صول

كيف اكتشفنا موسيقى الباروك

الأربعاء 25 تموز 2018

حتى خمسينيات القرن الماضي، ظل غالبية الموسيقيين الكلاسيكيين عالقين في فقاعة زمنية تحصرهم بين أواخر القرن التاسع عشر وأواسط القرن الثامن عشر، وبدا وكأن هوّة مظلمة ابتلعت كل ما كتب من الموسيقى قبل ذلك. كان ذلك حال عصر «الباروك»، كلمة تعني في الأصل اللؤلؤة غير المنتظمة، أطلقت على النزعات الفنية الجديدة التي ولدت في إيطاليا حوالي العام 1600، قبل أن تجتاح باقي أوروبا حتى منتصف القرن الثامن عشر.

خلال قرون، احتفظت العمارة والنحت والفنون البصرية الباروكية ببريقها، بعكس موسيقى الباروك، التي دخلت غيبوبتها المطولة وتحولت إلى فزّاعة غير مفهومة يشجع أساتذة الموسيقى طلابهم على الابتعاد عنها، باستثناء المؤلف الألماني باخ وبضعة أعمال متفرقة لمؤلفين باروكيين آخرين، ظلت أعمالهم تُنشر بطبعات «منقّحة»، أي مع تعديلات من العيار الثقيل لتقريبها من الذوق الدارج.

جاءت تلك الفجوة الزمنية نتيجة سردية محدودة تبنتها الموسيقى الكلاسيكية طويلًا، جاعلةً من تاريخ الموسيقى عملية تطوّر باتجاه واحد، تقود نحو كبار الحركة الرومانسية مثل فاجنر وماهلر، بينما ظلت باقي التيارات الموسيقية الأقدم مجرد مراحل ثانوية غير مهمة لذاتها وإنما لكونها خطوة عابرة نحو ما هو أهم.

بدأ هذا الأمر بالتغير بين الحربين العالميتين نتيجة حركة إحياء كبيرة نعيش ذروتها اليوم، بدأها مجموعة موسيقيين وباحثين فضوليين ممن رأوا في موسيقى الباروك كنزًا كبيرًا ينتظر الاكتشاف. لكن حركة «الإحياء الباروكي»، كما سميت، لم تقتصر على إيجاد نوطات مهترئة ومهملة لإعادة عزفها، بل أخذت على عاتقها مهمّة بعث عالمٍ كامل من تحت الغبار بلغاته وطقوسه، وقبل كل شيء، بآلاته الموسيقية. فسرعان ما أدرك الباروكيون الجدد أن جزءًا من إساءة فهمنا لتلك الموسيقى يرجع لكونها كُتبت لآلات مختلفة عن آلات اليوم، وأن الطريق لاستيعابها يبدأ بإعادة إنتاج الآلات المفقودة، وهي مغامرة تبدأ بتفحص النماذج القليلة المتبقية وبنبش الأرشيفات بحثًا عن أطروحات تصنيع الآلات، تمر بمختبرات التحليل الكيميائي لتنتهي لدى صانعي الآلات ومن ثم العازفين.

على سبيل المثال، أدرك الموسيقيون أن أوتار الكمان الباروكي التي كانت تصنع من أمعاء الحيوانات كان لها صوت مختلف عن الأوتار المعدنية المستخدمة اليوم، وأن قوس الكمان (أي العصا المستخدمة للعزف) كان مقوّسًا فعلًا وذا توازن مختلف، وهي تفاصيل تشريحية تملي على العازف تقنيات مختلفة للعزف. وبإحياء الكمان الباروكي وتقنياته، اكتشف الناس للمرة الأولى سحر الصوت الرقيق والشاحب لأعمال مثل سوناتات باخ للكمان المنفرد، وسط إحباط الكثير من عازفي الكمان الذين لطالما رأوا في موسيقى باخ فرصة لاستعراض صوت عنيف وثقيل بعض الشيء، نعرف اليوم أنه أُسقط عليها عنوةً ليناسب ذوق الرومانسيين وكماناتهم في القرن التاسع عشر.

لم تمر تلك التجديدات بسلام، وترافقت في الأوساط الأكاديمية والفنية بولادة صورة نمطية عن عازفي الباروك بوصفهم موسيقيين من الدرجة الثانية يعوّضون فشلهم بالسعي وراء أساليب عزف بديلة وآلات بائدة لجذب الانتباه، وهي سمعة لا تزال حاضرة اليوم بين الجد والمزاح. السبب الحقيقي وراء ذلك الهجوم كان واضحًا منذ أن قامت واندا لاندوفسكا مثلًا بإعادة إحياء الهاربسكورد، الآلة القديمة التي تطور منها البيانو، حيث أحس عازفو البيانو بالكثير من الأعمال الموسيقية (خصوصًا أعمال باخ) تتسرب من بين أصابعهم لتعود من اختصاص الآلات الأصلية وعازفيها، وترافق مع ذلك شعور بالتهديد الذي يستهدف قيمهم المتوارثة والطريقة التي لطالما سمعوا وصنفوا بها تلك الموسيقى.

يبقى الكمان والهاربسكورد حالتين سهلتين نسبيًا مقارنة بعشرات الآلات الأخرى المنقرضة تمامًا، مثل عائلة كمنجات الساق، أو الفلوت العامودية، أو اللوت (المستحدث من «العود» الذي انتقل عبر الأندلس)، وشبيهه الثيورب، دون ذكر مختلف أنواع الطبول والآلات الإيقاعية التي جعلت من أوركسترات الباروك فرقًا مبهرجة وغنية بالإمكانات الصوتية.

مع توافر الآلات تأتي مرحلة الأداء، أي ترجمة النص الموسيقي إلى صوت، وهي مهمة عسيرة في حالة الباروك، فالمؤدي المعتاد على نوطات تشايكوفسكي أو ماهلر الواضحة والدقيقة سيصعب عليه تفسير ما يريده مؤلف باروك مثل باخ أو فيفالدي. فقد كان مؤلف القرن السابع عشر يكتب لعصره فقط وليس لنا، وبالتالي لم يشغل نفسه إلا بتنويط الحد الأدنى من المعلومات، أحيانًا بدون تحديد الآلة التي ستعزف أو سرعة العزف، أو حتى بعض الأدوار الثانوية التي كانت تترك فارغة، واثقًا بأن المؤدي، ابن عصره، سيكمل الباقي من عنده بالغريزة، وفقًا للعادات السائدة.

بتتبعنا لتلك العادات، صرنا نعرف اليوم أن موسيقى الباروك لم تكن جسدًا متجانسًا، بل تجميعًا من الممارسات المحلية لا ثوابت حقيقية فيها. تبين مثلًا أن ذات التدوينة الإيقاعية كانت تؤدى بطرق مختلفة حسب المنطقة، وأن النوطات البطيئة والطويلة في أعمال مؤلف مثل كوريللي كانت في الحقيقة مجرّد خطوط عريضة على المؤدي أن يرتجل عليها ويزخرفها لتأخذ شكلها النهائي، وأنه حتى نوطة «اللا»، أكبر مسلّمة في الموسيقى، كانت تخضع لدوزانات مختلفة حسب كل مدينة. السياق السياسي والاجتماعي لعب دوره كذلك، فرقصة المينويت الفرنسية مثلًا كانت بطيئة نوعًا ما عندما ظهرت في الريف، ثم صارت أسرع بدخولها البلاط، لأن أحذية النبلاء أخف من أحذية الفلاحين الثقيلة، وذلك حتى أصدر الملك لويس الرابع عشر مرسومًا بتبطيئها في كافة أنحاء المملكة بعد أن كبر في السن وصعب عليه الرقص بسرعة.

بالمراكمة التدريجية لمئات المعلومات الصغيرة والاستنتاجات، استردّت موسيقى الباروك تفاصيلها وألوانها، وبعد أكثر من قرن من أدائها بسرعات بطيئة، من باب فخامة مزيفة نسقطها على الماضي بشكل أوتوماتيكي، أدركنا اليوم أن غالبية موسيقى الباروك كانت أكثر سرعةً وإغواءً.

لإدراك الفرق بين الرؤيتين، يكفي أن نقارن تسجيلًا من الخمسينيات لكونشيرتو براندنبرج الثالثة للمؤلف باخ بتسجيل لنفس العمل من عام 2005.

أما الخطوة الأخيرة، فكانت محاولة فهم ما تعنيه تلك الموسيقى، وهي المهمة التي قام بها أشخاص مثل قائد الأوركسترا نيكولاوس هارنونكور، أحد أهم رموز الإحياء الباروكي، والذي يكشف في كتابه «الخطاب الموسيقي» عن مفتاح أساسي لفهم موسيقى الباروك وهو علاقتها بالمسرح وبعلم البلاغة.

يذكّر هارنونكور بأن غالبية الموسيقى قبل الباروك كانت غنائية، وأنها كانت تنتج بإلصاق النص على الموسيقى دون الاكتراث فعلًا بتوافقها مع معنى كل كلمة: «لكن فجأة، مثل ضربة برق في سماء زرقاء، ظهرت فكرة وضع الكلام والمحادثة في صلب الموسيقى. كان على هذه الموسيقى الجديدة أن تصبح درامية، لأن أي محادثة هي درامية بحد ذاتها، كون محتواها هو الأخذ والرد والإقناع والتساؤل والنفي والجدال».

هكذا ولدت موسيقى الباروك وتوأمها: الأوبرا، مسرحٌ غنائي تستخدم فيه الموسيقى لدعم النص بدلًا من العكس، كما هي الحال في أورفيو (1607) إحدى أولى الأوبرات التي وصلتنا، الكثير من أغانيها تشبه مواويل مرتجلة بين الإلقاء الشعري والغناء المليء بالزخرفات، تعمل من خلاله الموسيقى قناة لنقل العواطف والاضطرابات المتضمنة في النص، وإكسابه بعدًا دراميًا إضافيًا، كما في الأغنية الشهيرة من الفصل الثالث، حين يغني البطل ليقنع آلهة العالم السفلي بالسماح له بالعبور نحو الجحيم واستعادة روح محبوبته.

غابت أوبرات مثل أورفيو طويلًا عن ذاكرة الناس حتى انتشلتها حركة الإحياء الباروكي من النسيان وأعادتها إلى المسرح. أما اليوم، فتسعى كبريات دور الأوبرا لإدراج أوبرا باروكية على الأقل كل موسم، وتتبارى فيما بينها لإعادة اكتشاف أوبرات مغمورة وإحيائها في إخراجات حديثة خلابة، زاد من صيتها إحياء تقليد الكونتيرتينور، الذي جاء كرديف لإحياء الآلات القديمة.

لعب المسرح وعلم البلاغة دورهما كذلك في الموسيقى الدينية، التي أصبحت فجأة أكثر مسرحية، مما خدم رغبات الكنيسة الكاثوليكية آنذاك بالدعاية لنفسها في حربها ضد البروتستانت المنشقين. وحتى الموسيقى الآلية (أي غير المغناة)، تأثرت بذلك، خصوصًا في الكونشيرتو، وهو شكل موسيقي يظهر فيه العازف المنفرد كشخصية مسرحية تخوض مونولوجات درامية وتتحاور مع باقي الأوركسترا.

اليوم، أصبحت موسيقى الباروك تخصصًا موجودًا في معظم المعاهد العالمية الكبيرة، وحتى في منطقتنا العربية، أظهر مجموعة عازفين حماسًا لتلك الموسيقى، كفرقة عازفي دمشق لموسيقى الباروك التي تشكلت نواتها عام 2008 واستمرت حتى اليوم، أو وتريات بيت لحم الذين قدموا مؤخرًا مجموعة حفلات باروكية على هامش التحضير لافتتاح فيلهارموني فلسطين. لا يأتي هذا الحماس نتيجة رغبة بصيانة وثيقة أثرية أو الاحتفاء بهوية ما، بل العكس تمامًا، نتيجة إعجاب بالقوة التي تخاطبنا بها تلك الموسيقى بالرغم من غياب ذلك القاسم الزماني والمكاني المشترك، أو ربما حتى بسبب ذلك الغياب. فانقطاعنا عن عالم القرن السابع عشر ومعاييره مكننا من الاستماع إلى موسيقاه ببساطة لما هي عليه، وليس لأي قيمة تاريخية أو رمزية. هكذا يأتي اكتشاف موسيقى الباروك فعلًا معاصرًا بامتياز، يمس حاضرنا وتعطشنا إلى موسيقى بديلة ومختلفة، ظل لديها -ولو بعد أربعة قرون- ما تقوله لأبناء القرن الواحد والعشرين.