي المصري، والتي يرى كثيرون أنها تطورت معه وتوقفت عنده. تُصر صالح على التشديد على الكلمات الغريبة حين تنطقها بأغاني عدوية، وتحاول تكرار الجملة المركبة بصورة عبقرية أكثر من مرة، فهي لا تؤدي استعراضًا غنائيًا ومسرحيًا فقط، بل تحاول من خلال عدوية أن تحكي عن نفسها وفنها وكلمات أغانيها الغريبة في بعض الأغاني، ومزجها للروك مع الشعبي في محاولة لقوّل شيءٍ مختلف في الساحة الغنائية العربية المكتظة.

في أجواء العرس المصري الذي أقامته صالح على خشبة مترو المدينة حاولت أن تتقمص دور مغني الأفراح في هذه الأعراس، حاولت أن تكون «عدوية» بصورة أو بأخرى، وتحدثت مع الجمهور بصورة عفوية، ورقصت وقفزت وجابت المسرح من أوله لآخره بعفوية أيضًا. لم تكن «عدوية»، لكنها نجحت في كثير من المشاهد باستحضاره وأخفقت في أخرى. لكنها دون شك لم تكن مبتذلة أو دون المستوى، إذ أن الغناء الشعبي على الرغم من البساطة والسهولة التي يبدو عليها، لكنّه من السهل أن يقع في فخ الابتذال، إلا أن صالح كانت مُدركة تمامًا لما تقوم به على المسرح، فبدت وكأنها ابنة هذا اللون الغنائي بشكل أصيل ودون افتعال.

ديكور المسرح كان فضفاضًا. كان بالإمكان اختيار ديكور يوحي بحالة شعبية ما، يكون قادرًا على نقل الجمهور إلى الزمان والمكان نفسه، إلا أن الاعتماد الرئيسي كان على أزياء صالح وفرقتها، وبدرجة أقل على الإضاءة التي لعبت دورًا بسيطًا في إحدى اللوحات الغنائية التي شاركت فيها الراقصة رندة مخول.

وجود الراقصة لم يكن مجرد ديكور أو استعراض فائض عن الحاجة، بل حاولت مخول أن تُقلد ما يحدث في الأعراس الشعبية من كسر للتابوهات وإغراء، وأن تكون راقصةً شعبية سواء من خلال حركاتها أو كلامها أو حتى من خلال تفاعلها مع صالح والفرقة الموسيقية، كان ينقصها فقط بعض الوزن الزائد ومزيد من الجرأة لتصبح راقصة شعبية.

في هذا الاستعراض تخرج صالح لتؤكد أنها مغنية ومؤدية في آنٍ معًا، فبعد أن بقيت طويلًا في جلباب الشيخ إمام، ها هي تعود إلى المسرح لتُظهر جانبًا آخر في صوتها وأدائها، مبتعدة عمّا كرسته في أدائها لإمام، أو ما صنعته من هوية خاصة بها من خلال أغانيها الخاصة. تعود بثوب عدوية، أكثر نضجًا وتمردًا، ومؤدية مسرحية أكثر من أي وقتٍ مضى.

الفيديو من عرض سابق