تجارة من الباب الخلفي: عن الكتب المقلّدة في الأردن

الثلاثاء 03 نيسان 2018

يُطوّر العاملون في سوق صناعة الكتاب الورقي المُقلّد آليّاتهم مع مرور السنوات، دون النظر للخلف حيث تقف حقوق المؤلف والناشر، مستفيدين من قصور أدوات الرقابة. في الجهة المقابلة يقف الناشرون والمؤلفون معًا، في أحيان كثيرة، منبهرين من سرعة تقليد ونسخ الكتب. ويطرح التطوّر في تقليد الكتاب الورقي أسئلة أخرى تتعلق بأسعار الكتب وانتشارها، وقدرة المؤسسات الرقابية على تأدية دورها بفاعلية، ودقة نتائج الدراسات التي تُعنى بنسب القراءة عند العرب.

تشكّل حقوق المؤلِف أحد أكبر التحديّات التي تواجه الرقابة في العالم، بما في ذلك الحقوق المالية التي تتيح للكاتب «تحديد الكيفيّة التي يُمكن أن تُستخدم بها ملكيّته، ولا يجوز للغير، من الناحية القانونيّة استخدامها دون تصريح منه، وغالباً ما يكون ذلك من خلال الترخيص».

في الأردن، يحظر قانون «حماية حق المؤلف والحقوق المجاورة» استنساخ المصنف بأيّ طريقة أو شكل، سواء أكان بصورة مؤقتة أو دائمة بما في ذلك التصوير الفوتوغرافي أو السينمائيّ أو التسجيل الرقمي الإلكترونيّ. ويمنح القانون بعض موظفي مكتب حماية المؤلف في دائرة المكتبة الوطنية صلاحيات الضابطة العدلية، بما يتيح لهم حجز المصنفات المستنسخة وإحالتها مع مرتكبي المخالفة إلى المحكمة.

تنتشر هذه السوق في الأردنّ على شكلين: تصوير الكتب المقررة في الجامعات، وطباعة الكتب الثقافيّة والسياسية والتاريخية، دون إذن من الناشر أو المؤلف.

وتكون مراحل إنتاج الكتاب المستنسخ على النحو التالي: يقوم صانع الكتاب بشراء نسخة أصلية فور طرحها بالأسواق، يذهب بها إلى مطابع تعمل في الخفاء في كل من بيروت والقاهرة وعمّان، وهناك يجري الاتفاق على طباعة النسخة المُقلدة بتكلفة أقلّ بكثير من سعر النسخة المشروعة، ومن ثم يجري إدخالها إلى الدولة التي يُراد البيع فيها، دون تدخل الجمارك.

فيما تقوم مراكز التصوير المنتشرة أمام الجامعات بتصوير الكتب الأكاديمية وبيعها للطلاب بأسعار أقل من أسعار النسخ المشروعة،، كما قد تبيعهم أجزاء منسوخة من الكتاب.

يقول عيسى، أحد تجار سوق الكتاب الثقافيّ المُقلّد في الأردنّ: «الطُبع الغير أصلية نستوردها من بيروت ومصر. بدال ما نجيب قواعد العشق الأربعون جملتها من دار الآداب بسبع ليرات أو ست ليرات بنجيبها بدينارين من بيروت أو مصر، بدينار ونص، دينارين. وبعمّان مطابع كمان بتطبع». وعند سؤاله عن الجمارك قال: «الجمارك عندها فلسفة وحيدة؛ شرط الكتب متكونش ممنوعة (..) فقط لا غير (..) من اللامقعول إنك تجيب 500 كرتونة ويقعدوا يفتّحوا بالكراتين ويشوفوا هاي أصلي وهاي مزوّر، هاي بدك جيش كامل عليها القصّة».

هذا في حال الاستيراد من مطابع القاهرة وبيروت التي تقدم نسخًا مُقلّدة بأسعار أقل مما تقدمه نظيراتها من المطابع في الأردنّ، وفقاً لعيسى.

تواصلتُ مع صاحب مطبعة مختصّة بطباعة هذه النسخ في عمّان، وطلبت شراء 25 نسخة من الرواية الجديدة للروائي الأمريكي دان براون وعنوانها (الأصل)، تريّث صاحب المطبعة قبل الإجابة على طلب الشراء، واتصل بالمعرّف، وبعد أن تأكد أن الجهة التي تتصل فيه ليست رقابيّة، عاد بالسعر، وكان سعر نسخة واحدة من رواية دان براون الجديدة 2.75 دينار (سعر الجملة)، لاحقًا خفّض صاحب المطبعة السعر أكثر حين رفعنا عدد النسخ المطلوبة في المرة الثانية. في مراكز البيع، كان سعر النسخة الواحدة من هذه الرواية يتراوح بين 4.5-5 دنانير، بحسب حسين ياسين، صاحب إحدى المكتبات في عمّان. بينما تباع النسخة الأصليّة من الرواية  على أحد مواقع بيع الكتب بحوالي 11 دينارًا بعد الخصم.

يقول نضال العياصرة، مدير دائرة المكتبة الوطنية، أنَّ تقليد الكتب منتشر «حتى على مستوى أوروبا»، مضيفًا: «بالنسبة للاستنساخ في عنا مضوبطات لكل أوعية المعلومات [أقراص مضغوطة وكتب]. وهاي المواد تم حجزها وعنا مجموعة منها بمستودعاتنا».

مطابع أسرع من الرّقيب

وفي ما يتعلق بحجم شكاوى أصحاب الحق، فيقول أحمد الخلايلة، مدير مكتب حق المؤلف: «مش بشكل يومي، بس تيجي شكاوى، شكوى شكوتين ثلاثة كل أسبوع»، وأن أكبر عملية لبيع كتب مقلدة ضُبطت في معرض عمان الدولي الأخير. يقول الخلايلة: أجوا لبنانيين هون، وراحوا لوزير الثقافة، ورحنا معهم ضبطنا حوالي 3000 كتاب مقلدات لدار نشر لبنانية، وضبطناهن إحنا والبحث الجنائي، مصدرهن بيروت وأصحاب الحقوق [من] بيروت كانوا متواجدين في المعرض».

لكن، ثمة إجراءات أخرى لا يجري تقديم الشكوى فيها لمكتب حق المؤلف في دائرة المكتبة الوطنية، إنما تقدمها دور النشر إلى اتحاد الناشرين العرب، الذي يقوم كل سنة بإعداد قائمة سوداء لدور النشر التي خرقت القانون وقامت بتقليد كتاب دون إذن المؤلف أو دار النشر. وبناء على هذه القائمة تُمنع الدار التي خرقت القانون من المشاركة في معارض الكتب العربيّة، هذا في حال كانت الجهة التي تبيع الكتب المقلّدة دار نشر مرخصة.

أما في حال المطابع التي لا تنضوي تنظيميًّا تحت لواء الاتحاد فيجري رفع قضية من قبل الكاتب أو الناشر على مقلد المؤلفات أمام المحاكم، استنادًا إلى قانون حماية حق المؤلف، الذي يتيح عرض القضية على المحكمة بصفة مستعجلة.

تتطلب إجراءات تقديم الشكوى والكشف على النسخ المقلدة من قبل مكتب حق المؤلف مدة طويلة نسبيًّا مقارنة مع سرعة عمل المطابع المتخصصة في طباعة الكتب المقلدة. تحدثتُ مع الروائي الأردني أيمن العتوم الذي وقّع قبل أيام قليلة رواية جديدة بعنوان «تسعة عشر»: «يعني أمس كنت أوقع كتبي، يعني كتابي الجديد إلي هو [رواية] تسعة عشر، فكنّا نبيعه بالمكتبة بأربع دنانير، فوحدة أجت معها كتاب مقرصن، طبعاً ليست الوحيدة، تقرصن تسعة عشر، هذه الرواية، قبل ما تصل من مصر».

وعند سؤاله عمّا يفعله لمواجهة مستنسخي رواياته يقول: «رفعت أكثر من قضيّة وما زالت منظورة أمام القضاء، مثل قضية ضد مقلدي رواية حديث الجنود وهي منظورة أمام القضاء منذ 2014، أوقف ناشر هذه الرواية (المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر) تداولها لأنها منظورة أمام القضاء، بسبب قضيّة تتعلّق بما جاء في الرواية، لكن المقرصنين يتداولونها».

أما عن تأثير انتشار طباعة الكتب المقلدة على صناعة الكتاب، فيقول جهاد أبو حشيش، مدير دار فضاءات: «ظاهرة انتشار تقليد الكتب قديمة جدًا، وليست مستحدثة، فقط اختلفت الأساليب، فقديمًا كان التقليد مكلفًا، لكن الآن ومع ظهور ماكنات الديجتل أصبح المقلد يستطيع تقليد نسخ بشكل بسيط وبالتالي يضرب السوق بشكل كلي».

تطبع دور النشر في الأردن ما بين 500-1000 نسخة من الكتاب، في الأغلب. وفي حالات خاصة عندما يلقى الكتاب إقبالًا كبيرًا عليه فإن عدد النسخ المطبوعة يرتفع إلى 5000 نسخة، في المرة الواحدة، وتُعاد طباعته في حال نفاده من السوق، وهو نادرًا ما يحدث.

هذا في ما يتعلق بالكتب الثقافية، أما الكتب الأكاديمية فهي صاحبة النصيب الأكبر من الشكاوى المقدمة حول استنساخها. يقول هشام خطاب، مدير دار عالم الثقافة للنشر والتوزيع، التي تطبع كتبًا أكاديمية بالإضافة للكتب الثقافيّة: «إحنا بنواجه هذه المشاكل، نسخ الكتب، بس كمان من خلال المواقع الإلكترونيّة أكثر، يعني كتاب عندي منزّل 14 ألف [مرّة]». وحول عدد النسخ التي باعها من الكتاب قال: «بجوز بعتلي 3 آلاف (..) هذه المواقع مستشرّة كثير، وبتشتغل بعين وقحة».

ويقترح حلًّا: «أنا بحب تكون هاي الأكشاك يكون عليها تعهدات، وأمور رادعة، ينزل بند تحت هاي الأكشاك توقع على غرامة مالية لأنه همّ بؤرة التزوير والاستستساخ، يجب أن يكون معها تعهدات عند المكتبة الوطنية، يكون عليه تعهد هذا بيلجمه، يكون بمبلغ مالي كبير».

ومع هذا لم تقدّم الدار شكوى واحدة إلى المكتبة الوطنية أو أمام المحاكم، يبرر خطاب ذلك بالقول: «شكاوى، لو رفعتو إلهم ما بوخذوا إجراءات، (..) بيرفعوا قضية بس ما فيه إجراء زي ما لمّا تروح على مخفر، هم بيعملوا حملات تفتيشية بس ما بيطلعولك على شكوى معينة».

يشير فتحي البس، رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين، إلى انخفاض ملموسٍ في أعداد دور النشر والمكتبات في الأردن، ويعزو ذلك إلى عدة أسباب منها تقليد الكتب واستنساخها، إضافة إلى تدني نسب القراءة، حسبما يعتقد.

أما الحل برأيه فيكمن في أن تأخذ الدولة على عاتقها التحقيق والبحث عن النسخ المقلدة. ويقول إنه يعرف أبرز المقلدين في «السوق السوداء» للكتب،  لكنه رفض الكشف عن الأسماء بحجة عدم وجود دليل يقدمه أمام القضاء، «هذا واجب الدولة» يقول.

أسطورة الدقائق السّت

في ظلّ شحّ الإحصائيّات التي تقيس معدل القراءة في الوطن العربيّ، ووجود دراسات أخرى مجهولة المصدر، كانت الدراسات التي تعتمد على إحصائيّات بيع الكتب الأصليّةهي الدليل الوحيد على معدل القراءة. من بين تلك الدراسات ما ظهر في التقرير العربيّ الأوّل للتنمية الثقافيّة الصادر عن مؤسسة الفكر العربيّ الذي تُعتمد أرقامه كثيرًا في وسائل الإعلام عن معدلات القراءة «المفجعة» حيث خصصت هذه الصفحات لعمل مقاربة لبعض مشكلات حركة التأليف والنشر.

يتحدث التقرير عن «أن علاقة القارئ العربيّ بالكتاب تتخللها صعوبات وأعراض سلبيّة»، ويخلص في النهاية إلى وجود «وضع مأساوي» للقراءة عند العرب. التفاصيل التي اعتمد عليها التقرير تأتي على النحو التالي: قسمة عدد سكان الوطن العربيّ (332,337,000 نسمة) على عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب في الوطن العربيّ (بين 1000-50,000 نسخة)، ولنتائج أكثر دقة قام التقرير بتنحية من هم دون سن الخامسة عشر على فرض «أنهم لم يتقنوا القراءة بعد ولم يُقيموا صلة بالكتاب»، لذا ستكون النتيجة كالتالي: لكل 55,389 عربي نسخة واحدة من كل كتاب يطبع.

هكذا أَطلقت بعض التقارير الشاملة حول واقع النشر والقراءة على مدى سنوات، بالاعتماد على سوق بيع الكتب المشروعة فقط، أحكامًا بحق المواطن العربي، وأنه لا يقرأ أو ذو معدل قراءة منخفض. لا أنفي ولا أؤكّد هذه الأرقام، لكنها تظل موضوع شكٍّ طالما لم تأخذ في الحسبان حجم القراءات عن الكتب المقلدة، والتي بلا شكّ سترفع معدل القراءة في حال احتسابها نظرًا لأن الطلب يزداد في السنوات الأخيرة على الكتاب المقلد بشكل أساسيّ.

يقول عيسى، أحد تجار الكتب المقلدة: «كلّ ما نبيعه ليس نسخ أصليّة، الكتب الأصلية لها أهلها، وهم قلّة، واحد بالألف من يطلب نسخة أصليّة، بسبب عدةّ أسباب أهمّها انخفاض تكلفة الكتاب المقلد، بالإضافة إلى أنَّ هذه النسخ المقلدة ساعدت القرّاء على اقتناء أعمال كاملة للكتاب حول العالم، (..) والجودة النسبيّة التي تتمتع بها إذ لا فرق كبير بين النسخ الأصلية والنسخ المقلدة».

لا يعرف القارئ بالعادة الفرق بين النسخة الأصلية والنسخة المقلّدة من ذات الكتاب؛ فعمليات التقليد المحترفة تكاد تذيب أي فروقات ملموسة. «القارئ في الأردن يهتم بالمتن لا بالشكل» يقول عيسى عن عادات زبائنه في طلب الكتب.