الوجودية في أدب نيكوس كازنتزاكس

الثلاثاء 12 كانون الأول 2017

ما الذي يصلح لجعله قانونا تتبعه المجتمعات البشرية؟ تمحورت المنظومات التي تحكم المجتمعات حول ثلاثة أسس:

الأول: وجود إله للكون أنزل قوانينه جميعها الطبيعية والبشرية حتمية ومكتملة يجب علينا اتباعها. أما الثاني: وجود نظرية اجتماعية بقوانين وضعية تفسر مادة الكون وتفهمها وتحاول السيطرة عليها وتضع دساتير للعنصر البشري يحتكم إليها. والثالث: منظومة الذات الفردية التي تتكون من عقل وشعور وتتبعهما في تفسير المادة والظواهر، وتحتكم إلى ذاتها في الحكم فيما يخص العنصر البشري.

سيقتصر هذا المقال على طرح إشكالية العنصر البشري دون التطرق لمشكلة فهم الظواهر الطبيعية، كما قدمها الكاتب نيكوس كازنتزاكس 1883-1957.

نيكوس كازنتزاكس كاتب يوناني الأصل، ولد في جزيرة كريت، وهو شاعر ملحمي، وأديب روائي أبدع في مجال أدب الرحلات، واعتمد كثيرًا في أعماله على الأساطير القديمة التي صاغها بأسلوبه الخاص. درس الحقوق في جامعة أثينا، ثم تتلمذ في الفلسفة على يد برغسون في باريس. نشر أعماله الأولى في اليونان، ثم بدأ الترحال فذهب إلى إنجلترا، وإسبانيا، وروسيا، ومصر، وغيرها، ووثّق هذه الرحلات في إنتاجات أدبية متميزة.

انخرط في الحياة السياسية عام 1946، وعيّن رئيسًا للمجلس الأعلى للجزب الاشتراكي، وبعدها وزيرًا، ثم استقال لاستكمال عمله الأدبي. أدار مكتبًا تابعًا لليونسكو لترجمة الكلاسيكيات الإنسانية، ثم انتقل للآنتيب وعاش فيها حتى وفاته.

خاض نيكوس كازنتزاكس في المنظومات الثلاث سالفة الذكر في ثلاث روايات أفرد كل واحدة منها لبحث إحداها، وهي «الإغواء الأخير للمسيح»، «المسيح يصلب من جديد»، «زوربا».

الإغواء الأخير للمسيح

الإغواء الأخير للمسيح تمثّل علاقة العنصر البشري مع الإله، وهي علاقة عمودية تحتم على الإنسان أن يلجأ في فهمه للكون وما فيه، وفي تفاعل بعضه مع بعض، إلى قوانين مُنزلة. هذه العلاقة العمودية تجعل الخير والشر مرتبطًا بأوامر الإله ذاته التي يبلّغها للعنصر الأدنى وهو البشري عبر الرسائل الخاصة التي يصطفي لمهمة نقلها إنسانًا بعينه هو النبي أو الرسول. بعد تبليغ الرسالة يكون المؤمنون بها ملزمين بقوانينها، فالتعامل مع الآخر مبني على ما هو خير وما هو شر تبعًا لهذه الرسالة. وكازنتزاكس يذهب إلى الأقصى، حينما يختار الرسول نفسه لدراسة هذه المنظومة، فيجعل المسيح بطلًا لروايته، ولا يقص سيرة المسيح كما هي، بل يقصّها من منظورٍ آخر تمامًا. يقصها من منظور المسيح نفسه في محاولة لفهم الحالة الأولى للإيمان، الإنسان الذي آمن وامتثل تمامًا لأنه رأى الحقيقة بنفسه، فلا يترك مجالًا للتشكيك بصحة الرسالة أولًا، وثانيًا يخوض في إشكالية التواصل العمودي بين «إله» و«إنسان» ليختبر حالة الصراع بين النفس البشرية الضعيفة بطبيعتها لعدم امتلاكها للمعرفة الكاملة ولكنها في ذات الوقت تنزع لذاتها ولا تكترث بجهلها، مصرّة على أحقيتها في التجربة والحكم، وبين استسلام هذه النفس التي لا تستطيع التخلص منه أمام الحقيقة المطلقة المقدمة له. يبدأ الكاتب روايته بمشهد النجّار الذي يصنع الصلبان، ليجعله المسيح بذاته. ويروي كيف أن النبي يرى أن إيمانه ثقيلٌ، ويحاول قدر الإمكان الهروب منه لإدراكه مدى صعوبة تحقيق الإرادة الإلهية على الأرض، فيفضل بداية أن يهرب إلى المعسكر الآخر وهو معسكر الشر، فيقبل أن يصنع صلبانًا لصالح الاحتلال الروماني آنذاك، يُصلب عليها الثوار ومدّعو النبوة، يعتقد بهذا أنه يفعل خطيئة لا يسامحه عليها الرب فلا يحمّله رسالته، فلم يفلح بذلك، ظل يرى طيف الوحي حوله في كل مكان يستعد لتبليغه كلمة الرب، ثم يحاول الهرب من قريته فيذهب إلى قرية بعيدة جدًا سيرًا على الأقدام، وفي نيته الاعتكاف في الدير. وهناك يدرك أن لا مفر، فيذعن إلى استلام الرسالة ونقلها، وبعد إذعانه إلى كلمة الرب وحمله لها، يصطدم بالنفس البشرية التي تتلقى هذه الرسالة عنه. ويقدم الكاتب هنا رؤية عامة للمجتمع بينما يضع تركيزه على من آمنوا معه خاصة الحواريين، تلامذة المسيح، ليكشف عن النفس الإنسانية وكيف أنها مهما آمنت وعملت فإن الاختبار الأهم هو مواجهة هذه النفس لذاتها حين يشعر الإنسان بالخوف، والضعف، والقوة. ويروي كيف أن الإنسان مهما حاول فلن يتخلص من طبيعته الأولى التي وُجدت فيه، ويبين ذلك حينما يتخلى أحد التلاميذ (يوحنا) عن معلّمه خوفًا، وآخر يغدر به غيرة وحسدًا (يهوذا الاسخريوطي).

المسيح يصلب من جديد

أما في رواية المسيح يصلب من جديد، فيقفزالكاتب ليصل إلى زمن بعيد لم ير البشر فيه المسيح، ولكنهم آمنوا به بعد أن تم تناقل الرسالة. وفي نفس الفترة الزمنية يعرض ظهور أيدولوجيات وضعية ترفض الرسالة المنقولة كما وصلت، وتحل محلها رسالة أخرى تتكلم عن العدل والمساواة والحرية، وتتكلم عن علاقة أفقية بين الإنسان والإنسان، يتم تبعًا لها تحديد ما هو خير وما هو شر. تعرض الرواية سيرة لشاب صغير تم اختياره لتمثيل دور المسيح في مسرحية دينية، من قبل الكنيسة، لينقلب هذا الشاب فيما بعد إلى المناداة بأفكار الشيوعية على أنها رسالة المسيح. هذا الشاب يوحّد المعاني الخاصة في القيم «الحرية، العدالة، المساواة» بين الشيوعية والمسيحية، ويضفي عليها الصبغة القدسية، لتصبح الأيدولوجية الوضعية من حيث هي منظومة قيميّة من الأساس رسالة مقدسة. في الرواية يكون الشاب شابًّا لطيفا يعمل في رعي الأغنام يقضي معظم وقته في الجبل، مؤدبًا تبعًا لما يجب أن يكون عليه فتى راع مع علية القوم من الأغنياء والوجهاء. بعد اختيار هذا الشاب للعب دور المسيح في مسرحية دينية نظرًا للتشابه الشكلي بينه وبين المسيح كما هو في الأيقونات، وتشابه طباعه الشخصية مع طباع المسيح كما تُروى في سيرته؛ زاهد لطيف متسامح. يتنبه الشاب الصغير إلى حجم الاختلاف بين سيرة المسيح وممثلي كلمته في الكنيسة من قساوسة ووجهاء، حيث أنه كان بعيدًا عنهم يقضي معظم وقته في الجبل، ولا ينزل إلى القرية إلا في قدّاس يوم الأحد، بينما أثناء التدريب على المسرحية عاش بينهم واطلع على أفعالهم، وفي ذات الوقت اطلع على سيرة المسيح. إلى أن تصل الرواية إلى لحظة الذروة عندما يأتي القرية أناس مهجّرون من قرية أخرى جياعًا وعطشى، فيكون رد وجهاء القرية وقساوستها على هذا الحدث، التخلي عن هؤلاء الجياع خوفًا من مشاركتهم أراضيهم ورزقهم، مما يجعل هؤلاء المهجرين يلجأون إلى الكهوف في الجبال المحيطة، ويتحصّلون على قوتهم عبر الصدقات القليلة التي تصلهم أو من سرقة الطعام ليلًا.

في هذه الأثناء ينضم إليهم الشاب ويساعدهم، وحينما يرى أن هذه الطرق ليست حلًا، ولا تكفيهم قوت يومهم، حتى مات بعضهم من الجوع، ينادي معهم بثورة على الأغنياء يطالبون فيها بالمشاركة في العمل في الأراضي الزراعية مما يمكنهم من تأمين احتياجاتهم، حتى تنقلب الأمور إلى حرب بين الطرفين. هنا يبدأ طرح الفكر الشيوعي، ويناقش الكاتب الأفكار الشيوعية، وكيف تتم ترجمتها في عقول البشر، من خلال شخصيات الرواية باختلاف نفوسهم. فيبين وجهة نظر الأغنياء والوجهاء، ويركز على بيان ردود فعل الناس البسطاء، وكيف تحتكم ردود الفعل هذه لنفس كل منهم، من خلال الأدوار التي لعبوها في المسرحية الدينية، فيكون بانايوتي آكل الجبس، الذي مثل دور يهوذا هو الجاسوس الذي يحسد مانولي، الذي لعب دور المسيح، لأنه لعب دور المسيح!

زوربا

ثم جاء دور زوربا. زوربا التي تبتعد عن المنظومات، وتُعاملها وكأنها موسيقى تصويرية للحياة، مكانها خلفية الصورة. ويصنع المؤلّف بطلين هما العقل والفعل؛ أحدهما يكون كاتبًا مثقفًا، والآخر رجلًا عاملًا اسمه زوربا. الكاتب هو العقل وزوربا هو الفعل. الكاتب الذي يستمد قوانينه من ذاته التي هذبها بالعلم والمعرفة والفكر طوال عمره، وزروبا الذي لا يتبع إلا انفعال اللحظة بذاتها. فتمثّل الشخوص الرئيسية في هذه الرواية المنظومة الإنسانية للفرد بوصفه فردًا، فكل إنسان هو عقل وشعور، فكر وانفعال، لكن في التاريخ الفلسفي تم الفصل بينهما منذ أفلاطون حتى كانط. ويصوّر كازنتزاكس الصداقة الفريدة التي قامت بين الكاتب وزوربا، والشوق الذي نظر فيه كل منهما للآخر، التداخلات بينهما والمفارقات، على أنهما لم يختلفا يومًا، بل كان لكل منهما دوره الذي لا يكتمل إلا بوجود دور الآخر، ولم يحتكم أي منهما إلى دين أو دستور، بل كانا يكملان بعضهما دون العودة إلى مرجعية يستقيان منها المفاهيم والأحكام، فكان الكاتب يفكر ويحلل فيختار ويحكم ويتصرف، وكان زوربا يتصرف تبعًا لما تمليه عليه اللحظة.

في هذه الروايات الثلاث وضَعَنا كازنتزاكس أمام ثلاث منظومات محكمة البناء، لكل منها قوانينها التي تتبعها بصرامة، منظومة تتبع قوانين الإله وتمتثل لها. منظومة تتبع قوانين تم الاتفاق عليها، تبعًا للظرف المعيشي المجتمعي. منظومة الذات وقدرتها على استخراج طريقة تضمن لها البقاء بذاتها دون الحاجة لقوانين تحكمها.

الإشكالية التي يطرحها كازنتزاكس في هذه الروايات الثلاث، ليست ما هي المنظومة الأفضل التي يجب اتباعها، أو التي تصلح لتبنيها بوصفها نظامًا مجتمعيًا، فهو في الروايات الثلاث يثبت أن كل منظومة بعينها صحيحة من حيث المبدأ، تصلح لأن تجعل أي مجتمع خيّرًا ومنسجمًا، في حال اتبع منظومته كما هي بأسسها. إنما الإشكالية في الروايات الثلاث هي: مشكلة النفس البشرية بذاتها، وكيف أنها هي من تحكم كيف يتلقى الإنسان قوانين منظومته وأسسها، وكيف يطبقها، ويلتزم بها. فنرى المسيح وتلاميذه في الإغواء الأخير للمسيح، والذين تلقوا الرسالة من الإله مباشرة يخضع كل منهم لنفسه وما فيها، ويترجم كل شيء تبعًا لنفسه كما تتلقى الرسالة، ويتجلّى هذا الطرح في شخصية يهوذا الإسخريوطي، ويوحنا. ونرى هذا الاتباع للرسالة السماوية في المجتمع ككل، ومن منظور كل شخص فيه، ثم نرى ذات التجلي في المسيح يصلب من جديد، في شخصية الشاب الصغير الذي أوكلوا له دور المسيح والشاب الذي أوكلوا إليه تمثيل دور يهوذا وشخصية القس القائم على الكنيسة. بينما يأتي التجلي الأكبر في زوربا في شخصية زوربا نفسها، الشخصية المتجرّدة من كل المنظومات والتي تتبع شعورها المحض، وتعتمد على عقلها فقط في تدبير الأمور التي يلزمها وقت كي تتم، وحتى في هذه الأمور تكون الشخصية حيوية لا تطيق الانتظار والامتثال، حتى لعامل الزمن. والكاتب يساعده زوربا على التأني ويفكر عنه.

هذه الإشكالية تطرح سؤالًا، هل هناك طبيعة للنفس تحكم كل ما فينا؟ طبيعة لا يمكن تهذيبها أو تشويهها مهما فعلنا، وإنما سيرنا في الحياة مرتهن لها، وبالتالي أيا كان ما نتبعه أو نؤمن به، أو قررنا أنه الخير ففي الحقيقة هو ليس الشيء نفسه بل هو ما نحب أن نحوله إليه، بما في ذلك الإيمان ذاته، ولو وصلنا مباشرة دون رسل. هل نحن مقسمون لنفسيات خيّرة بذاتها، وأخرى شريرة بذاتها، وأخرى غير فاعلة؟ وتبعًا لنوعية النفس وطبيعتها، نرى كل شيء ونفسر كل شيء؟

بناء على هذا الطرح يقدم كازنتزاكس النفس البشرية في مقابل المنظومات الثلاث الإلهية والوضعية والذاتية الفردانية، ويناقش أنه لا فرق بين أن تكون مؤمنًا أو غير مؤمن، مؤدلجًا أو غير مؤدلج، أو فردانيا ذاتيًا، بالنهاية ستتفاعل مع العالم انطلاقًا من نفسك وطبيعتها ونظرتك أنت لكل شيء، فأنت تسوغ ما تريده نفسك، كما تريده، باستخدام أي منظومة تتبناها. أنت وجودي بالفطرة، تحكمك منظومتك الخاصة ولو كنت في مواجهة أي منظومة مهما عظمت. ولو كنت جزءًا منها حتى، أو مؤسسها، أنت فقط ترى ما فيها، وتترجمه، تبعًا لرؤيتك الذاتية وفهمك الخاص. وإن وضعت في مواجهة مباشرة مع أي من قضاياها وكنت ملزمًا بالإقرار بصحته فإنك إمّا أن تقبل أن تكون مخطئًا وتعتبر نفسك مذنبًا، وهذا مخرج أخير في حال لم تستطع الالتفاف حول القضية بما يناسب فهمك ونفسك وإرادتك، أو تتخلى عن المنظومة ككل.

لم ينصّ كازنتزاكس في رواياته بشكل مباشر على وجودية الإنسان، لكنّه قدم الإنسان في مواجهة المنظومات، ووضّح أن الحد الفاصل هو المصلحة؛ ليفرق بين من سيختار مصلحته، ومن سيختار القيمة التي يؤمن بها. وأقرّ أن المرجعية الأولى والأخيرة هي نفس الإنسان ذاته، وهي التي تشكل «نظرية المعرفة» بالنسبة للبشر. الإنسان يرى كل شيء يخص العلوم الإنسانية انطلاقًا من ذاته هو.