«وحده الله يغفر»: أوديب مرتديًا سترة

الثلاثاء 07 حزيران 2016
only god forgives

تنويه: يحتوي هذا المقال على «حرق» للعديد من مشاهد الفيلم وأفكاره.

ينطلق «وحده الله يغفر»، وهو الفيلم التاسع للمخرج الدنماركي نيكولاس فيندينغ رِيفن، من حكاية تبدو بسيطة للغاية. شابٌ أمريكي في تايلند، يملك ناديًا للملاكمة ويدير شبكة تجارة للمخدرات، يقوم بدوره ريان غوسلينغ. يُقتل شقيقه بيلي، والذي يلعب دوره توم بيرك، بتحريض من تشانغ؛ ضابط الشرطة تايلندي الذي يلعب دوره فيثايا بانسرينحرام، لتبدأ حكاية الانتقام مدفوعة برغبة عارمة لإراقة الدماء من قبل والدة جوليان وبيلي.

لكن هذه ليست الحكاية كما أعتقد، أو للدّقة هي واجهةٌ لقصّةٍ أخرى أكبر وأكثر عمقًا. لا تعكس الأشياء هنا معناها الأوّل والظاهر، فالمخرج حرص كرجلٍ مهووس بأن لا يتم فهمه على نحوٍ خاطئ، على وضع إشاراتٍ لما أراد قوله، أو أقلّها لأحد الأوجه التي يمكن قراءة العمل من خلالها. ويبدو لي أنّ العلاقة الأهم في الفيلم هي علاقة جوليان بأمّه كريستال «كريستين سكوت توماس». علاقة الاثنين غير سويّة، تقول مرّة: «أقسم أنني، في بعض الأحيان، أعتقد أنّ جوليان يكره بيلي. ربّما الكره ليست الكلمة المناسبة، لكنّه دائمًا ما كان يغار منه. أنتِ تعرفين تصرّفات الصِّبية يا «ماي»؛ التنافس. بيلي كان دومًا الأخ الأكبر ومن يملك قضيبًا أكبر. لم يكن قضيب جوليان صغيرًا أبدًا، أمّا بيلي، أوه، لقد كان بالغ الضخامة». كل شيء هنا يُحيل إلى قصّة أوديب؛ ملك طيبة في الميثولوجيا الإغريقيّة، الذي أنفذ نبوءة تقول بأنّه سيقتلُ أباه ويتزوّج أمّه، وحين أتمّ ذلك دون معرفته بهويّتهما يفقأ عينيه ليحيا كفيفًا منفيًا ما بقي من عمره.

عناصر قصّة أوديب تتوفّر هنا، بزيادة أو نقصان. قرب نهاية الفيلم، تخبر كريستال رجل شرطة تايلندي بأنّ جوليان رجل خطير، فقد قتل أباه وفرّ إلى تايلند. تبدو المعلومة خارجة عن السياق، غير متّسقة مع نسق رِيفن الإخراجي، فهو يُري المشاهدين أكثر ممّا يقول. يبدو الأمر فجًا ومباشرًا بعض الشيء، فالقصّة لم تكن بحاجة لإضافة شخصيّة خارجيّة لتكمل أركانها، إذ كان بالإمكان الاستعاضة عن الأب بالأخ الأكبر خاصّة مع ملاحظة أنّ رِيفن حاول ربط الدافع الجنسي الفرويدي بالقصّة بإشارة كريستال إلى حجم قضيب بيلي، لذا فإنّي أتساءل هل هناك سياق آخر لتأطير هذه المعلومة بعيدًا عن قصّة أوديب؟

علامة أخرى تشير إلى أوديب تأتي قرب نهاية الشريط، وتتمحور حول العينين. بعد أن يتواجه جوليان مع قاتلِ أخيه، تتورّم عيناه في صورة توحي بانطفاء الرؤيا أمامه. لم يتبيّن أوديب الحقيقة مبكرًا، ففقأ عيناه بيديه. أمّا جوليان فلم يُرد أن يرى الحقيقة من الأساس، فكان لا بدّ من طرفٍ خارجيّ يساعده على القيام بما لم يستطع القيام به؛ محاولة إغلاق عينيه.

تنقلب المفاهيم هنا، فكما قلت أنّ الأشياء في أفلام ريفن لا تعكس معناها الظاهر. ويصبح الله المذكور في عنوان الفيلم معادلًا للأم أو لسلطتها، والمغفرة هنا ليست مغفرة الضحيّة التي تنتظر من ينتقمُ لها، بل هي الغفران المنتظر من رضا الأم عن ولدها العاق. وإن كان العنوان يُشير إلى أنّ الله وحده يمنح المغفرة، فإنّنا نجدُ انعكاس هذا في الفيلم، فالبشر، وإن علوا، يبقون آلهة غير متحقّقة، تتنازعهم العديد من الرغبات، لكن لا يبدو أنّ الغفران أحدها.

نيكولاس فيندينغ رِيفن، كما العادة، يستعرض عضلاته في استخدام الصورة لتكمل فراغات مقصودة في الحكاية، يساعده على ذلك أحد ممثّليه الأثيرين؛ ريان غوسلينغ. فغوسلينغ يوهم وجهه بسهولة بأنّه مترفّعٌ عمّا تنزلق يداه للقيام به من وحشيّة. وجهه محايد يقع خارج اللحظة، في مكانٍ آخر لا معنى فيه للصواب والخطأ. لكنّ وجهه، كما في الفيلم السابق لرِيفن (Drive)، وجهٌ مركّب، قناعٌ تعلوه مسحة خفيفة تكاد لا تلحظ من الحزن، كأنّما يرفع علامة استفهامٍ في وجه المقولة التي تصارع لكي تثبت وجودها في الفيلم: هل يمكن أن نفصل بين الفعل والدافع إليه؟ بمعنى آخر، هل يمكننا القول هنا أنّه لا خطيئة في الانتقام، طالما سيقود إلى كسب رضا الله/الأم؟ ويمكن هنا استبدال الانتقام بدوافع أخرى.

هناك غضبٌ مكتوم، يتكثّف بشدّة مع الكوادر التي يطغى عليها اللون الأحمر والستائر التي تخفي خلفها بائعات الهوى. بائعات الهوى هنا هنّ النموذج الآخر للمرأة في قصّة جوليان، منفذٌ خاطئ لغضبٍ كان يفترض به أن يصوّب تجاه الأم. لكنّهن لم يوجدن عبثًا أو لمجرّد إفراغ الغضب بهنّ، فلو افترضنا عدم وجودهن مثلاً، فسنكون أمام ثنائية وحيدة ليس فيها إلّا جوليان وأمّه، من ثمّ يصير الكلام الزاعم بأنّ الحزن البادي على وجهه هو رفضٌ غير مصرّحٍ به لخياراتها، الأخلاقيّة خاصّة، بلا دليلٍ ملموس يسنده.

يمدّ ريفن الصراع القائم بين الدولة ممثلةً بتشانغ الضابط الفاسد، وعائلة كريستال العاملة في تجارة المخدرات ممثلة بوريثها جوليان، إلى آخر الخطّ معيدًا إياه إلى حالة من الحيوانية ممثّلة بالصراع بالأيدي والأرجل. تتعايش هذه الثنائية؛ السلطة الفاسدة و«العائلات العصابات» عادةً بلا مشكلات كبيرة، حتّى ينكسر العرف الذي تقوم عليه مثل هذه العلاقة. فوجود مثل هذه العائلات ينطوي في أساسه على حالة من الإنكار والتماهي تمارسها  السلطة لتحافظ على قدرٍ من الإحساس بالتفوّق والسيطرة طالما لم تتضارب المصالح ومناطق النفوذ. لكن في لحظة ما تنفرط حالة الإنكار تلك جارفة معها، ككرة الثلج، كلّ تبعات الماضي المسكوت عنه.

يظل هذا الفيلم فيلمًا مذهلًا بصريًا؛ فالمخرج الدنماركي، وإن كان ينطلق من أفكار بدائية كما يقول، لا يتنازل في أيٍّ من أفلامه عن مستوىً معيّنٍ من جودة الصورة، يُكرّسه كأحد أهم الشكلانيين في السينما الحديثة. زوايا التصوير، الكوادر داخل الكوادر، الإضاءة القاتمة المُطعّمة باللون الأحمر، ومحاولته استخدام الألوان وأماكن التصوير كمرآة تنعكس عليها مزاجات الشخصيات. كلّ هذا ما ينفكّ يتكرّر كلازمة في أفلامه، وفي هذا الفيلم تحديدًا.

قوبل فيلم «وحده الله يغفر» بصيحات استهجان حين عُرض في مهرجان كان 2013، قابلها المخرج في إحدى الحوارات بقوله «أوه، كوول». ليوضّح نفسه من بعد «من جهة أنت ترمي ما فعلت في أوجه الناس وفي نفس الوقت تقول لهم: من فضلكم أحبوني. لا بدّ أن تتعرض لهذا. الفن العظيم – ما أفظع قول هذا – معنيٌّ بأن ينقسم الناس حوله، لأنّه إن لم يفعل لن يخترقك، وإن لم يخترقك يصبح عرضة للاستهلاك لا أكثر». بعيدًا عن وصفِ رِيفن لما يقوم به بالفن العظيم، إن كان يقصد التخصيص في كلامه، فإنّ قوله بأنّ أفلامه تقسم الناس حولها يعبّر بصدق عن حقيقة أفلامه؛ إمّا أن تحبّها أو تكرهها، لا حلول وسط معها.