إعاقة تاريخ شبه الجزيرة العربيّة

الأربعاء 10 تشرين الأول 2018
صورة الغلاف، بعدسة عمار الشقيري

كُتب الكثير من قبل عن تاريخ شبه الجزيرة العربيّة، وآثارها، منذ العصر الحجريّ وحتى ما قبل الإسلام، ولعلّ آخر ما كُتبَ في هذين الموضوعين كتاب تاريخ شبه الجزيرة العربيّة وآثارها قبل الإسلام، للأكاديميّ الأردنيّ، ورئيس جامعة اليرموك الأردنية، زيدان عبد الكافي كفافي.

جاء الكتاب بمعلوماتٍ جديدةٍ، و أغفل جوانب أخرى. وفي هذا المقال عرضٌ لما جاء في الكتاب، وقراءةٌ في منهجيّة كتابته، وكيفية تناول كفافي هذا الموضوع.

تنصّ نظريّة الخروج من إفريقيا على ما يلي: أصلُ الوجود البشريّ على الأرض كان في قارّة إفريقيا، ومن إفريقيا خرج الإنسان إلى العالم قبل مئات الآلاف من السنين. أحد الدروب المُحتملة التي سلكها هذا الإنسان، بحسب النظرية، كان عبر باب المندب، ثم أخذ هذا الإنسان طريقه عبر شبه الجزيرة العربيّة، ومن ثم إلى بقيّة العالم.

على أساس هذه النظرية، ظهرت دراساتٌ حديثةٌ لتكتب تاريخًا جديدًا للعالم، مُسلطةً الضوء على ما كان يُعتقد أنَّها شعوبٌ بلا تاريخ، بعدما كان «ومنذ سنوات فقط، تاريخُ العالمِ عمومًا، يُعادل تاريخَ الغرب».[1]

لماذا تاريخ ما قبل الإسلام؟

يحمل كتاب كفافي عنوان «تاريخ شبه الجزيرة العربية وآثارها قبل الإسلام». وكما يُوحي العنوان، جاء الكتاب في قسمين: تاريخ شبه الجزيرة العربيّة في قسم، وآثار شبه الجزيرة العربيّة في قسم أخر.

يقدّم الكتاب تاريخ شبه الجزيرة العربية وأثارها على امتداد عشرات الآلاف من السنين، وبالتالي لا يصح، من وجهة نظري، أن يحمل عنوان تاريخ ما قبل الإسلام. إذ تشير هذه التسمية في العادة إلى تاريخ أكثر قصرًا وأكثر اقترابًا من تاريخ ظهور الإسلام.

في نهاية الكتاب، يقول كفافي عن الفترة التي تناولها: «حاولنا أن نقدم في هذا الكتاب صورة شاملة حول الجزيرة العربية في الفترة الواقعة بين القرن الرابع قبل الميلاد وحتّى دخول أهلها في الإسلام في القرن السابع الميلادي»[2]. لكن بعد قراءة الكتاب سنجد أنَّ التاريخ الذي تناوله الكتاب كان منذ عصور ما قبل التاريخ وليس القرن الرابع قبل الميلاد.

مصادر الكتاب

قدَّم كفافي في الفصول بين الثاني والرابع خارطةً للمصادر التي يعتمدها الباحث لدراسة تاريخ شبه الجزيرة العربيّة ما قبل الإسلام. شملت هذه المصادر: النقوش، والمصادر الدينيّة، والشعر الجاهلي، وأخيرًا، الكتابات الكلاسيكيّة.

اعتبر كفافي الكتابات الكلاسيكيّة من أفضل المصادر، مثل كتابات الرحالة والمستكشفين والمؤرخين اليونان والرومان، فاستعرض اهتمام الباحثين الغربيين بآثار شبه الجزيرة العربيّة، منذ الرحالة الأوربيون في القرن السادس عشر (1500-1505). كالإيطالي لودفيكو دي فارتما. والبعثات الاستكشافية مثل رحلة الدانماركي كارستن نيبور 1762 الذي «استخدمت خرائطه أساسًا لكل الأبحاث الجغرافيّة في الفترات اللاحقة لزيارته».[3] وحصرَ عدد البعثات التي جاءت لجمع «النقوش العربية الجنوبيّة، وهي سبع رحلات سيّرتها أكاديمية العلوم القيصريّة النمساوية في فينّا خلال المدة 1897-1900».

يخلصُ كفافي بعد تقديمه لخارطة الحملات والرحلات الفردية والجماعية لاستشكاف شبه الجزيرة العربية (منطقة أواسط وشمال غربيّ الجزيرة، وجنوب غربيّ الجزيرة) إلى ما يلي: «رحلات القرنين السادس عشر والسابع عشر ذات طابعٍ فرديّ، أمَّا الرحلات التي بعدها، فكانت ذات طابعٍ دينيٍّ تبشيريٍّ، أو عسكريّ، أو سياسيّ، أو حتى لأغراض علميّةٍ بحتة».

الخلاصة النهائيّة التي يتوصّل لها هي أن رحلات: «الذين زاروا الجزيرة العربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وما قبلهما، أخذت طابع الوصف، والقائمون عليها كانوا أقرب للمغامرين منهم إلى العلماء، لكنَّ هذه التقارير لا تزال تُعدُّ مصدرًا مهمًّا من مصادر دراسة آثار الجزيرة العربية وتاريخها».

ظهر اسم جواد عليّ في كتاب كفافيّ كأحد أكثر المراجع التي استعان به في الجانب التاريخيّ من الكتاب، خاصةً الفصول من الثاني حتّى الرابع، التي تناولت جغرافية الجزيرة العربيّة ومصادر دراسة تاريخها ومن كتب ونقّب فيها، لكن المفارقة كانت أنَّ كفافي يصف جواد علي علي أنَّه مُجرد مبّوبٍ وجامعٍ للمعلومات، فيقول: «على الرغم من الجهد الواضح الذي بذله هؤلاء، فإنَّ بعضًا منها جاء إمّا ترجمة أو إعادة لنشر المعلومات التي نشرها الآخرون، وفي حالة ما إذا كان تأليفًا فإنه لم يخرج عن جمع المعلومات المنشورة وإعادة صياغتها وترتيبها، وفي كل الأحوال اعتمدت مثل هذه الدراسات على النقوش والكتابات التاريخية وما نشره الجغرافيون والمؤرخون اليونان والروم، والنصوص الدينية خاصة التوراتية. ونعطي مثالًا على هذا النوع من الإصدارات التي اعتمدت الجمع والتبويب كتاب جواد علي (تاريخ العرب قبل الإسلام)».

التاريخ دون العلوم الأخرى

قدم كفافي تاريخ الجزيرة العربية منذ عصر ما قبل التاريخ. وأفلت بهذه الفصول من حصار التاريخ العربيّ المأخوذ عن الكتابات والنقوش، والذي تناول كثيرًا تاريخ شبه الجزيرة العربيّة قبل مئات السنين من مجيء الإسلام فقط.

الوجود الإنسانيّ لم ينقطع في السعودية منذ دخلها الإنسان المُنتصب جالبًا معه أدوات صيده في العصر الحجري القديم الأسفل وحتى هذه الأيّام.

في الفصول، من الخامس إلى الحادي عشر، قدم الكتاب الكثير من المعلومات عن تاريخ شبه الجزيرة العربيّة في فترات ما قبل التاريخ، أو العصر الحجريّ، بالاعتماد على المسوحات والتنقيبات والآثار، وجاءت هذه المعلومات تسلسلًا، من القديم إلى الأحدث. لكن، جاء تاريخ شبه الجزيرة العربيّة القديم مُقسّمًا، كل دولة على حدة؛ السعودية، اليمن، عُمان، الإمارات، قطر، البحرين، الكويت. ولم يُقدّم كفافي تعليلًا لهذه التقسيمات، مع أنَّه يقول في المقدمة، أنَّ تقسيم بعض الباحثين في علم الآثار لشبه الجزيرة العربيّة جغرافيًا مثل (غربي الجزيرة العربية، شمال شرقي الجزيرة العربية) لا يُقبل تاريخيًا، لكنه يمعن في التقسيم أكثر، ويتناول ليس تقسيمات جغرافية فقط، وإنما سياسيّةٍ حديثةٍ.

في هذه الفصول يسرد كفافي حكاية مرور الإنسان عبر الجزيرة العربية، ويُدّعمُ بحثه بالمسوحات ونتائج التنقيبات الأثرية، وبعد تفصيلات سيصل إلى نتيجة مفادها أن الوجود الإنسانيّ لم ينقطع في السعودية منذ دخلها الإنسان المُنتصب جالبًا معه أدوات صيده في العصر الحجري القديم الأسفل (lower palaeolithic)، وحتى هذه الأيّام.

تقول النظرية: خرج الإنسان المُنتصب (Homo- erectus) من صدع إفريقيا العظيم عبر نهر إثيوبيا إلى ثلاث مسارات محتملة، وعلى مراحل مختلفة: إلى شمال إفريقيا وانعطف عبر سيناء إلى فلسطين، أو إلى شمال إفريقيا وعبر البحر إلى أوروبا عبر مضيق جبل طارق، أو إلى الشرق وعبر مضيق باب المندب إلى شبه الجزيرة العربيّة.

اقتصرت مراجع وتناول كفافي لتاريخ شبه الجزيرة العربية القديم على الآثار والمسوحات، وعلى قليل من الأنثروبولوجيا، في حين تتجه الكثير من الدراسات الأثريّة لهكذا فتراتٍ زمنيةٍ نحو الاستفادة من حقول علمية مختلفة من بينها؛ علم الأحياء التطوريّ، علم الطبيعة، علم الوراثة، الجينات، الأنثروبولوجيا، الطقس، وحتى الدراسات اللغوية. هذا الاقتصار على الآثار والمسوحات يجعل من المعالجة التاريخية ناقصة، وعاجزة عن تحقيق اكتشافات كانت ستتحقق لو تمت الاستعانة بعلوم إضافية. هذا الاقتصار على الآثار والمسوحات يجعل من دراسة تاريخ شبه الجزيرة العربيّة ناقصًا، وعاجزًا عن الإلمام بجوانب أخرى كانت ستتحقق لو استعان كفافي بحقولٍ أخرى يُقدمّ مثلًا عالم الأنثروبولوجيا إيان تاتيرسول (Ian Tattersall) ربطًا[4] بين التطوّر التشريحيّ لشكل الإنسان في مراحل سابقة على الإنسان المُنتصب، ودور هذا التطور التشريحيّ للجمجمة وشكل قوائمه، في انتقاله من تسلّق الأشجار إلى الابتعاد عن موطنه وخروجه من إفريقيا، وتأقلمه مع ظروف المناخ في المناطق المُهاجَرُ إليها.

العودة بعد التقسيم

عاود كفافي تناول تاريخ شبه الجزيرة العربيّة ككلٍّ، بعدما تناولها حسب تقسيم الدول. واستعرض التجارة فيها منذ قدوم الإنسان المُنتصب، معتمدًا على ما وجده الآثاريّون من أدوات صوّانيّة في اليمن والسعودية. ثم انتقل إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتتبعَ حركة بعض البضائع الشامية في الجزيرة، والعكس: «وُجد في بعض مواقع بلاد الشام أوانٍ للأكل، والطبخ، مصنوعةٌ من الحجر الصابونيّ الذي توجد محاجره جنوب غربيّ مدينة الرياض»[5]. بحثَ في التجارة بين شرقيّ شبه الجزيرة العربيّة مع بلاد الرافدين، وأواسط آسيا في الألف السادس قبل الميلاد، بناءً على كِسر فخاريّة استخدمت عند سكان عُمان والإمارات والكويت، ومصدرها بلاد الرافدين. ثم تناول التجارة بين شرقيّ الجزيرة و شبه القارة الهنديةيظهر في هذا الفصل متابعة كفافي لنتائج الحفريات الجديدة التي أظهرت علاقات تجاريّة بين مصر زمن رمسيس الثالث، وبعض المناطق في شبه الجزيرة العربيّة مثل السعودية (تيماء).

ثم ينتقل إلى فصل خاص بالديانات. يبدأ بنفي الاعتقاد السائد، والقائل: إنَّ جميع سكّان شبه الجزيرة العربية كانوا وثنيين. عارضًا معلومات مختصرة عن الديانات التي كانت قبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية؛ الحنفية، الوثنية، اليهودية، النصرانية، المجوسيّة.

التاريخ الذي يحدده كفافي لبداية أوّل ديانة توحيدية في شبه الجزيرة العربيّة هو القرن الرابع الميلاديّ، حيث أتت وكان: «الناس في جنوب غربيّ شبه الجزيرة العربيّة حتى القرن الرابع الميلادي وثنيين بالكامل»[6] لكنه ينوّه إلى الرأي الآخر الذي ينسبه لبعض المؤرخين والقائل: إنَّ عقيدة التوحيد هي الأساس، والوثنية طارئة.

لا يقدم هذا الفصل الكثير، ولا يبدو علي كفافي الاهتمام كثيرًا بالدراسات التي تناولت فكرة التوحيد والوثنيّة. فصّلت مثلًا الدراسات النفسيّة، واللغوية، والميثيولوجيّة أوضاع ديانات العرب قبل الإسلام، وربّما قدّمت في كثير من الأحيان روايات مغايرة، ومختلفة تمامًا عن التي قدّمها المؤرخون الذين تحصَّنوا داخل التخصص. نكتفي هنا برأي الباحث التونسيّ الساسي بن محمَّد الضيفاوي الذي اعتمد على أطروحات ديفيد هيوم، وماكس مولر، ومن جاء بعدهم، ويقول: «إنَّ فكرة التوحيد فكرة أصيلة، أو قد تكون فطريّة في البشريّة. هذه الفكرة تبناها بروكلمان الذي اعتقد أنَّ مفهوم التوحيد عند العرب القدماء قد تطوّر مع الزمن (…) وتمخَّض عن التطور التاريخيّ للفكر البشريّ البدئيّ»[7]. لكن كفافي هنا، لا يذكر من كل ذلك، غير آية من القرآن ليدلل بها على رأيّ الطرف الآخر: «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنَّ: الله فأنى يؤفكون».

قدَّم الكتاب في الفصول الأخيرة خارطةً للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة في شبه الجزيرة العربيّة منذ آلاف السنين. استعرض الفنون فيها من نقوش ومنحوتات، وتأثر هذه الفنون بالحضارات الرومانيّة والفارسيّة. ولم يُغفل جانب الحياة الاجتماعيّة داخل الأسرة من طلاق وزواج وميراث.
في الجانب السياسيّ قدّم كفافيّ، نظريات في العلاقات التي حكمت التحالفات السياسيّة في شبه الجزيرة العربيّة، وتأثير هذه التحالفات على الثقافة، مثل مُجاورة قاطني شبه الجزيرة العربيّة لليهود، وعلاقات الممالك التي نشأت في شبه الجزيرة العربيّة وصراعاتها مع الحضارات المُجاورة.

ختامًا، يعاب على الكتاب إيراده معلومات مُتضاربة في بعض الأحيان، من بينها المعلومات التي ذكرها حول العثور على بقايا بشريّةٍ من العصور القديمة في شبه الجزيرة العربيّة؛ إذ يذكر أنَّ «بقايا الإنسان وجدت على أرضها منذ العصور الحجريّة القديمة»[8]، ثم يُعاود القول: «إنَّ بقايا عظميّة بشريّة لهذا الإنسان لم يتم [العثور] عليها حتّى الآن».[9] لكن، في الوقت نفسه، يحسب للكاتب تقديمه معلوماتٍ جديدةٍ فيما يتعلّق بآثار شبه الجزيرة العربيّة معتمدًا على نتائج الآثار والمسوحات الأثريّة، فيما احتوت بعض الفصول على معلومات قديمةٍ ترجع إلى ربع قرن تقريبًا.

يُمكن لكتاب كفافي هذا، إلى جوار كتب أخرى تتناول تاريخ شبه الجزيرة العربيّة أن يُغيّر المفهوم القديم عن هذه المنطقة والتي تدّعي أن تاريخًا قديمًا لم يُوجد يومًا فيها، أو أنَّ حضارات تمتدُّ لآلاف السنين لم تنشأ على أرضها.

  •  المصادر

    1- العالم من البدايات حتّى 4000 قبل الميلاد – إيان تاتيرسول- ترجمة حازم النهار- كلمة 2011- ص 8

    2- الكتاب ص579

    3- الكتاب ص69

    4- كتاب العالم من البدايات حتى 4000 قبل الميلاد – فصل ظهور الجنس البشري من ص 95- 118

    5- الكتاب ص 408

    6- الكتاب ص 451

    7- ميثيولوجيا آله العرب قبل الإسلام الساسي بن محمَّد الضيفاوي مؤمنون بلا حدود والمركز الثقافي العربيّ ص 146 ط 1 2014

    8- الكتاب ص 79

    9- الكتاب ص 120. بعد صدور الكتاب أُعلن في السعودية العثور على بقايا عظام بشريّة تعود لـ 90 ألف سنة مضت في بلدة تيماء.