أكثر من مجرد نكتة: لماذا يجب أن نعامل الميمز بجدية

الإثنين 14 كانون الثاني 2019

قبل ما يقارب العقد من الزمن، وجدت نفسي في الجوانب المظلمة من منتديات ومواقع عجيبة على شبكة الإنترنت. وجدت في العتمة السيبرية مجموعة من النكات المضحكة، لم تكن نكت مكتوبة كقصص، وإنما تضمنت صورة فقط أو صورة يصحبها نص قصير جدًا. في البداية، تم اصطلاح تعبير «image macro» للتعبير عن هذه الصيغة من النكات على الإنترنت. وكانت صور أخرى تستخدم للتعبير عن ردة فعل مبالغ فيها على منشورٍ في المنتدى، وتُعرف بـ«reaction image». ما ميّز هذه النكات بالمجمل أنها لم تحمل قيمتها في ذاتها، وإنما جاءت كوحدة من نسيجٍ ثقافي جديد، يعيش، كالثقافة، خارج الإنترنت، ويعتمد على العادات والأحداث التي تخص مجموعة معينة من البشر.

عند وقوع حادثة مضحكة بينك وبين مجموعة صغيرة من الناس، تتولد نكتة خاصة لا يفهمها سوى من كان حاضرًا أثناء وقوع الحادثة. في الغالب، عندما يحاول أحدهم شرح الحادثة لينقل القيمة الفكاهية لشخصٍ لم يكن حاضرًا، لا تكون ردة فعله قريبة من ردة فعلتهم عندما «فقعوا» من الضحك. هذا النوع من النكات الحصرية هي ما يميّز الصداقات القديمة، لذلك نجد بين الأصدقاء المقربين معجمًا خاصًا من النكات. على الإنترنت، أصبحت هذه النكات تُعرف بـ«الميم».

كلمة ميم (meme) في الإنجليزية تشير إلى أي مقولة أو مفهوم أو فعل ينتقل بين الناس بالتقليد. في سياق الإنترنت، تشير هذه الكلمة لما هو مضحك من الصور والمقولات وردات الفعل والفيديوهات التي تنتقل بين الناس بالنشر عبر الإنترنت. ومع مرور الوقت أصبحت تنتقل إلى أرض الواقع، بل وكأي شيء في عصرنا الاستهلاكي، أصبحت تباع وتشترى على الملابس وغيرها. وعلى عكس المعاجم المحفوظة في عقول الأصدقاء، لم تعد النكات التي تتولد في مواقع الإنترنت محصورة بمن أطلقوها، وإنما تخصصت مواقع مثل «know your meme» لشرح هذه النكات.

لعل موقع «9gag» من أهم المواقع التي نقلت هذه الثقافة من المنتديات التي قد لا يزورها الكثيرون إلى مواقع التواصل الاجتماعي، لتنتشر كالنار في الهشيم على حسابات الجميع، ليس فقط بالمشاركة، بل بالتصميم أيضًا. كانت هذه الوثبة الأولى لهذا «الاختراع». في ذلك الحين كنت أنظر إلى الميم كما ذكرت كنكتة خاصة تتناقل بين مجموعة صغيرة من المعارف، وساءني انتشارها بهذه الطريقة، لأنني فهمتها في سياق مختلفٍ تمامًا، فقد استبعدت الطبيعة الرسمية والمفتوحة لمواقع التواصل الاجتماعي القيمة السوداوية لهذه النكات. ما زلت أظن أنني مصيبٌ في هذه النقطة، لكنني أدركت لاحقًا أنني أخطأت في رؤية الميم كمحض نكتة.

لغة تولد أمام أعيننا

في تاريخ اللغات المكتوبة عدة لغات اعتمدت على الرموز، لا على الحروف. ولو عدنا في الزمن، سنجد رسوماتٍ على جدران الكهوف أيضًا، وليس من الصعب استنباط ما حصل من تسلسل اللغة من رسمة ترسم الواقع، لرمز يرمز إلى الرسوم، إلى حرفٍ يشير إلى الرمز. لكن هذه العملية لم تحصل بين ليلة وضحاها. فالوتيرة البطيئة لتطور اللغة ومن ثم ضبطها بقواعد النحو والصرف والإملاء، ومن ثم بناء وظائف تقوم على حفظ كل هذه القواعد، في رأيي، هي ما صبغ اللغة بقدسية مبالغٍ بها. فبدلًا من أن نحترم اللغة كأداة للتواصل أصبحت اللغة كيانًا علينا احترامه لذاته، التفاخر فيه، والاحتفال به في يومه العالمي.

الحدود بين الميم والميم ليست كتلك بين النكتة والنكتة، فالميم قد تندمج مع مرور الوقت مع ميم ثانية، لتشكل تركيبًا عجيبًا لا يكسر رتابة الواقع فقط وإنما يكسر رتابة النكتة في الميم الأصلية.

اللغة إذًا هي أداة للتواصل لها خصوصية مقترنة بالجماعة (والخصوصية نجدها أيضًا في اختلاف اللهجات مع أبسط مسافة جغرافية، بين المدن، وبين المدينة والقرية، وبين القرى، وبين القرية والبادية، وبين القبيلة والقبيلة). اللغة أيضًا بدأت لتشير إلى الواقع، لكن مطابقة اللغة للواقع الذي يفترض أن تشير إليه مسألة صعبة يختلف عليها الفلاسفة، لذا، لتوخي الحذر، يمكن القول أنها تشير إلى ما نراه كواقع. وفي هذا الإطار، نستطيع تفسير وجود كلمات أدق من غيرها لوصف أجزاء من الواقع في لغة ما، نستطيع تفسير قدرتنا على وصف أمورٍ مجردة يستحيل الإشارة إليها بالبنان.

تخيلوا معي المشهد التالي:

رجل كهفٍ يحاول توضيح إحدى مغامراته لزوجته، يقول لها: اقسم بالله أجا الثور ينطحني من هون، بس أنا نطيت ولميت الشباب عليه.

تقول زوجته غير مصدقة لروايته: كيف سمعوك بالله؟ الشباب كل واحد منهم بصيد بحارة بالغابة.

منزعجًا، يغمس الرجل كل أصبعٍ بصبغة جاهزة لسببٍ ما ويرسم الحادثة لتصدقه. قد تكون هذه القصة متخيلة، لكن كل ما نملكه من دليلٍ هو أن أحدهم رسم على جدار كهفٍ مشهدًا كالمذكور. بهذه البساطة، ولدت نواة اللغة.

إن ما يسمى بالميمز، التي نعتبرها نكتًا مضحكة لا أكثر، هي في الحقيقة لغة العصر؛ لغة نكتيّة. عبر مراقبتها تنمو أمام أعيننا بهذه السرعة الفائقة نصل إلى نتائج تشمل اللغة التي نتكلم بها والتي نقرأها الآن. وفي الوقت ذاته، نستطيع أن نُسقِط الكثير مما نعرفه عن نشأة وتطور اللغات على هذه اللغة المستحدثة.

تمامًا كاللهجات المختلفة، نجد ميمز مختلفة تتوافق مع البقعة التي تنمو فيها. فالنظر إلى الميم كنكتة فقط لا يفسر استخدامها المفرط وتطورها بهذه الصورة. النكات في العادة تحكي قصة قصيرة تنتهي نهايةً مفاجئة أو مبالغة تكسر رتابة الواقع لتدفعنا للضحك. ومع انتهاء القصة تنتهي النكتة. لكن الحدود بين الميم والميم ليست كتلك بين النكتة والنكتة، فالميم قد تندمج مع مرور الوقت مع ميم ثانية، لتشكل تركيبًا عجيبًا لا يكسر رتابة الواقع فقط وإنما يكسر رتابة النكتة في الميم الأصلية.

مجموعة ميمز مبينة على أفلام ومسلسلات عربية.

اختلاف آخر بين الميم والنكتة هو أن النكتة بكل تصوراتها تنقل النمط ذاته من المفاجأة. لقد سمعت نكتة عنصرية في ثلاث ثقافات مختلفة، تحمل جميعها الحبكة ذاتها. تبدأ باثنين من عرقٍ أو جنسيةٍ معينة يحصلان على فرصة لأن يصبحا من عرقٍ أو جنسيةٍ ثانية، إحدى قواعد النكتة تمنعهم من الانتقال سويًا، لذا يتفقان على أن يسبق أحدهم الآخر ثم يعود الأول ليساعد رفيقه، تنتهي النكتة بأن الشخص الأول بعد تحوّله أو نجاته مما قد يصيب عرقه أو جنسيته الأصلية يصبح عنصريًا كالعرق الذي أصبح منه ويزجر رفيقه باستخدام صفة كريهة تشير للعرق أو الجنسية الأصلية. هذه النكتة تملك حبكة واحدة ويمكن تكرارها عدة مرات في عدة سياقات، لكنها ستفقد قيمتها الفكاهية مع التكرار الثاني أو الثالث.

أما الميم، فتفتح المجال لعشرات التكرارات المضحكة والمفاجآت في الحبكة الفكاهية لتحمل قيمة تفوق النكات العادية. وحتى بعد وقوع ما يُعرف بموت الميم (أي تكرارها لدرجة مقيتة، أو عند تشويهها من قبل أشخاص لا يفقهون السياق الحقيقي لها، عندما يتم الإشارة إليها في برنامج تلفازي مثلًا) يمكن أن تُبعث من جديد في سياقٍ آخر، أو أن يتم الإشارة إليها لاحقًا مع ميم ثانية لتعود قيمتها. ولو وضعنا القيمة الفكاهية جانبًا، يمكن اعتبار التكرار وانتهاء صلاحية الميم كدلالة على استيعابٍ جمعي للميم كرمز، أي كأحد الحروف في اللغة الجديدة. وهذا يعكس درجة التعقيد التي لا يفسرها النظر إلى الميم كنكتة فقط.

أهمية هذه اللغة الجديدة تكمن في أنها تضاعف كم المعلومات المنقولة فيها مقابل تلك المنقولة بالأحرف. إن كانت الصورة تساوي ألف كلمة، كما يقال، فقد نكون، فقط في سبيل الضحك، قد اخترعنا لغةً جبارة تنقل آلاف الكلمات، فكل منها تشير إلى عدة صورٍ، وكل صورة منهم تشير إلى سياقٍ بأكمله، من حادثة سياسية، إلى شخصية مشهورة، إلى لقطة في مسلسل، إلى كاريكاتير.

حتى نقدر هذا التضاعف الأسّي للمعلومات، لنتخيل أننا نحاول تفكيك ميم لشخصٍ لا يملك القدرة على الوصول للإنترنت أصلًا، وعاش طفولة بعيدة كل البعد عن الرفاهيات التي حظينا بها. كم الكلمات سنحتاج لاستخدامها لتفسير هذا المركب بتفاصيله؟ إذا كانت الميم من فيلم، هل سنشرح حبكة الفيلم؟ هل سنبرر العشوائية في طبيعة الصور المستخدمة؟ هل سنفسر ما تعنيه الميم أساسًا؟

في كثير من النقاشات، أصبحت المشاركة في الجدل الدائر يتطلب بضع دقائق على الفوتوشوب بدلًا من كتابة ردود طويلة. لا ينتقص ذلك من قيمة النقد والكتابة، وإنما يعكس قوة المعلومات المختزلة في هذه النكت. فلو رأينا الميم كمحاججة تقصد تفنيد الرأي بردّه إلى نهاية سخيفة (Reductio ad absurdum)، سنجد أنها من أفضل الطرق للنقد. ولعل لحظة الانتخابات الرئاسية الأمريكية كان فارقة في هذا الإطار، إذ استخدمت فيها الميمز سلاحًا سياسيًا فعالًا بين مناصري كل من ترامب وكلينتون.

لكن علينا أن نتذكر أن الفكاهة، في آخر المطاف، تتصل بالتسخيف. فالنكات لا تستطيع أن تقيم قيمًا عليا ولا تختلط بما هو جدي ومقدس. والميمز، على الرغم من تعقيدها، ما زالت تعتمد على الفكاهة. قد ينبثق فرع منها يحمل الجدية التي تحملها اللغة العادية، أو ربما تبقى لغة معقدة لكنها تقتصر على الهدم، لا البناء، وربما تنتقل إلى مرحلة وضع القواعد، لكن كل هذا لم يحن أوانه بعد.

اللغة أولًا وأخيرًا ما هي سوى وسيلة لنقل ما في عقولنا، وكلما تشبثنا بالوسائل أخرّنا القدرة على نقل درجات أسمى من التعقيد. انتشار لغة الميمز لن تضر من يحب اللغة وقواعدها، لكنها تزعج المملين منهم، ممن عبدوا مظهر الرمز ونسوا ما يشير إليه أصلًا، أو سجدوا للهاتف بدلًا من قراءة الرسالة التي وصلتهم عبره.