في عيد ميلاده، كونديرا وفلسفة الخفة والتفاهة

الإثنين 11 نيسان 2016
Milan-Kundera

بقلم محمود حسني*

يقول ميلان كونديرا في أحد حواراته القليلة للغاية، أنه يود حقًا لو تُنشر الروايات دون اسم كاتبها. حينها فقط، سيتمكن القارئ من الحكم على النص دون أن يقع أسيرًا لاسم الكاتب وشهرته.

لم يقل كونديرا هذا الكلام وقت عزلته أو في صمته الروائي الذي امتد أربعة عشر عامًا، وهي الفترة ما بين كتابته لروايته الجهل وعمله الأحدث «حفلة التفاهة»، بل قال ذلك في ثمانينيّات القرن الماضي، حيث كانت حمّى قراءة اثنين من أشهر أعماله «كائن لا تحتمل خفته» و«كتاب الضحك والنسيان» قد غزت العالم. كان الأمر يبدو وقتها كما لو أنه من العار ألّا تكون قد قرأت كلا العملين، أو أحدهما على الأقل.

يبدو تأثر كونديرا بدراسته للموسيقى واضحًا، هو أيضًا ابن أستاذ أكاديمي في الموسيقى. ففي حوار شهير مع الروائي الأمريكي فيليب روث، يسأله روث عن معنى الرواية وأفق مساحة التجريب فيها، فيقول صاحب «المزحة»: «الرواية قطعة طويلة من النثر المُخلّق؛ والذي يعتمد على اللعب مع شخصيات متخيّلة. هذه هي الحدود التي أعرفها للرواية. وعند استخدامي تعبير «مُخلّق» أُفكر في رغبة الروائي في القبض على موضوعه والإحاطة به من كل الجهات وفي أقصى درجات الاكتمال الممكنة، وهكذا، فالقدرة التخليقيّة للرواية قادرة على تجميع العديد من الأشياء مثل: (مقال ساخر، حقيقة تاريخية، تحليق خيالي) وتحويلها جميعا إلى «وحدة كليّة» أو صهرها في قالب واحد، مثل «الأصوات الموسيقية» التي تتضافر لبناء مقطوعة موسيقية ما. وهكذا يتجلى أن وحدة الكتاب ليست بحاجة للحبكة كي تنطلق منها، فهناك «الموضوع»، أو الانشغال الذهني القوي الذي يستطيع منحها هذه الانطلاقة».

يمكننا أن نرى هذه الرؤية لكونديرا بقوة في «كتاب الضحك والنسيان»، كما يمكن أن نراها أيضًا جلية في عمله الاستثنائي «الخلود». يبدو كونديرا وكأنه ممسوسٌ من قِبَل شيطان ما، أو حتى يأتيه إلهامٌ من أحد آلهة الأوليمب. كونديرا ذاته يقول شيئًا مشابهًا لهذا الهاجس الذي يباغتني في روايته المزحة:

«كل ما ينتمي في هذه الأرض إلى الله، يمكن أن ينتمي إلى الشيطان؛ حتى حركات العشّاق في الحب».

لكننا على وجه التحديد، يمكن أن نتلمّس تجربة ميلان كونديرا الأدبية التي امتدت لما يقرب من خمسين عامًا في ثلاث مراحل رئيسة. حيث تلوح لنا الثيمات التي تشترك فيها أعمال كل مرحلة في نسيج نصوصه بقوة وحيوية وذكاء. هناك الروايات الثلاث الكبرى، وهي في نظر كثيرٍ من النقاد، من أهم الأعمال الأدبية في القرن العشرين: كتاب الضحك والنسيان، وكائن لا تحتمل خفته، والخلود. وفي الأعمال الثلاثة يمكننا أن نشعر بكونية الأفكار الممتدة في نسيج النص وعمقها الفلسفي، إلى جانب التنقل التجريبي على مستوى الزمن بالغوص في التاريخ والعودة منه بالتوازي مع نحولة الروابط بين الأحداث، خاصة في «الخلود»، إلى جانب الحضور اللافت لفلسفة العود الأبدي لنيتشه، والتي ترتكز عليها روايته المفعمة بالقوة «كائن لا تحتمل خفته».

وقبل هذه المرحلة، لدينا ثلاث روايات تظهر فيها النكتة والحس الكوميدي بشكل بارز وهي: المزحة، والحياة في مكان آخر، وفالس الوداع؛ بالإضافة لمجموعته القصصية «غراميات مرحة». وفيها يُجسِّد كونديرا بوضوح حالة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعصر تشيكوسلوفاكيا الشيوعية. والتعامل مع الجنس كموضوع محرّم، محاولًا كسره عبر شخصياته المولعة بإغواء النساء.

وهناك مرحلة الأعمال الصغيرة المكثّفة المقتضبة (النوفيلات) والتي ظهرت في: البطء، والهوية، والجهل؛ حيث يكشف كونديرا عن ميوله الفلسفية بقدر أكبر من ذي قبل، وهي المرحلة التي سبقت صمته الروائي الذي امتد لأربعة عشر عاما قبل أن يعود من جديدة بـ«حفلة التفاهة». فأحيانا، يحاول البعض أن يكتب رواية فلسفية، أما ما فعله كونديرا حقًّا هو أنه كتب الفلسفة في هيئة روائية.

لكن، ومع كل عمل جديد لصاحب «فن الرواية»، يواجه نقدًا نسويًّا حادًّا؛ لما يُرى في أعمالها من احتقار مُتعمّد للمرأة واستغلال جنسي لها من قبل أبطاله. وهو الشيء الذي يدافع عنه دائمًا برغبته في أن يعرّي حقيقتنا أمامنا، وأنه لا سبيل آخر لذلك، إن كنا نود أن نعرف من نحن. لكن صراحة كونديرا الصارخة سواء في ثيمات أعماله الأدبية أو في آرائه الفكرية عامة، والتي لم تعجب النسويات يومًا، ربما لم تنل إعجاب لجنة جائزة نوبل، والتي يبدو أنها غير راغبة في أن تعطيه جائزتها عن عمد.

لكن ما نحتاج طرحه هو السؤال التالي: هل لا نزال حقًا في حاجة إلى قراءة التشيكي ميلان كونديرا؟ هل نحتاج، على سبيل المثال، إلى قراءة عمله الروائي المتأخر «حفلة التفاهة»؟ فلو عرفنا أنها تحمل الثيمات المترسخة في غالبية أعمال كونديرا: النظرة الجنسية الشرهة للمرأة، واللامبالاة بالحياة، والخيانات العاطفية، وسخافة المجتمع، والسخرية الحادة، سنجد أن العمل لا يحمل جديدًا حقًّا. لا تبدو حفلة التفاهة وكأنها عمل كلاسيكي لميلان كونديرا، بل أقرب لعمل أدبي كتبه رجل في مراحل متأخرة من عمره. يقول كونديرا في «حفلة التفاهة»:

«أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام، لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألا نأخذه على محمل الجد».

باستثناء هذا الاقتباس المذهل الذي ملأ مواقع التواصل الاجتماعي بعد أسابيع قليلة من ترجمة العمل، لا يبدو أن شيئًا سيعلق في ذهن القارئ سوى تأكيد جديد على خفة الحياة وتفاهتها، التأكيد على أن لا سبيل لمواجهتها سوى بألا نأخذها على محمل الجد. فالعالم يذهب إلى نهايته منذ لحظة مولده، هكذا يقول كونديرا لروث مرة أخرى في حوارهما، هكذا يرى الأشياء من حوله، مصيرها هو الفناء، ولا سبيل لإيقاف ذلك.

يقول روث في حواره مع كونديرا وكأنه يفكّر هو الآخر بصوتٍ عالٍ: «يبدو لي أن فكرة تدمير العالم تشكل خلفية كل القصص التي يضمها «كتاب الضحك والنسيان»، فيجيبه صاحب «فالس الوداع»: «إذا أخبرني شخص ما وأنا طفل أنه سيأتي يوم وأشهد فيه تلاشي بلدي من هذا العالم، كنت سأرى ذلك نوعًا من الهراء؛ شيئًا لا أستطيع حتى أن أتخيله. فالإنسان يعرف أنه كائن فانٍ، لكنه على يقين أن بلده خالدة. لكن بعد الغزو الروسي عام 1968 أصبح كل مواطن تشيكي في مواجهة رعب أن دولته قد تختفي من الخارطة الأوروبية».

لذا، ألا تبدو حفلة التفاهة بما لا تحمله من جديد وكأنها تنتمي إلى عالم قديم لم يعد بين أيدينا؟ ألا يبدو كونديرا العجوز ذو السبعة وثمانين عامًا يتدثّر في روايته بالعالم الذي ألفه؟ ألا تبدو حفلة التفاهة في أحد أوجهها نوستالجيا إلى ماضٍ لم يعد في إمكاننا لا نحن ولا كونديرا أن نعيشه أو نستعيده سوى على الورق، كالحنين إلى الراديو، السيارات القديمة، ورقصات وأزياء الستينيات والسبعينيات؟

ألا نحتاج، نحن المنهكين، إلى عملٍ روائيٍّ ينتزعنا من هنا ليضعنا في زمن آخر، يستخِفّ فيه الكاتب كما هي عادته بكل ما يحدث من حوله؛ لنحاول أن نتخفّف من حقيقة التصدّع الذي يملأ عالمنا الذي أصبح قديمًا ويوشك على الانهيار، دون أن نرى شيئًا جديدًا يمكن أن يكون بديلًا له؟ ألا يمكن أن يكون حديث كونديرا وروث عن حتمية انهيار العالم، يجلب معه حاجة ضرورية إلى تجنّب أخذ كل ما يحدث حولنا على محمل الجد؟

ربما ليس في إمكاننا أن نطلق حكمًا قاطعًا حول ديمومة الحاجة لقراءة كونديرا. لكن ربما نكون أيضًا هذه الأيام، في حاجة لإعادة قراءة أعمال هذا العجوز الساخر الذكي.

* كاتب ومترجم مصري، مهتم بالأدب المقارن والدراسات الثقافية.