مشروع ليلى

قيم وتقاليد واعتراضات كَنَسية: كيف مُنعت «مشروع ليلى» من الغناء في عمّان

قيم وتقاليد واعتراضات كَنَسية: كيف مُنعت «مشروع ليلى» من الغناء في عمّان

الأربعاء 27 نيسان 2016

بعد أيام من التسريبات، تأكد منع حفلة فرقة مشروع ليلى القادمة من لبنان، والتي كان مقررًا إقامتها في المدرج الروماني في عمّان يوم الجمعة المقبل، بعد اعتراض جهات أمنية ودينية على الفرقة.

السبب الرسمي الذي تسلمته شركة «ستارة» المنظمة للحفلة مطلع الأسبوع جاء من دائرة الآثار العامة المسؤولة عن المدرج، وكان تعارض الحفلة مع «أصالة الموقع الأثري»، رغم أن الفرقة سبق وغنت في المكان نفسه ثلاث مرات سابقة. لكن محافظ العاصمة خالد أبو زيد صرح بأن الحفل مُنع «بسبب مخالفة محتوى الاحتفال للقيم والعادات والتقاليد في المجتمع الأردني لاحتواء بعض أغاني الفرقة على ألفاظ لا تليق بطبيعة المجتمع الأردني».

هذه التصريحات أثارت انتقادات بين معجبي الفرقة في الأردن، والعديد من الفنانين والناشطين في المشهد الثقافي، بوصفها شكلًا من أشكال الرقابة على الفن والوصاية على الجمهور.

«نحنا بنحكي عن مواضيع بتخصنا وبنعبر عن حالنا وما بنجرب نؤذي حدا»، يقول كارل جرجس، أحد أعضاء الفرقة، في تصريح لحبر. «ما بعرف كيف عم يفكر [في إشارة للمحافظ] بس نحنا رح نحارب أكثر لنسمِّع صوتنا وما رح نوقف».

وكانت «ستارة» قد توجّهت بكتاب رسمي إلى الدائرة في ١٤ كانون ثاني لطلب الموافقة على إقامة الحفل في المدرّج الروماني، تبعته بكتاب آخر في آذار الماضي، ليحيل مدير عام دائرة الآثار العامة الطلب إلى محافظ العاصمة للحصول على الموافقة الأمنية.

حصلت الشركة على موافقة شفوية من محافظة العاصمة والأجهزة الأمنية، بحسب مديرة الشركة أمل حمّودة، لتباشر بإجراءات تنظيم الحفل وبيع التذاكر. «اعتمدنا على الموافقة الشفوية لأننا تلقينا عدّة تأكيدات وتطمينات، ولأننا مررنا بهذه التجربة في الحفل السابق الذي نظمناه للفرقة في آب الماضي»، تقول حمّودة.

لكن وقبل خمسة أيام فقط من موعد الحفلة، تلقّت حمّودة اتصالًا من محافظة العاصمة لإبلاغها بسحب الموافقة وإلغاء الحفل، مبررين ذلك بـ«اعتراض الكنيسة» على الحفل، وعلى أغنية «الجن» بشكل خاص.

الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، قال لحبر أن هذه الأغنية «تأخذ الرموز الدينية الأكثر قدسية في الديانة المسيحية وتضعها في سياق غير أخلاقي».

ووضّح الأب بدر أن جهات رسمية تواصلت معه بعد أن أبدى انتقاده لإقامة حفل مشروع ليلى في عمّان، وأنه يرى أن «الإشكال ليس في سطر في أغنية إنما في مجمل الحفل»، مضيفًا أن أغاني الفرقة «لا أخلاقية» وتمثّل «انحطاط ثقافي لا يتناسب مع قيم المجتمع الأردني».

هذا التبرير تجاوز تلك الجهات الكَنَسية لتتبناه الجهات الأمنية لاحقًا، ويقدم النائب بسام البطوش مذكرة نيابية يطالب الحكومة فيها بوقف الحفلة، مستندًا إلى تناول الفرقة لمواضيع «الجنس والمثلية الجنسية والدعوة للثورة على الحكومات والمجتمعات»، حسب ما صرح لعمون.

الفرقة عبرت في بيانها عن أسفها لضياع فرصة التقاء جمهورها في الأردن وفلسطين عبر حفلة عمّان لإطلاق ألبومها الجديد «ابن الليل»، خاصة وأن جمهور عمّان هو ثاني أكبر جمهور للفرقة عالميًا بعد القاهرة.

«رح نحاول نرجع نيجي على عمّان»، يقول جرجس لحبر. «نحنا كتير عنا معجبين وأصدقاء هون، ونحنا كتير معلّقين بالمدينة».

سبق أن قدّمت الفرقة خمس حفلات في عمّان، كان آخرها حفلة آب الماضي في المدرّج الروماني التي حضرها أكثر من خمسة آلاف شخص. حفل هذا الأسبوع في عمّان يأتي ضمن جولة للفرقة لإطلاق ألبومها الجديد «ابن الليل»، تتضمن حفلات في دبي وبيروت وفرانكفورت ونيويورك وغيرها.

من الحفل الأخير للفرقة في عمّان، في آب ٢٠١٥.

وقالت حمّودة، التي تعمل في مجال تنظيم الفعاليات الفنية والثقافية منذ سنوات، إنه «محبط جدًا تشتغل لمدّة أشهر على تنظيم فعالية فنية تجذب جمهور كبير من الأردن والمنطقة ليضيع كل هذا الجهد بسبب غياب سياسة حكومية واضحة ومزاجية في اتخاذ القرارات».

محبو الفرقة في عمّان وخارجها تناقلوا الخبر بسخط، معتبرين المنع شكلًا من أشكال الرقابة الثقافية التي ستمتد آثارها إلى المشهد الفني والثقافي بعامة. وأنشأ عدد من المعجبين عريضة إلكترونية موجهة لوزارة السياحة والآثار تطالب بالتراجع عن قرار المنع والسماح للفرقة بالمجيء.

المدير العام لمسرح البلد رائد عصفور اعتبر القرار تراجعًا للحريات الثقافية والفنية بعامة، قائلًا على صفحته على فيسبوك «ليس المهم أن تحب أو تكره ما تقدمه مشروع ليلى، لكن المهم ألا نرضخ لأصوات الدواعش وأدعياء الإعلام».

وعبّرت سلمى النمس، الأمينة العامة للجنة الوطنية لشؤون المرأة، على صفحتها على الفيسبوك أن القرار يدل على أنه «لا يوجد قرار سياسي ثابت ولا سياسة واضحة تجاه حرية التعبير الفني والثقافي في الأردن، وبمجرد اعتراض بعض الأصوات المستقوية في الاردن تهرول الدولة للتجاوب معها».

ووصف الموسيقي الأردني يعقوب أبو غوش قرار المنع بأنه اعتداء على حريات الفكر والاعتقاد والتعبير، ورأى أنه يتجاوز كونه اعتداء على فرقة موسيقية ليكون قرارًا مخالفًا للدستور الذي يضمن تلك الحريات، وأنه يؤثر عليه كفرد قبل أن يؤثر عليه كموسيقي.

«فكرة المنظومة الأخلاقية للمجتمع فكرة عائمة ونسبية جدًا ويتم التعامل معها على أنها واضحة ويمكن القياس عليها»، يقول أبو غوش في إشارة إلى تصريح محافظ العاصمة، معتبرًا تطبيق هذه الفكرة قسرًا على مجتمع متنوع ستؤدي حتمًا إلى إقصاء الكثير من أطيافه.