«تربية القلب»: نحو تعليم لا يمليه السوق

الإثنين 03 كانون الأول 2018

طيلة حياته، آمن الفيلسوف البرازيلي باولو فريري أنه ما من تعليم محايد: هناك تعليم يقهر، وآخر يُحرر. بالنهج ذاته، حاجج فريري لصالح فلسفة تربوية، ديمقراطية، إنسانية، مشحونة بالعقلانية والانفعالات في الوقت ذاته، في مواجهة فلسفة نفعية براغماتية لاأخلاقية.

تركزت كتابات فريري (1921- 1997) في قضية التربية والتعليم، وخصوصًا التعليم النقدي الذي يحرر  شعوب «العالم الثالث» من التبعية. في كتابه «تربية القلب: في مواجهة الليبرالية الجديدة»، يقدم فريري رؤية نقدية لما تحدثه العولمة في الضمير الإنساني، حيث تُشل الحياة البشرية بركام من التكنولوجيات -العبثية أحيانًا- ويصبح الأفراد يتعاملون مع أنماط حكم وإدارة أكثر تطورًا من نضجهم العقلي، مما يجعلهم مُستعبَدين من قبل الأنظمة السياسية والاقتصادية.

في أحد عشر مقالًا يشملها هذا الكتاب، يسرد فريري صورة المجتمع البرازيلي وهو يعاني خلال رحلته للتحول الديمقراطي، وما مرت به البرازيل من انقلابات عسكرية، أدت لطرد فريري نفسه لسنوات خارج الوطن. ولعل الاطلاع على مشروع فريري الفكري للبرازيل، خصوصًا فيما يتعلق بثالوث «الدولة – السياسة – التعليم»، ضرورة مهمة لما تقدمه من نموذج فكري مغاير قد نجد فيه ما يفيدنا في فهم التعليم في سياقنا عالمنا العربي.

في ظل شجرة المانجو (وهو اسم الكتاب بالبرتغالية) جلس فريري وحلل ظروف ومتغيرات مجتمعه النامي بأدوات ماركسية. ومن خلال رؤيته لنفسه كمواطن عالمي وابن أصيل للبؤس في أمريكا اللاتينية في الوقت نفسه ذهب إلى أنه لا بد للعالم النامي أن يجد لنفسه فلسفة تربوية تعكس همومه وتقدم حلولًا منطقية تتماشى مع تحديات المرحلة التاريخية التي يمر بها في ظل تنامي ثقافة الليبرالية الجديدة (النيوليبرالية).

يحلل فريري على مدار صفحات الكتاب رؤية الليبراليين الجدد للدولة القائمة على زعم الحد من تدخلها، للسماح بأكبر قدر من تراكم رأس المال، بالاعتماد على فرضية أن الارتفاع في معدلات النمو سيضمن للشعب الحماية الاجتماعية التي تخلت عنها الدولة، في ظل تطبيع شراسة المنافسة الفردية ودخول الفرد في صراع البقاء للأفضل، بما في ذلك كل منتج ثقافي قومي أو محلي يطرح للسوق لتتحدد قيمته وبقاؤه أو إلغاؤه.

حاول فريري أن يبني نموذجًا مغايرًا لهذه الدولة النيوليبرالية، تعتمد على المرونة والكفاءة في قيادة مؤسساتها، وتساعد مواطنيها كي يصبحوا نشطاء ونقديين، ويعملون على تشكيل الاقتصاد في إطار إنساني قائم على التشاركية. فالدولة الكفؤة في نظر فريري هي التي تستطيع حماية شعبها من خطر السوق الحر وتجاوزاته، وتعمل على دمج المواطنين في شبكات وروابط سياسية واجتماعية تشاركية يحيا فيها التحليل النقدي ويُشجَّع. يحصل ذلك بالحفاظ على رأس المال القومي، وتمكين الطبقات الفقيرة ورفع قدرتها التعليمية والتكنولوجية، في ظل شبكة من القوانين التي تمنع الإقصاء وتضمن على العدالة في توزيع الدخل والمعلومات. ولكي تنجح هذه الدولة، في نظر فريري، يجب أن تمتلك رأس مال اجتماعيًا يتمثل في أفراد قادرين على التعايش والتآلف معًا ومواجهة تحدياتهم، ويجب أن ينمّى رأس المال الاجتماعي بسياسات تستثمر فيه وتطوره.

لا يعامل فريري التعليم بوصفه حقلًا منفصلًا عن السياسة، بل يربط هذه التنمية بالممارسة السياسية الواعية، معولًا على وصول حزب تقدمي للسلطة ينخرط في عملية ديمقراطية وتربوية واسعة. وشدد فريري على ضرورة انفتاح مثل هذا الحزب على الحوار والتطور المستمر، وإبداع سياسات محلية وقومية جديدة متسقة مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها العولمة، والسعي لاقتصاد أكثر إنسانية دون التخلي عن السوق وتراكم رأس المال أو التقليل من مرونة الاقتصاد أو تنافسيته، من خلال تطوير شبكات التضامن اللازمة لرعاية الفئات الأضعف في المجتمع.

في هذا السياق، يطرح فريري نموذجه كبديل للتعليم الليبرالي الجديد، الذي أسماه «التعليم البنكي» القائم على إيداع المعلم للمعلومات «سابقة التجهيز – محددة الهدف» في أدمغة المتعلمين الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات، مؤديًا لتكريس الخوف من الحرية والاستهانة بالذات لديهم. فقيمة النقد تتراجع أمام الميل للتوافق في ظل هيمنة السوق النيوليبرالي الذي يبحث عن أيدٍ عاملة مطيعة، لا عن مواطنين أحرار نقديين. بذلك، ينتج ذاك التعليم ما يحتاجه هذا السوق.

في نقيض ذلك، يعتمد نموذج فريري في الأساس على التربية النقدية والتشاركية والترابط، بالاستفادة من عبر تقنيات الاتصال التي وفرتها العولمة. فهذا التعليم النقدي يرتكز على الحوار الذي تنتفي فيه سلطة الأستاذ، فيتبادل المعلم والمتعلم أدوارهما، ويتعلم كل منهما من الآخر. وعبر هذا الحوار يكتشف المقهورون أنفسهم، ويعملون على استعادة توازنهم وتبديد العوائق النفسية التي فرضتها عليهم سياسات التبعية المجتمعية والسياسية والاقتصادية، وصولًا إلى الانتقال من حال الخضوع إلى التمرد والمجابهة. فالنقد يولد قلقًا مستمرًا يحفز البشر على التفكير والإبداع، وهو ما من شأنه خلق حلول للتناقضات بين الحرية ومتطلبات سوق العمل. فريري فصل بين الثورة التكنولوجية المعولمة والنيولبيرالية من الناحية التربوية بوصف الأولى قادرة على خلق نوافذ تجعل التعليم الذي يسعى إليه فريري متاحًا. لكن في ظل النيوليبرالية، تظل الفائدة المجتمعية لهذا الجانب من العولمة محصورة في يد قلة قليلة تتحكم في مصائر الأغلبية وتحد من حريتها.

بذلك، عول فريري كثيرًا على «فلسفة عقلانية» يأمل أن ينتجها هذا التعليم لتخترق النسيج الاجتماعي وتعيد بناء ما تفتته العولمة. في الوقت ذاته، نظّر فريري لضرورة تمايز هذه الفلسفة، ليس فقط عمّا تنتجه السلطات العسكرية أو الاقتصادية، بل عن التربية التي تسعى لإنتاج قطيع ليس عليه إلا يطيع ويسمع، بغض النظر عن الغطاء الأيديولوجي لها، وهي ما أسماه «تربية القهر».

في النهاية، كان فريري واضحًا في أن لأزمة التبعية جوانب بنيوية، وهي ليست أزمة تعليمية – تربوية فقط، فليس بالتعليم وحده يمكن تغيير مجتمع تعمل بُناه على إنتاج وإعادة إنتاج الطبقية والفقر والتسلط، والظلم، والتحرش… إلخ. لكنه تغيير هذه البنى في الوقت نفسه، لا يمكن أن يتم دون المرور بتغيير تربوي يعيد للمقهورين قدرتهم على التفكير والفعل ويحطم الفصل الجاف بين العقلانية والعاطفة الذي كثيرًا ما يؤول إلى تكريس التبعية.