رأي

ملحم بركات: الطرب ضاحكًا

الأحد 30 تشرين الأول 2016
بركات في حفلته في ختام مهرجانات صور، تموز ٢٠١٦. للوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام.

 

لم يتظاهر ملحم بركات يومًا بأنه «طبيعي». لم يحاول يومًا في ألحانه ولا في شخصيته ولا حتى في أدائه أن يخفي جنون العظمة الذي كان يعتريه. كان ملحم بالنسبة لي ذلك الخط الفاصل بين ما هو قديم وحديث، بين ما هو مبتذل وما هو كلاسيكي، ولعل هذا أكثر ما كان يبهرني فيه رغم أني لم أكن يومًا متابعةً شغوفةً له.

كنتُ أستمع له بتمعن، كيف ينتقي الكلمات؛ كلها كلماتٌ بسيطة لا إعجاز فيها ولا وفذلكة، لكنها كانت جميلة، ويغني دائمًا للحب. لم يبحث عن «العمق»، لم يحاول أن يستعرض بالكلمة، لكنه حتمًا استعرض بصوته ولحنه وآدائه؛ فكان يطربني أكثر حين أشاهده يغني على التلفاز بدلًا من أن أسمعه يغني على الكاسيت.

استطاع ملحم بركات خلال العقدين الأخيرين على الأقل أن يوفر لمستمعيه من محبي الكلاسيكية الشرقية العربية ملاذًا شبه آمن، يعودون فيه إليه كلما أرادوا الاستماع لموسيقى تستند إلى التخت الشرقي في أغانيها والجمل الموسيقية الرخيمة والممتدة. في أغاني ملحم، أو تلك التي كان يلحنها في بداية مشواره الفني وحتى منتصفه، كنّا نستمع لما يشبه أغاني «الزمن القديم»؛ مقدمة موسيقية طويلة نسبيًا، جمل موسيقية طويلة وغير مبتورة، فواصل موسيقية متوسطة تفصل بين الكوبليه والآخر، ولا جور للكلمات على اللحن، دون أن تكون الكلمات على الهامش أيضًا.

بدايات بركات الذي رحل عن هذا العالم قبل أيام كانت مع التلحين في مسرح الرحابنة، إذ كان يلحن معهما في مسرحياتهما، لكنه سرعان ما أدرك أنه ببقائه مع الأخوين رحباني سيبقى وراءهما، فتركهما بعد أربع سنوات ليجد طريقًا للشهرة ما كان ليجده مع الرحابنة.

بدايته كمغنٍ مستقل كانت مع فيلمون وهبي في أغنية «الله كريم» التي كتبها له توفيق بركات، ومن هنا بدأت تتشكل أولى خطواته كمغنٍ، فقرر أن يخوض طريق الغناء ويترك التلحين جانبًا. غنى بعدها «سافر يا هوا» و«يا أسمر» اللتين أطلقتاه في عالم الغناء العربي. بعدها خاض بركات مشوارًا أوصله إلى قمة الغناء والتلحين العربي، استحق لقب الموسيقار، ولحن لعدد كبير من المطربين العرب منهم منهم: وديع الصافي، وصباح، وسميرة توفيق، وماجدة الرومي، ووليد توفيق، وباسكال صقر، وربيع الخولي، وأحمد دوغان، وميشلين خليفة، وشارك غناءً وتلحينًا في مسرحيات الرحابنة، كان أبرزها دور البطولة في مسرحية «الربيع السابع».

كنا نردد معه لازمات لا نعرف سبب وجودها بهذا العدد إلا لأن بركات أراد لها ذلك.

لعل موت ملحم بركات نذيرٌ بانحسار الملحنين والفنانين القليلين الموجودين اليوم الذين يعتنون بالموسيقى الشرقية الكلاسيكية، فلطالما نصّب بركات نفسه خط الدفاع الأول عن الأغنية العربية وحارب الابتذال فيها. فقد حاول بركات عبر مسيرته الموسيقية أن يطوّر على الموسيقى العربية منطلقًا من تراثه الغنائي اللبناني، وظلَّ حتى فترة متأخرة يغني الموال على أصوله التقليدية، وكان يكتب الموسيقى مستندًا إلى المدرسة الشرقية في التلحين دون مزج مع الغناء الغربي.

تاريخ بركات الفني معروف في كل مكان، وجزء منه موجود في ذاكرتنا التي شاهدته عبر الشاشات والإذاعات والمجلات والصحف. كنا نشاهده حين يخرج عبر الفضائيات ليقود حملاته الشرسة ضد مغنيّاتٍ ومغنين لم يقتنع يومًا بصوتهم، وكنّا نضحك معه وهو يهزأ بهم، على الرغم من قسوته. كنا نردد معه لازمات لا نعرف سبب وجودها بهذا العدد إلا لأن بركات أراد لها ذلك حين كنّا نغني معه «على بابي واقف قمرين»، كما رددنا «هيلا يا واسع مركبك راجع بسمتك ليلة عبستك ليلة هيلا هيلا»، سواءً كنا نعلم أن الأغنية كانت من ألحانه أم لا. لكن ما الذي يعنيه ملحم بركات لنا، نحن الذين بدأنا نستمع إليه ونحن ما نزال في بدايات كل الأشياء التي تُنبئ بالشغف حين غنى «شباك حبيبي»؟

يختلف الحنين إلى ملحم بركات من جيلٍ إلى جيل. فقد ظلَّ حتى فترة متأخرة متفردًا في أسلوبه، لكنه لم يكن يومًا قديمًا أو مملًا أو خارج التاريخ؛ كان دائمًا ابن عصره ومطورًا ومحافظًا في الوقت نفسه على أصول الغناء والموسيقى العربية. لكن بالنسبة لي، كما هو بالنسبة لأي شخص آخر، كنت أراه وأسمعه في كل مرحلة بصورة مختلفة. في أول تماس لي معه، كان ملحم بركات يعني لي أن والدي سعيد، وأننا سنستمع لصوت ملحم بركات يصدح في المنزل قبل وقت الغداء أثناء تحضير الطعام، رغم أن هذه النوستالجيا باتت الآن بعيدة جدًا.

لكن بركات مات حقًا منذ أعوام بالنسبة لأجيال أخرى، فنحن لم نعد نعرف جديده تمامًا، ولم يعد هو نفسه يعتني بجديده. قبل عامين تقريبًا استمعت لأغنية جديدة للفنان محمد عساف «شو بتخبرونا». أغنيةٌ جيدة، لحنٌ عادي ومكررٌ نجده عند معظم الفنانين الشباب، كانت الأغنية جيدة بالنسبة لي حتى علمت أن ملحنها هو بركات، فسمعت فيها لحنًا مبتذلًا وقالبًا محدودًا ومكرر. هل مات ملحم بركات اليوم حقًا أن أم أن وفاته كملحن سبقت وفاته كمغنٍ؟

بعد سنوات كثيرة، ومن باب عملي في مجال الإعلام، تسنى لي أن أحضر حفلًا لبركات وأن التقي به. أجل، مَن لم يحضر حفلًا لبركات فاته الكثير. فاته أن يستمع لصوت جميل جدًا لا يختلف على المسرح عمّا هو عن التسجيل، بل فيه رونق وحياة أجمل على المسرح، وفاته أن يستمع لموسيقى لم تعد متوفرة بكثرة اليوم، والأهم من ذلك كله أن لبركات حضور على المسرح ليس بخفيف الظل ولكنه خفيف الروح ينصهر مع جمهوره، فنان يقف على المسرح ويغني بكل جنونه.