الزائر من بورلوك: الواقع والحرب ضيفان ثقيلان على الشعر

الخميس 09 آذار 2017

سمية الحاج*

إنَّ الفن ليس إلا عُنفًا، وقسوة، وعدالة مُغيبة، لأن الثقافة بشكل أو بآخر أشبه بالحياة، وحرب جيلٍ على جيلٍ آخر؛ إذ يستوجب الأمر على كل جيل أن يبني مدينته الخاصة به.
بيتر نيكولز، من كتاب «دليل أدبي في الحداثة».1

على الرغم من أن الإنسان هو المحرك الأساسي للواقع والمسؤول الرئيسي عن صناعته، فإنه كثيرًا ما يفضل الانسلال من هذا الواقع وتمثيله بطرق شتى، منها الفن الذي لا يرتكز على الواقع فحسب، بل أيضًا على الخيال والأستاطيقا. وبما أن الخيال عقدة من إبداع فردي ممزوج بآثار الواقع وذاكرة فردية وجمعية، يحار المبدع في كيفية تمثيل الواقع ومدى سيطرة الخيال وخلق الجماليات، خاصة حين يكون الواقع محملًا بالعنف والحروب والدمار. فهل يلتقي العنف والجمال معًا في نص واحد؟ وهل يمكن للمبدع الخروج عن الواقع تمامًا والانغماس في الخيال؟

قد يكون الزائر من بورلوك2 أثقل زائر في تاريخ الشعر؛ فهو الذي حوّل قصيدة صامويل تايلر كولريدج الشهيرة «قوبلاي خان» (1797) من رؤيا في خيال الشاعر إلى واقع مفكك، مما جعل كولريدج يُضيف عنوانًا فرعيًا إلى العنوان الرئيسي ليصبح «قوبلاي خان [رؤيا في الحلم: جزئية]»، وهو عنوانٌ مفكك الأجزاء كما هو حال القصيدة بعد قدوم الضيف غير المتوقع. كان كولريدج يسعى إلى تدوين حلمه الذي كان أقرب للرؤيا (ربما بسبب مفعول الأفيون الذي كان الشاعر تحت تأثيره)، قبل أن يقطع تلك الزيارة تدفق الشعر ليكمل كولريدج قصيدته بوعي أكبر بالواقع، وحسرة على ضياع الرؤيا التي لم يتوقف الشاعر عن التعبير عن أمله في استعادتها حتى آخر القصيدة؛ فذهب الحلم بذلك طي النسيان، وبقي الواقع الذي لم يستطع الشاعر الخلاص منه.

لا نعلم إن كانت قصة كتابة «قوبلاي خان» حقيقية فعلًا أم جزءً من جماليات القصيدة، لكن، وفي كل الأحوال، يكشف لنا الزائر من بورلوك الكثير عن حالة التماهي التي يعيشها الشاعر بين الخيال والواقع. إذن، فرض الواقع نفسه على كولريدج من خلال شخصية الزائر من بورلوك؛ تلك الشخصية التي تزور الشعراء بشكل أو بآخر لتصلهم بالعالم وترمي شعاع الواقع على أعمالهم.

يؤمن المُبدع غالبًا بقدرته على تغيير العالم من خلال الفن الذي لا ينسلخ عن الواقع. وهذا الإيمان بالتغيير قد يقسو بدوره على الأستاطيقا؛ إذ يبدو من الصعب على المبدع التمسك بجماليات العمل الفني حين يكون متورطًا في الواقع. وعلى الرغم من طغيان الواقعية في الأدب إبّان القرن التاسع عشر وما بعده، فإن الإفراط فيها قد يختزل العمل الأدبي إلى نص اجتماعي أو تاريخي يخلو من الجماليات والدهشة.

ومع ذلك، فإن وجود الخيال أو الافتقار له في الأدب يعود إلى روح العصر [zeitgeist]، فالأدب ليس بريئًا من معارك الحياة المختلفة، لأن علاقته مع الحياة علاقة تبادلية؛ فكلاهما يؤثر في الآخر. ويبدو هذا التبادل جليًا في مختلف الحُقب الزمنية؛ فأدب عصر التنوير مثلًا كان أشبه بالكتابة العلمية بسبب تأثّر الكتّاب حينذاك بالثورات العلمية في أوروبا. كذلك جاءت الواقعية السحرية في القرن العشرين كنوع من مقاومة الاستعمار الغربي الذي مثل واقعيةً أدبية مغايرة. فالخيال في الواقعية السحرية يخدم الواقع؛ أي واقعَ الاحتلال والهيمنة والمقاومة.

ربما هذا ما أراد كولريدج تأكيده من خلال ابتداع شخصية الضيف الثقيل أو ذِكرها في معرض الحديث عن القصيدة، ليصبح الزائر من بورلوك ممثلًا الواقع الذي يطرق باب الشاعر حين ينغمس في الخيال، فيترك الشاعر بذلك في مساحة ما بين العالَمَين.

ولكن، كيف يُمكن للشاعر أن يُمثّل الواقع ويغيره دون الانغماس فيه بما يُفسد القصيدة، خاصة حين يكون الواقع مثقلًا بالحروب والويلات؟ وهل يُمكن للشاعر تجميل النص على حساب الواقع الذي يشعر بمسؤولية تمثيله بصدق؟ يقول ويلفريد أوين أحد أبرز شعراء الحرب الإنجليز: «يا صديقي، لن تقولها بحماسة بالغ للأطفال المتشوقين، للأمجاد اليائسة، تلك الكذبة القديمة: «إنه لجمال وشرف أن تموت من أجل وطنك.»

يُعارض أوين هنا بوضوح الشعرَ الذي يُجمّل واقع الحرب بوصفها بطولة ومغامرات رومانسية، ويفضّل على عكس ذلك أن يكون الشعر صادقًا، يعكس الواقع بآلامه وويلاته. لكن أوين يعترف أيضًا بأن هذا الشعر المثقل بالآلام سيُفسد رونق الشعر وجماله. ومع ذلك، لا ينبغي للشاعر الفرار منه، مما يضع الشاعر حينها في
مأزق يصفه أوين بحصافة في مسودة مقدمة مجموعته الشعرية: «قصائد الحرب»، فيقول:

أنا غير معنيٍّ بالشعر
موضوعي هو الحرب
وجزع الحرب
مسكينٌ أيها الشعر.

ثم يردف قائلًا إن «كل ما يستطيع الشاعر فعله هو التحذير، لذا على الشاعر الحقيقي أن يكون صادقًا.» وبناءً على ذلك، فالشعر هو أحد الخاسرين في الحرب، لأنها تُفقده عنصر الخيال. فالشاعر ينهمك، إما بتجييش مشاعر القراء، أو بلعب دور البطولة أو الضحية، وكلها أدوارٌ وهمية لا تحمل منطق الواقع ولا دهشة الخيال.

تُعد تجربة محمود درويش من أبرز التجارب التي تُظهر تمزق الشاعر بين تمثيل الواقع المباشر وبين تقديمه قوالب فلسفية تترك فسحة للقارئ لتأمل المعنى. كتب درويش مثلًا العديد من قصائد المقاومة في أعماله الأولى، منها قصيدته الشهيرة «سجل أنا عربي»، التي أصبحت بمثابة نشيد وطني عربي، لكن من الواضح أنها «لم تعد قصيدة درويش المفضلة»3 فيما بعد، ربما لاتّسامها بالخطابة والمباشرة في المعنى، وهو ما تجنبه درويش في أعماله الأخيرة.

كذلك اتُهِم كتّاب عظام، مثل غسان كنفاني وريتشارد رايت4، بالانغماس في الواقعية إلى درجة تجعل الخيال قريبًا من العمل الصحفي. ولا أظن ذلك عيبًا في النص؛ فهو يدل على أن فكر الكاتب منسجم مع واقعه، فلا مكان للخيال التجميلي الغزير في الحرب التي تجعل من الواقع فانتازيا دموية قد لا تكون في متناول خيال الكاتب في حالة السِّلم.

قد تكون فترة الثلاثينيات في الغرب أيضًا من أبرز الأمثلة على سوداوية الشعر؛ لانغماس الشعراء في واقع الحروب المرير في ذلك الوقت. فمن المثير للدهشة أن كثيرًا من المبدعين، كالشاعر الأمريكي إزرا باوند والشاعر الإنجليزي دبليو إتش أودين، كانوا يؤيدون الفاشية أو يميلون لأيديولوجيتها. فأودين مثلاً «لم يكن فاشيًا» كما أكد بيتر فيركاو5، ولكنه كان «قريبًا من بعض أفكار الفاشية، خاصة تلك التي تتعلق بالرغبة في التغيير وعدم الثقة بالفكر السائد، وأولوية الجماعة على الفرد، والافتتان بالقائد القوي الذي يُعبر عن إرادة الجماعة، وتبجيل اليافعين.» أما باوند فكان يعتقد (ليس فقط بصفته شاعرًا و ناقدًا بل كذلك بصفته رجل اقتصاد) أن الفاشية هي وسيلة الإصلاح الأنجع كرد فعل على الرأسمالية. وهنا يظهر ارتباط الشاعر بالواقع ارتباطًا لا تعبر عنه اللغة الخطابية المزينة بالمحسنات البديعية دون البعد الفكري والأخلاقي الذي يَشعر الشاعر بمسؤولية تمثيله باستمرار.

الشعر، إذن، ذو صلة بالواقع، وله دور كبير في التغيير، لذا يجد القراء غرابة في قول أودين إن «الشعر لا يؤدي إلى حدوث أي شيء»، حيث فسر الكثيرون هذا السطر الشهير من قصيدته «في ذكرى دبليو بي ييتس» على أنه انتقاص من قيمة الشعر. لكن قصائد أودين ما تزال تُحدِث الكثير حتى يومنا هذا، لذا أؤيد ما قاله ديريك وولكوت6عن الفهم المتسرع لسطر أودين. فقد أنصف وولكوت أودين والشعر على حد سواء بتقديمه تفسيرًا آخر لهذا السطر، نافيًا أن يكون أودين قصد اختزال دور الشعر وتحديده وتحييده عن الواقع.

يقول وولكوت شارحًا: «إن الشعر يُحدِثُ شيئًا ما لأن مياه النهر التي تتدفق في أسطر أودين التالية تلمس كل ما يصادفها»7؛ أي إن الشعر يُحدث تأثيرًا بشكل غير ملحوظ. كذلك يتخذ محمود درويش موقفًا مشابهًا فيقول: «اعتقدت أن الشعر قادر على تغيير كل شيء.تغيير التاريخ وأنسنة الإنسان، لكني الآن أعتقد أن الشعر لا يغير إلا الشاعر ذاته.»إن تغيير الفرد الذي تحدّث عنه درويش مشابهٌ لمياه النهر التي تصقل الحجارة بعد وقت طويل من الزمن، لذا نستطيع أن نقول إن الشعراء الثلاثة هنا يتفقون على أن للشعر تأثير تدريجي أو غير مباشر في الواقع؛ وهذا طبيعي، فالشاعر نتاج واقعه ومجتمعه، كما أنه يشارك في إنتاج واقع جديد في مجتمعه.


* أستاذة مساعدة في قسم الأدب الإنجليزي في جامعة الزرقاء.

1. مقتبس من (المجلة الثقافية / مقال «حول تجليات العنف»، د. محمد شاهين).
2. قرية إنجليزية ساحلية.
3. من محادثة خاصة للشاعر مع الدكتور محمد شاهين
4. كاتب أفريقي أمريكي (1908-1960)، من أشهر أعماله المجموعة القصصية أبناء العم توم.
5. باحث وأكاديمي أمريكي (1937-2008)/ الاقتباس من مجلة PMLA (1968).
6. شاعر وكاتب مسرحي كاريبي، ولد في عام 1930، و حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1992.
7. من كتاب (حوارات مع ديريك وولكوت)، تحرير ويليام بير، 1996.
8. مقال «هو أجملنا وأولنا (لا نريد لهذي القصيدة أن تنتهي)» لمريد البرغوثي، مجلة الكرمل الجديد، (3-4)، ربيع-صيف ،2012 ص 56