في ذكرى نجيب سرور: «ياسين وبهيّة» نموذجًا للمسرح الثوري

السبت 24 تشرين الأول 2015

لطالما سعى الشاعر والكاتب المصري نجيب سرور (1 حزيران 1932 – 24 تشرين أول 1978) في أعماله الشعرية والمسرحية إلى طرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وكانت أعماله بمثابة تسليط ضوء ونقدٍ للعلاقة بين الأفراد والمجتمع، وبين الأفراد والنظام الحاكم، واتسمت أعماله بجرأة الطرح وانتقاده اللاذع لحكم عبد الناصر، وبالثورة على الأوضاع المترديّة في مصر.

ولعل سرور هو أكثر من استطاع أن يستقرأ المستقبل من مثقفي جيله، فيبدو أن كثيرًا ممّا ألّفه،  قبل إصابته بالجنون ووفاته المبكرة، هو فعلًا ما نراه اليوم في مصر والعالم العربي.

إلا أن صيت سرور ذاع أكثر جرّاء مسرحيّاته الشعرية الست عشر التي تعرّض على إثرها للاعتقال أكثر من مرة، ومُنع بعضها من النشر أو العرض، مثل مسرحية «الذباب الأزرق» التي كتبها عقب أيلول الأسود ومنعت الرقابة عرضها، ومسرحية «النجمة أم ديل» التي مُنعت من النشر، إضافة إلى مسرحيّات أخرى ألّفها وتمّ عرضها ولكن المخطوط الأصلي ما يزال مفقودًا إلى اليوم.

أشهر أعمال سرور المسرحيّة كانت «ياسين وبهيّة» التي ألّفها في العام 1964 وأخرجها مسرحيًا كرم مطاوع في العام 1965، وبعد أربع سنوات من عرضها تم إيداعه في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسيّة قسرًا، ويُقال أن المسرحيّة آنذاك آثارت ضجة لدى الفلاحين واليساريين المصريين، فكانوا يخرجون يوميًا بعد انتهاء العرض في مظاهرات تطالب بالعدالة الاجتماعية، حتى مُنعت أخيرًا من العرض.

في مسرحية «ياسين وبهية»، أو في «الراوية الشعريّة» كما أطلق عليها سرور، يروي مأساة الفلاح المصري وصراعه مع فساد الإقطاعيين. إنها عملٌ يساري بامتياز، تجيب على الأسئلة بدلًا من أن تطرحها، وتستخدم المسرح كآداة ثوريّة مُحرّضة، تسعى إلى تأجيج الطبقات المقهورة ضد الطبقات النافذة والحاكمة لتصنع تحولًا في بنية المجتمع.

يعتمد سرور في مسرحيّته على الحكاية الشعبية التي تصوّر البطل الذي ترتبط به أحداث الحكاية كلّها «كان ياسين أجيرًا من بهوت.. جدعًا كان جدع، شاربًا من بز أمه.. من عروق الأرض.. من أرض بُهوت»، وتدور أحداث الحكاية في قرية «بُهوت» في الريف المصري، ويروي سرور في إحدى عشرة لوحة قصة حب ياسين وبهية، وعجزهما عن الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية المترديّة في القرية، ويروي أيضًا مأساة كلِّ فلاح مصري يعاني جراء الظلم والاستبداد.

تبدأ المسرحيّة على لسان راوٍ يربط الأحداث ببعضها، وينقل القارئ إلى مسرح الأحداث، محاولًا الإجابة عن تساؤل «مَن قتل ياسين»؛ ومن ثم تبدأ الحكاية عند والد ياسين الذي يضع «الباشا» يده على أرضه، فيموت قهرًا، وتتصاعد الأحداث من بعدها ليضع «الباشا» عينه على بهيّة، حبيبة ياسين، فيثور ياسين وتثور معه القريّة كلها، ليتحول الهمّ الفردي إلى همٍّ جماعي.  

يقود ياسين ثورة الفلاحين ضد الباشا، الذي يُمثّل الفساد والإقطاعيين والطبقة الحاكمة، ومن مشكلته الخاصة في الدفاع عن أرضه وشرفه ينطلق ياسين نحو الدفاع عن القرية: «الجوعُ صانعُ الوحوشْ، والناسُ في بهوتْ كانوا رقاقًا مثلما أوراقِ توتْ، وليِّنينَ كالرُّطبْ، وهادئين كالحمامْ، وطيبين مثل أرضِ مصْرْ، ورائقينَ مثلَ ماءِ النيلْ، وناعمينَ كالنسيمِ في أبريلْ، لكنّهمْ جاعوا، ومنْ عامٍ لعامْ، صاروا جميعًا كالوحوشْ، فالوحشُ ليس وحشًا قبلَ أنْ يجوعْ»، ولكن، وككل ثورة «عربيّة» يسقط البطل قتيلًا دون أن يُحقق شيئًا يُذكر.

ويوّظف سرور مشاكل المجتمع المصري في شخصية ياسين، الذي يهرب من مشاكله نحو الحشيش والكحول والهجرة، وهي الوسائل التي اعتاد هو نفسه اللجوء إليها هربًا من مواجهة الواقع. كما يوّظف سرور الأحلام كوسيلةٍ إما للهروب من الواقع إلى واقع أفضل، أو كوسيلةٍ للتعبير عن خوفهم من الواقع الحالي وتنبؤهم بالمستقبل:

وعلى الرغم من أن الحكاية الشعبية التي يرويها سرور تبدو تقليدية، إلا أنها في واقع الحال تحمل في طيّاتها بُعدًا مختلفًا وأكثر عمقًا عن معظم الحكايات الشعبية في ذلك الوقت، إذ أن الخطاب السياسي فيها عالٍ، وتحتمل تأويلاتٍ تدفع الجموع إلى التواصل معها والاندماج فيها، إذ يحاول سرور أن يتحدث بشكل سلسٍ وبسيط عن مبادئ العدالة الاجتماعية وتوزيع المُلكيّة والصراع الطبقي، ويحاول أن يُحفز فكرة أن الطبقة المضطهدة هي الوحيدة القادرة على الثورة والتغيير: «لما كان آدم وحوا م السما نازلين يدوبك بالعيال، قول وبعيال العيال، يا ترى كان فيه ساعتها بيه وباشا؟، قول ساعتها الأرض كانت ملك مين، والمواشي ملك مين، يا ترى كان مين بيزرع، مين بيجمع، مين بيقلع، مين بيصحى من أدان الفجر يشقى للي نعسان للضحى؟!».

أما اللغة التي ينتهجها سرور فتراوح بين العاميّة والفصحى، سواءً كان في السرد أم في الشعر. ويعتني سرور بوصف أبطال مسرحيّته، فـ ياسين كان : «كانَ مثلَ الخبزِ .. أسمرْ، فارعَ العودِ كنخلهْ، وعريضَ المنكبيْنْ، كالجملْ، ولهُ جبهةُ مهْرٍ لمْ يُروَّضْ، ولهُ شاربُ سبْعْ يقفُ الصَّقْرُ عليْهْ، غابةٌ تفرشُ صدرَهْ تُشبهُ السَّنْطَ الذي يحرسُ غيْطًا»، أما بهيّة: «لم يكنْ بين الصّبايا في بهوت مثلها .. مثل بهيّهْ، فهْيَ كالتّينةِ في الغُصْنِ طريّهْ، ونديّهْ، وشهيّهْ. حارّةً كانت بهيّهْ وحييّهْ».

تُصادف اليوم الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة نجيب سرور، ورغم كل هذه السنوات لم تنل أعمال سرو حقها من حيث النقد والانتشار، ولعل ظروف حياته بين الغربة والسجن والمستشفى والجنون، ومن ثم وفاته باكرًا، وحقيقة أن أعماله ظلّت ممنوعة من النشر أو التداول حتى فترة طويلة، كانت كلّها أسباب ساهمت في خفوت نجمه وضياع جزء كبير من أعماله.