«مونلايت» والأوسكار وإرضاء الجميع

الأربعاء 01 آذار 2017
من الملصق الدعائي للفيلم.

يبدو أنّ ثمّة حقيقتين لا تنفكّان تؤكّدان حضورهما مع كلّ حفلٍ للأوسكار. الأولى، أن الغالبيّة تتعامل معه كحدثٍ إعلاميّ جماهيريّ أكثر من كونه حدثًا فنيًا. فالأوسكار لا يكتشف أفلامًا جديدة بقدر ما يؤكّد أهليّة بعضها. هو ليس مهرجان كانّ أو البندقيّة، بل أقرب لأن يكون فصلًا زائدًا عن حاجة الموسم، لكنّه ضروريٌ أيضًا لقفله، وبدء صفحة عامٍ سينمائيّ جديد. والثانية، أن الأوسكار ما زال أكثر حدثٍ سينمائيّ يسيل الحبر ويغري المرء بالإدلاء بدلوه، وإن كان دلوه فارغًا أو شبه فارغ.

بمنحه جائزة أفضل فيلم لـ«Moonlight»، يعيد الأوسكار إلى الأذهان تاريخًا من الاختيارات الغريبة. فبعد «Spotlight» العام الماضي، تعود الأكاديمية القائمة على الجوائز لمنح الجائزة لفيلمٍ لا يملك، في رأيي، من المقوّمات ما يجعله أهلًا للفوز، أمام فيلمين كبيرين مثل «La La Land» أو «Manchester by The Sea». قيل الكثير حول الخطأ الذي حصل وأدى إلى إعلان «La La Land» فائزًا قبل أن تتبدّل هويّة الفيلم الفائز، إثر تدارك خلط المظاريف. لكنّها سقطة تقنيّة، قد تساعد في الحُكم على رداءة الحفل، لكن لن تستطيع محو اسم الفيلم الفائز من السجلّات.

قد تبدو الإسقاطات السياسيّة ساذجة حين تُستخدم في تفسير اختيار جائزة لعملٍ على حساب آخر. كما يستطيعُ أي كان أن يرفع بوجهك لافتة «نسبيّة الأذواق» ليبرّر أي اختيار وكلّ اختيار بالمحصّلة. لكنّ تاريخ الأوسكار حافلٌ بمثلِ هذه الاختيارات العجيبة. في العام 2013 ذهبت الجائزة لفيلم بين آفليك «Argo»، وهو أحد أفلام «البطولات الأمريكية» التقليدية حدّ السخرية، يحكي قصّة عميل لوكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) يتنكّر بصفة منتج فيلم خيال علمي، يقتحم إيران ويعيد المحتجزين في السفارة الأمريكية في طهران عام 1980 إلى أمريكا عنوة. المضحك أنّ هذا الفوز جاء على حساب أفلامٍ كبيرة، مثل «Amour» لميشائيل هانِكه (يُمكن تفهّم عدم فوزه لكونه فيلمًا نمساويًا)، أو حتّى «Django Unchained» لكوينتين تارانتينو. وقائمة الأمثلة أطول من أن يختصرها هذا المقال.

يأتي فوز «Moonlight» هذه السنة مصاحبًا لفوز دونالد ترامب بسباق الرئاسة الأمريكي، مضافًا إليه حملة «Oscar so white» التي بدأها ممثلون/مخرجون سود السنة الماضية، احتجاجًا على نيل البيض معظم جوائز الأوسكار. إن أردنا التدقيق، ووضع الأمور في سياقاتها، فإنّ فوز «Moonlight» لم يكن سوى الكرزة التي زيّنت الكعكة. حرصت الأكاديميّة على شمل ممثّل واحد للسود على الأقل في كلّ قوائمها الرئيسة. بعضها مستحقّ لا شكّ، لكنّ بعضها يشي بحالة من الذعر من تهمة العنصريّة، كما هو الحال في استبعادٍ غريب لآيمي آدامز عن دورها في فيلم «Arrival» (رشّحت عن دورها هذا لأغلب الجوائز المهمّة) لصالح أداء متوسّط لروث نيغا في «Loving».

بعيدًا عن أجواء الأوسكار، يتعامل «Moonlight» مع قضايا شائكة بخفّة أقرب للاستهتار. يحاول صادقًا أن يسأل أسئلة كبيرة: في أيّ لحظة تحديدًا تتشكّل الهويّة الجنسيّة؟ وهل يولد المرء مثليًا مثلًا، هل يختار هويّته، أم يفرضها عليه العالم الخارجي في وقتٍ لاحق؟ لكنّه يقف، تمامًا كما بدأ، عند السؤال، ولا يحاول حتّى أن ينظر أبعد من العتبات. يحكي «Moonlight»، في ثلاثة فصول، قصّة شيرون. في الفصل الأوّل، نتعرّف عليه طفلًا، حين كان يلقّب بالصغير. وفي هذا الفصل أيضًا نلحظ غياب أبيه وإدمان أمه على المخدرات. في لحظة هربٍ من بعض المتنمّرين، يتقاطع طريق شيرون بخوان، تاجر المخدّرات، ودون إعلان نفهم أنّ طريقهما لن يفترق بعد اللحظة. في الفصل الثاني، نشاهد حياة شيرون في الثانوية، وبدء علاقته العاطفيّة بصديقه كيفين. وفي الفصل الأخير، نشهد التحوّل النهائيّ لشخصيّة شيرون، إذ يبدأ هو نفسه بتجارة المخدّرات.

يحاول باري جينكينز، مخرج «Moonlight»، أن يرتفع بقصّته عن الأحكام الجاهزة، وعن التفسيرات التقليديّة لتشكّل الهويّة الجنسيّة. يسأل شيرون الصغير خوان «ما الشاذ (faggot)؟»، «الشاذ كلمة تطلق لإزعاج المثليّين»، «وهل أنا شاذ؟»، «لا. قد تكون مثليًا، لكن لا تسمح لأحدٍ بأن يناديك شاذًا»، «وكيف أعرف؟»، «ستعرف وحسب. مع مرور الوقت». وفي موضعٍ آخر، يقول خوان لشيرون «في مرحلة ما، ستقرّر لنفسك من تكون. لا يمكن لأحدٍ أن يتخذ القرار عنك». المثليّة، أو الهويّات الجنسيّة بعموميّتها، كما يبدو في تلك الحوارات، هي اكتشاف، تجربة، قرارٌ يتّخذه المرء بنفسه، ولا دخل للعالم الخارجيّ فيه.

لكن القصّة نفسها تفشل في دعم ما جاء في الحوارات السابقة. لم نفهم كيف أثّر غياب الأب، وموت «الأب البديل» خوان في الثلث الأوّل من الفيلم عن حياة شيرون. وبالدّرجة نفسها، لا يمكن إغفال الغياب المعنويّ لأمٍ تقضي وقتها في تعاطى المخدّرات. الإحساس بالمكان، وجود الآخر الذي يرى ويسمع ما يقوله شيرون، فُقد تمامًا بعد موت خوان. وحتّى تيريزا، صديقة خوان، لم تشكّل إلّا أمًا بديلة، في ما يشبه سلسلة غير منتهية من الاستبدالات الأسريّة. لم يكن في الجوار أحدٌ سوى كيفين، صديق شيرون الوحيد منذ الطفولة، الذي شعر في لحظة صفاء على البحر بعاطفة «غير منطقيّة» كما يصفها، تجاهه. فأحبّه؛ هكذا!

يقدّم جينكينز شيرون على أنّه شخصيّة مهزوزة، تنبذ العالم الخارجيّ مفضّلة الآخر الداخليّ. شيرون هشّ، لذا أراد له أن يبحث عن معادلٍ قويّ، يكسر ضعفه وانغلاقه على الخارج، فاختار له أن يصحب خوان أولًا، وأن يحبّ كيفين ثانيًا. وكلاهما يمثّلان حالة الضد لشيرون: القوّة، والقدرة على المواجهة والذود عن النفس. الأمر أشبه بعقدة أوديب مضادة، تكتفي بالتفسيرات النفسيّة، الضاربة في عمق الطفولة، أسبابًا لمآلات المستقبل. هنا لا تصير الهويّة الجنسيّة اختيارًا، بل فرضًا تمليه مسارات الطفولة. ولا أعرف كيف يمكن أن يكون هذا طرحًا جديدًا، يكسر الصورة النمطيّة عن المثليّين.

التحوّل النهائي في شخصيّة شيرون، إذ صار في نهاية الأمر تاجرًا للمخدّرات، يبدو كوميديًا، ويشبه أكثر ما يشبه تحوّل حمادة هلال في «حلم العمر» من طفلٍ تُسرق سندويشاته في المدرسة، إلى بطل العالم في الملاكمة. ثمّة استسهال في النص، وفي الأداءات الثانوية (أداء شيرون وخوان كان مميزًا)، وتناقض يعمي البصر بين جمال الصورة وتقليديّة الطرح، يجعل من «Moonlight» خيارًا غريبًا، أو مفهومًا إن تجاوزنا عن الاعتبارات الفنّيّة، ليفوز بأوسكار أفضل فيلم.

إسناد الجائزة لأيّ من «La La Land» أو «Manchester by the Sea» كان ليكون أكثر توفيقًا، خاصّة الأخير. تستمدّ أفلام كينيث لونيرغان، مخرج «Manchester by The Sea»، طاقتها بدايةً من قوّة النصّ. النفس الأدبيّ طاغٍ جدًا على أفلامه، كما أنّها أفلامٌ صداميّة، ليس بالمعنى المباشر، بل بمعنى أنّها لا تقدّم تفسيرات للمتلقّي، تقول ما عندها وتمشي. في «Margaret»، يقدّم لونيرغان شخصيّة نرجسيّة (آنّا باكوين بدور مارغريت)، تقول أشياء بالغة العنصريّة، لكنّها تتمكّن في النهاية من إجبارنا على التواطؤ معها بالصمت وتتبّع مسار الأحداث. هنا، في «Manchester by the Sea»، يقدّم لنا لونيرغان لي شاندلر (بأداء باهر من كيسي آفليك) الذي ارتكب خطأ كلّفه عائلته، ليأتي في نهاية الفيلم ويقول لطليقته التي تعتذر عمّا قالته له وقت الحادثة «لا يوجد شيء [في الداخل]» ويمشي. يقدّم فيلم لونيرغان هذا حكاية محكمة عن عمٍّ أُجبر بعد وفاة أخيه أن يرعى ابنه المراهق. إنّه حكاية عن الأشياء التي لم تُقل، والتي لا يمكن أن تقال إلّا في حالات من العنف العارم، غير المفهوم للآخرين، في النهاية. لن أتجرأ وأقول بأنّ الأكاديميّة لا تحبّذ هذا النوع من الأفلام، إذ ألغي بهذا القول خصوصيّة الفيلم وأضعه في قالب لم يدّعيه. لكنّه، بأيّ حالٍ، فيلم غريب على ذوق الأكاديميّة.

كثيرًا ما تنحو الأكاديميّة نحو الاستسهال بإرضاء الجميع، لذا لا بأس لديها في منح أوسكار أفضل نصٍّ أصليّ غير مقتبس لكينيث لونيرغان عن «Manchester by the Sea»، وأوسكار أفضل مخرج لداميِن شازيل عن «La La Land»، ليشغر أخيرًا أوسكار أفضل فيلم لـ«Moonlight».

توزعت جوائز التمثيل بالتساوي: جائزتان للبيض، ومثلهما للسود. وإن أضفنا جائزتي الإخراج (مخرج أبيض) وأفضل فيلم (مخرج أسود)، تكتمل الصورة الأكبر؛ الصورة التي تُحبّ أمريكا تصديقها عن نفسها، لتغيظ بها ترامب أولًا، ولتنفي عن نفسها اتّهامات ويل سميث وسبايك ولي وغيرهم السنة الماضية بكونها «بيضاء للغاية».