هوليوود معكوسةً: فضيحة الاستعمار وهزيمته في «آڤاتار»

الجمعة 18 آب 2017

* تنشر هذه المقالة بالتزامن مع مجلة «السينمائيّ»، وهي مجلة سينمائيّة ورقيّة تصدر عن نادي الجسرة الثقافيّ في قطر، وتوزّع عربيًّا بشكل مجانيّ كبادرة لدعم الثّقافة السينمائيّة في العالم العربيّ.

ثمّة تحيّز واضح في السينما الأميركيّة، الهوليووديّة منها على وجه الخصوص، ضد «الآخر»، الذي هو -بالتّعريف العموميّ-: غير الأبيض (العربيّ، ولكن أيضًا الشرق-آسيويّ، والإفريقيّ الأسود، والسّكان الأصليين للمستعمرات).

هذا الآخر هو بالضّرورة: همجيّ، متخلّف، إرهابيّ، أدنى معرفيًّا وأخلاقيًّا وتقنيًّا، شَبِق، غريزيّ، أقرب إلى الحيوانيّة؛ جزءٌ من أشياء الطّبيعة التي يستعملها «الإنسان المتحضّر الأبيض» من أجل التقدّم والرّخاء، وهذان لا يتحقّقان إلا عندما «يتحضَّر» الهمجيّ، أي يخضع، ويتبنّى طُرق البيض وأساليبهم، وهيمنتهم، وينخرط في الدّور المحدّد له اقتصاديًّا كمُستغَلّ؛ ويظلُّ رغم ذلك دونيًّا، بدرجة أدنى، إذ تَحُول جيناته، ووضعه الاقتصاديّ الاجتماعيّ، والحمولة التاريخيّة المركّبة عليه، عن تحوّله الكامل -مورفولوجيًّا، شكليًّا؛ وطبقيًّا- إلى أبيض.

الرّجل الأبيض -في المخيال السينمائيّ الهوليووديّ الرّائج- لا يعترف ببشريّة غيره، ولا بوجودهم المستقلّ عن الطّبيعة (باعتبار الطّبيعة موضوعًا للفعل، والاستغلال، والتوظيف)، فهو من «اكتشف» العالم الجديد رغم وجود ملايين السّكان من الشّعوب الأصليّة فيه سلفًا؛ وهو يعتبر المستعمرات أرضًا يبابًا، فارغةً، مِلْكُ لا أحد، أماكن عذراء تنتظره ليفتضّها.

والرّجل الأبيض -في المخيال السينمائيّ الهوليووديّ الرّائج- بطلٌ دائمًا، متفوّقٌ دائمًا، هو المنقذ والمخلّص. حتى في تلك الأفلام التي تحمل نقدًا للاستعمار أو فظائع الحروب العدوانيّة أو التدخّل، يكون أحد البيض مفتاحَ الخلاص، حامي الفقراء والمضطهَدين، أمّا المضطهَدون أنفسهم، الملوّنون، فهم كومبارسٌ لبطولته الفذّة، خلفيّة لشمائله الفريدة، موضوعٌ لأخلاقه النّبيلة، خائفون، متوجّسون، متردّدون؛ لا وجود لهم على المستوى الثّقافيّ أو الحضاريّ.

فيلم «آڤاتار» (أو «المُتجسّد») للمخرج جيمس كاميرون، من إنتاج 2009، هو الاستثناء الفريد لأغلب ذلك. ورغم أنّه فيلم هوليووديّ بامتياز من حيث نفقات الإنتاج الضّخمة (237 مليون دولار)، والتّقنيّات الإبهاريّة المستخدمة، وحبكة الفيلم التشويقيّة، وجرعات الآكشن العالية، واعتلائه قوائم الأفلام الأكثر مشاهدة، والإيرادات الهائلة التي حقّقها (2.8 مليار دولار)، إلا أنّه يقع على النّقيض من أغلب القيم البيضاء المحافظة التي تمثّلها هوليوود بشكل عامّ.

الرّجل الأبيض في الفيلم مُستعمِرٌ لا يعرف الرّحمة، مُسلّحٌ بأكثر التّقنيّات تدميرًا، جاء لينهب ثروات كوكب «جديد» اسمه باندورا، والثروة تتمثّل بمعدنٍ ثمين يُستخرج من باطنه اسمه: أونوبتونيوم. الآمر النّاهي على باندورا هو شركة التّعدين، ومديرها؛ أمّا الجيش المكلّف بالحماية فهو من المارينز النّظاميّين (على الأرض)، لكنّهم (في باندورا) خاضعون لسلطة الشّركة ويتقاضون رواتبهم منها: مرتزقة، يستخدمون تفوّقهم التّكنولوجيّ، خصوصًا الطائرات والقصف، لإخضاع السّكان الأصليّين الذين يسمّونهم بوصف دالّ: Sky people، أولئك القادمون من الجوّ/من السّماء.

 العناصر مكتملةٌ بوضوح غريب: الاستعمار للنّهب، العسكر في خدمة رأس المال، الأنثربولوجيا والعلوم كمدخلٍ لتسهيل الاستعمار والتجسّس، شيطنة السّكان الأصليّين لنهب أرضهم، ووحشنتهم لتبرير استعبادهم.

يبدأ الفيلم بإعلان المستعمِرين الكلاسيكيّ عداءهم للطّبيعة (المتوحّشة التي ينبغي ترويضها وإخضاعها). «هناك فيما وراء السّياج، كلّ شيء حيّ، يزحف، أو يطير، أو يربض في الوحل، يبغي قتلكم وأكل أعينكم كتحلية» هذه هي التّعليمات الموجزة التي يستقبل بها قائد المارينز على الكوكب الدُّفعة الأخيرة من الجنود الواصلين، ومن ضمنهم بطل الفيلم جيك سولي (الممثّل سام وورثنغتون)، الجنديّ المُقعد المصاب بعموده الفقريّ، والذي يمكن علاجه، «لكن ليس بالمعونات التي يتلقّاها المحاربون القدامى؛ ليس بهذا النظام الاقتصاديّ» الرأسماليّ، الاستغلاليّ، يستطيع المشاهد أن يُكمل.

والشّركة لا تستعين بالمارينز (بالعنف) فقط، بل تملك مجموعة من العلماء الذين يدرسون عادات وطرق السّكان الأصليّين («المتوحّشون الذين يعيشون فوق الأشجار» مجرّد «قرود زرقاء اللّون»)، وذلك لـ«كسب قلوبهم وعقولهم،» واستمالتهم لتحييدهم، واحتوائهم بتعليمهم الإنجليزيّة، واختراقهم بنقل المعلومات عنهم للقيادة. والشّركة تموّل برنامجًا علميًّا يدمج جينات السّكان الأصليّين بجينات بشريّة لينتج ال آڤاتار (المُتجسّد): جسد بيولوجيّ مطابق لشكل السّكان الأصليّين، يمكن للإنسان «قيادته» عصبيًّا عن بعد، ويُسهّل الاختراق. «الأونوبتونيوم هو سبب وجودنا هُنا، وهو الذي يدفع ثمن علومكِ» يقول مدير الشركة لرئيسة الفريق العلميّ المتعاطفة مع السّكان الأصليّين، موضحًا لها موقعها (وموقع علومها) الحقيقيّ من الإعراب.

إذًا، العناصر مكتملةٌ بوضوح غريب: الاستعمار للنّهب، العسكر في خدمة رأس المال، الأنثربولوجيا والعلوم كمدخلٍ لتسهيل الاستعمار والتجسّس، شيطنة السّكان الأصليّين لنهب أرضهم، ووحشنتهم لتبرير استعبادهم.

أما على الجانب الآخر، جانب السّكان الأصليين، فالأمور بذات الوضوح. ليسوا كومبارسًا، ليسوا سذّجًا، بل هم شعب له اسم: النّاڤي، ولهم لغة (تم اختراعها خصّيصًا للفيلم من قبل البروفيسور بول فرومِر، ولها خصائص صوتيّة وقواعد لغويّة وقاموس يترجمها إلى الإنجليزيّة، ويمكن تعلّمها من خلال موقع إلكترونيّ)، ولهم حضارة متكاملة يقدّمها الفيلم بمرجعيّة ذاتها، وبعيونها هي، لا بمرجعيّة الرجل الأبيض وعيونه المتلصّصة.

والنّاڤي كائنات أخلاقيّة، ذات حساسيّة عالية تجاه الطبيعة وموجوداتها الأخرى، وتعتبر نفسها (كما هي مجمل فلسفات السّكان الأصليّين فيما يعرف الآن بالأمريكتين وأستراليا) امتدادًا للطّبيعة الأمّ (تدعى «إيوا» بلغة النّاڤي)، جزءًا منها، لا مهيمنة عليها. ويمكن للنّاڤي الارتباط ماديًّا بالطّبيعة والحيوانات من خلال «الرابط» («تساهيلو» بلغة النّاڤي)، وهو نوع من المجسّات الموجودة في جدائل شعرهم؛ والعلاقة بين الإنسان والحيوان ليست علاقة ترويض واستعباد، بل علاقة اختيار متبادل: يختار النّاڤي مطيّته وهي تختاره، ودون انعقاد هذا «القبول المشترك»، لا تستكمل العلاقة.

النّاڤي يفهم الطّبيعة، ينساب معها، يمرّ خلالها دون أن يصدر عنه صوتٌ أو ينتج عنه ضرر؛ بينما المستعمِر على عداء مع الطّبيعة، يعاملها بنزقٍ وعنف، يسحقها بآلاته وصواريخه، يحفرها بجرّافاته، ويلوّثها بمصانعه. أوّل اصطدامٍ في الفيلم يقع بين المستعمِر والطّبيعة، وتنقلب فيه المفاهيم والصّور النمطيّة الرّاسخة: بعد أن يتصرّف ببلاهة وولدنة، يستثير جيك سولي حيوانات الغابة، ثم يضيع داخلها، ولا ينقذه سوى تدخّل واحدة من النّاڤي، نتيري، ابنة زعيم القبيلة.

المستعمِر هنا جاهلٌ (بالطّبيعة)، بدائيّ (لا يعرف كيف يتعامل معها)، تائهٌ، ساذجٌ وأبله («كالطّفل، تُصدر الضجيج، لا تعرف ما أنت فاعله»)، همجيّ وعنيف؛ وهذا واقع حاله وحال الاستعمار؛ بينما المحليّة/الملوّنة /ذات الذّيل، عارفةٌ، حكيمةٌ، «إنسانيّة» في تعاملها مع الحيوانات، والطّبيعة، والمستعمِر نفسه. وبقدر ذهاب الفيلم إلى حيونة النّاڤي جسديًّا (لهم ذيول، وجوههم تشبه القطط، لونهم أزرق، جلدهم مخطّط)، إلا أنها حيونة معكوسة حين يقدّم الفيلم هذه «الحيوانات» باعتبارها أكثر «إنسانيّة» بكثير من الإنسان/المستعمر/الأبيض الذي يتلقّى بهذا التصوّر إدانة مزدوجة.

في «آڤاتار» ينظّم السكّان الأصليّون أنفسهم، وتتوحّد قبائلهم، ويخوضون معركةً عنيفة تنضمّ إليهم فيها الطّبيعة نفسها، بحيواناتها وطيورها، ليُلحقوا هزيمة كاسحة بجيش الغزاة وشركة التعدين التي تدفع رواتبهم.

ولا يخجل الفيلم من طرح سبيل دفع مثل هذا الاستعمار بلا مواربة: القوّة المسلّحة. في «آڤاتار» ينظّم السكّان الأصليّون أنفسهم، وتتوحّد قبائلهم، ويخوضون معركةً عنيفة تنضمّ إليهم فيها الطّبيعة نفسها، بحيواناتها وطيورها، ليُلحقوا هزيمة كاسحة بجيش الغزاة وشركة التعدين التي تدفع رواتبهم، وينسحب المستعمِرون -بمشهدٍ مذلٍّ يذكّر بالهزيمة الأميركيّة في فيتنام- تحت نصال الحراب وفوّهات البنادق. هنا فقط يعود الفيلم إلى الطروحات الهوليووديّة التقليديّة، فمن يقود المقاومة المسلّحة هو جيك سولي، المارينز السابق، بعد أن يُرفّعه الفيلم إلى مرتبة المخلّص. لكن ما يشفع للفيلم هنا مسائل ثلاث: الأولى أن الفيلم يمتدّ على مدار أسابيع، وليس سنين وعقود، مما يتطلّب إيجاد شخص يعرف العدوّ (المستعمِر) وأسلحته ونقاط ضعفه من الدّاخل؛ والثّانية تحوّل جيك سولي ثقافيًّا وحضاريًّا إلى جزء من شعب النّاڤي عبر صيروة تفكيكيّة، أو عكس-تعليميّة (unlearning)، وفيها يتخلّى جندي المارينز السّابق عن مفاهيمه البيضاء، و«يتعلّم» طرق الأصليّين، و«يتحوّل» ثقافيًّا، والثّقافة -كما نعلم- هي إحدى أهم نقاط الاستعلاء التي يستخدمها المستعمِر لشرعنة استعماره، إذ يقدّم نفسه كأداة تاريخيّة لتمدين وتحضير «الهمج»، فاقدي الثّقافة والحضارة (لاحقًا: لتعليمهم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان).. الفيلم يقدّم اعترافًا بأن ثمّة «ثقافة» و«مدنيّة» على الجهة الأخرى، وهي ثقافة يمكن التعلّم منها بل والانتقال إليها؛ والثّالثة (وهي الأهمّ) أن جيك سولي، بعد أن يحوّل ولاءَه إلى النّاڤي وينبذ ارتباطاته الاستعمارية، يمرّ في نهاية الفيلم بتحوّل آخر، أشمل، لا على الصعيد الفكريّ، فهذا تحقّق منذ انضمامه إلى المقاومة المسلّحة للنّاڤي، بل يتحوّل جسديًّا، مورفولولجيًّا، مظهريًّا، ليحلّ بالكامل في جسد ال آڤاتار، جسد السّكان الأصليّين، وينبذ جسده الأبيض، جسد المستعمِر. الجسدُ (شكلًا، ولونًا، وجنسًا) هو مسألة معطاةٌ سلفًا، محمّلة مباشرة بالمعاني المسبقة التي تشكّلت عبر تاريخ طويل من القهر الذي كتب المنتصرون -غالبًا- روايته ودلالاته: الأسود يحمل من المعاني والصّور والانطباعات النفسيّة أكثر بكثير من اللّون الذي يشير إليه. وفوق العبء التاريخي للتّعريفات التي قدّمها الاستعمار وثبّتها إلى درجة الاستحضار شبه الأوتوماتيكيّ للمعنى المطبوع /المطبَّع، هناك الحمولة التاريخيّة الماديّة لآثار الاضطهاد: سوء التغذية، الأمراض، محدوديّة فرص التّعليم، الفقر، وحقيقة أن تقدّم المضطهَد في مجتمع المضطهِد تكون من خلال تبنّي قيم ومؤسسات وآليات هذا الأخير. التحوّل الجسدّي إذًا هو التماهي الكامل مع المضطهَدين، التخلّي النهائي عن الامتياز المباشر الذي يقدّمه جسد المستعمِر في حيّز الصّراع، وتبّني الموقع النقيض بكامل الظّلم والصّور المسبقة والتاريخ الطويل من التشويه المفاهيميّ والماديّ الواقع عليه.

الشّاعر اليهوديّ المغربيّ سامي شلوم شطريت كان قد وقف أمام هذه المعضلة المعقّدة في قصيدته «جداريّة بلا جدار»، بعد أن نبذ الصهيونيّة وغادر «إسرائيل»، إذ يقول فيها مُخاطباً محمود درويش: «أنا أقرأُ أشعارَكَ كلوائحِ اتّهامٍ، وأُقرُّ بذَنْبي عن كلّ تهمةٍ،
في كلّ مرةٍ من جديد، وألفُ احتجاجٍ واحتجاجٍ من جانبي لن يفيدَ، لا ضدّ الصهاينة الشيوخِ ولا ضدّ الشباب، الأشكينازِ منهم والمزراحيم، بيضًا وسودًا ـ فأنا واحدٌ منهم لأنّي لستُ واحدًا منكم» قدّم الفيلم حلًّا متخيَّلًا لهذه المُعضلة: التحوّل الجسديّ الكامل إلى «واحد منكم».

أعضاء مجتمع المستعمِرين، حتى ولو كانوا متعاطفين مع من يستعمرونهم، لن يستطيعوا التخلّص من الامتيازات التي يتمتّعون بها (ومنها مثلًا امتياز مناهضة دولتهم/مجتمعهم دون دفع ثمنٍ عالٍ)، أو التخلّص من الحمولة التاريخيّة للون بشرتهم، أو الحمولة التاريخيّة لألوان بشرة الآخرين، أو موقعهم الطبقيّ في سلسلة الاستغلال. قد يكون مستحيلًا -في العالم الموجود خارج الأفلام- مغادرة صيغة المستعمِر جسديًّا (كما يقدّم « آڤاتار» في لفتته الذكيّة)، لكن المغادرة الجغرافيّة متاحة بالفعل، فالجغرافيا هي جسد أي مشروع استعماريّ استيطانيّ، لحمه ودمه، موارده ودولته ونظامه، هويّته، والتجسّد الماديّ لأرض ميعاده وتاريخه المزوَّر: ملامحه الشكليّة من جهة، وأداة فعله من جهة ثانية؛ لهذا تصبح مغادرتها هي النظير الممكن لطرح الجسد الأبيض الاستعماريّ.

يبدأ الفيلم بلحظة «استيقاظ»: استيقاظ جندي المارينز جيك سولي من التّجميد الذي خضع له ليقطع الرحلة الطويلة بين كوكب الأرض وكوكب باندورا؛ وينتهي الفيلم بلحظة استيقاظ أعمق: استيقاظ جيك سولي في جسدٍ جديد، أزرق اللون، مخطّط، له ذيل طويل، تاركًا جسده الأبيض القديم ليتحلّل في طبيعة الكوكب الجديد. الاستيقاظ يعني الوعي، والاستيعاب، والرؤية: «أراك…» هذه هي تحيّة الناڤي بعضهم لبعض، وهي رؤية تتجاوز السّطح لتنفذ إلى أعماق علاقة الكائن الواعي بالطّبيعة، بالنظام الإيكولوجيّ، باستمرارية الكون في كلّ الأشياء الحيّة وغير الحيّة. هذه الرّؤية هي التي نجح جيمس كاميرون بتحقيقها على عدّة أصعدة، مبتدئًا من تفكيك الأكاذيب التي يقدّمها الاستعمار كمبرّر لنهب واستعباد الآخرين، وتوضيح همجيّته الحقيقيّة في مغادرةٍ لما هو سائد في أفلام هوليوود، ومنتهيًا بقراءة «الآخر» كثقافة وحضارة قائمة بحدّ ذاتها، تملك طرقها التي هي (في كثيرٍ من الأحيان) أكثر أخلاقيّة من طرق مُدّعي التفوّق.

من الجائز أن نقول أن « آڤاتار» قد وقع في مسقط الرَّمنسة شبه الكاملة لمجتمع المستعمَرين، لكن أمام الهيمنة شبه الكاملة لصوت المستعمِر، واقتصار نقد الخطاب المُهيمن على دوائر محدودة ونخبويّة في الغرب، يغدو هذا الاعتراض على فيلم بهذا الحجم، أُنتج أساسًا كفيلم تجاريّ للاستهلاك الواسع يتيح له الوصول إلى شريحة هائلة من المشاهدين العاديّين (وهو ما تمّ)، هامشيًّا.


إحالات:

جميع الجمل الواردة بين مزدوجين كاقتباس في النصّ هي ترجمة الكاتب لعبارات من الفيلم.

لتعلّم لغة النّاڤي: https://learnnavi.org

للمزيد عن فظائع الاستعمار وجرائمه تجاه السّكان الأصليّين، راجع: منير العكش،«حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعيّة»، بيروت: رياض الريس، 2002؛ وثلاثيّة سْفِنْ لِنْدْكفست (بالإنجليزيّة): «رحلة صحراويّة»، «أرضُ لا أحد»، «تاريخ القصف بالقنابل»، لندن: جرانتا. والكتاب الأخير يشرح باستفاضة استخدام الجوّ والطيران والقصف كوسيلة أساسيّة لإخضاع المستعمرات وسكّانها الأصليّين.

سامي شلوم شطريت، «جداريّة بلا جدار» نقلها عن العبريّة إلى الإنكليزيّة: دينا شونرا، ونقلها عن الإنكليزيّة إلى العربيّة: سماح إدريس، وقارنها بالأصل العبريّ: أنطون شمّاس، «الآداب»، العدد 7/8/9، 2008، ص 15.