«دنكيرك» و«أرض اللغم»: تثبيت الذاكرة في مواجهة نبشها

الأربعاء 16 آب 2017
لقطة من فيلم دنكيرك.

منذ أن بدأ عرض «دنكيرك» في دور السينما البريطانية، قبل أسبوعين، حظي الفيلم المتربع في صدارة قائمة الإيرادات، بحفاوة نقدية وجماهيرية استثنائية. فبالإضافة إلى الاحتفاء بالتقنيات الهائلة للفيلم، التي وظفها مخرجه الأمريكي البريطاني، كريستوفر نولان، لإنتاج تجربة بصرية شديدة الكثافة والإبهار، فإن حالة من النوستالجيا اجتاحت وسائل الإعلام.

تسابقت الصحف البريطانية على نشر صور أرشيفية لعملية إجلاء قوات الحلفاء المحاصرة في منطقة دنكيرك، على السواحل الفرنسية إلى إنجلترا، وعلى نشر حوارات مع جنود سابقين، ممن شاركوا في المعركة. أمّا مصطلح «روح دنكيرك»، الذي استخدمه بعض الساسة البريطانيين العام الماضي لحث الناخبين على التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء، فسرعان ما استعاد بريقه.

لكن الأمر لم يخلُ من بعض النقد بالطبع، فبالإضافة إلى انتقاد سردية الفيلم، التي استسلمت للرواية الرسمية للمنتصرين ولبروباغندا الحرب حينها، والتي صورت هزيمة الحلفاء في فرنسا، وانسحاب قوّاتهم، بوصفها انتصارًا، عبّر البعض عن الإحباط من تحول مشاهد العنف والموت، التي بدت وكأنها إدانة للحرب وكشف عن أهوالها، في النصف الأول من الفيلم، إلى مبرر للاحتفاء بها وتمجيد بطولاتها في النصف الثاني منه.

ربما يوجّه هذا النقد إلى الرسالة المتضمنة في حبكة الفيلم، لكن الرواية التاريخية نفسها كانت محل شك. ومع أن الفيلم أشار في البداية إلى توجّه البحرية البريطانية لمصادرة آلاف المراكب الصغيرة التي يمتلكها مدنيون للمشاركة في عملية الإجلاء، إلا أنه عاد وتماهى مع السردية الرسمية التي ادّعت أن مشاركة هذه المراكب كانت هبّة جماهيرية، عفوية وطوعية.

ذهبت صحيفة الغارديان، في إحدى مراجعاتها للفيلم، إلى حد اتهامه بالترويج لبروباغندا البريكزت (خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي)، فبريطانيا، مرة أخرى، تقف وحيدة وبمفردها، ولا أمل لها سوى في الصمود أمام الخطر، متسلحةً «بروح دنكيرك»، والتي ستنتهي بها قطعًا بالانتصار. وبالرغم من المبالغة في هذا الادعاء فإن هناك ما يبرره؛ في أحد المشاهد مثلًا، يحاول جندي فرنسي الصعود إلى إحدى سفن الإجلاء البريطانية، فيمنعه ضابط بريطاني، قائلًا: «السفن الإنجليزية للإنجليز، والسفن الفرنسية للفرنسيين».

تعرّض الفيلم كذلك لانتقادات بسبب المركزية الأوروبية في بصرياته، حيث أنه تجاهل تضحيات فِرق جنود المستعمرات البريطانية والفرنسية في الحرب العالمية الثانية، والذين علق آلاف منهم على سواحل «دنكيرك»، وخلت مشاهد الفيلم، التي ضمّت ألوفًا من الجنود، من وجه ملون واحد.

مطلع الأسبوع الماضي، بدأت قاعات السينما البريطانية بعرض فيلم آخر عن الحرب، من إنتاج دنماركي ألماني مشترك، هو «أرض اللغم». تدور أحداث الفيلم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عام 1945، وإجبار السلطات الدنماركية ألفين من أسرى الحرب الألمان، معظمهم من المراهقين، على إزالة مليوني لغم أرضي زرعتها قواتهم على الساحل الغربي للدنمارك، وهو الأمر الذي انتهى بمقتل نصفهم على الأقل، أو فقدان أطرافهم بفعل الانفجارات.

لا يسع المرء سوى المقارنة بين الفيلمين، فكلاهما عن الحرب، وعن ذاكرتها، بالإضافة إلى توقيت عرضهما المتزامن (مع ملاحظة أن فيلم «أرض اللغم» من إنتاج العام الماضي)، واعتماد كليهما على الحد الأدنى من الحوار لصالح كثافة الجانب البصري. باستثناء ذلك، لا يوجد كثير مشترك بين الفيلمين. ففي مقابل «دنكيرك» الذي لا يظهر فيه العدو على الإطلاق، ولا يوجد فيه مشهد واحد يظهر فيه جنود ألمان، تتمحور سردية «أرض اللغم» حول تلك المواجهة الشخصية والكثيفة بين  عدد من المراهقين الألمان الأسرى والسيرجنت الدنماركي «راسموزين»، الموكل إليه إجبارهم على إزالة الألغام، دون أي تجهيزات، سوى بعض الأسياخ المعدنية، والقليل من التدريب، الذي قتل بعضهم أثناءه.

هكذا، بينما يقدم «دنكيرك» رواية المنتصرين عن أنفسهم مع نفي الآخر خارجها تمامًا، فإن «أرض اللغم» يقدم رواية مشتركة بين المهزوم والمهزوم أكثر، فالدنمارك التي احتلتها القوات النازية لم تخرج منتصرة من الحرب سوى بدخول قوات الحلفاء إلى أراضيها.

«أرض اللغم» لا يدّعي الكشف عن الحقيقة، عبر رواية القصص المنسية من الذاكرة الوطنية عمدًا عن الحرب وما بعدها، بل الكشف عن نسخ الحقيقة المتشابكة والمتعارضة في آن واحد.

ينبش كاتب الفيلم الدنماركي، مارتين زاندفلايت، تحت الرمال، (الاسم الأصلي للفيلم في نسخته الدنماركية هو «تحت الرمال»)، لا للكشف عن الألغام فقط، بل للبحث عن رواية العار الوطني، عبر مشاهد شديدة القسوة من العنف والإذلال والتجويع المتعمد للأسرى الألمان. لكن الفيلم لا يدّعي الكشف عن الحقيقة، عبر رواية القصص المنسية من الذاكرة الوطنية عمدًا عن الحرب وما بعدها، بل الكشف عن نسخ الحقيقة المتشابكة والمتعارضة في آن واحد. فالحيلة اللغوية المستخدمة في عنوان الفيلم في نسخته الإنجليزية (Land of Mine)، والتي يمكن ترجمتها إلى كل من «أرض اللغم» أو «أرضي»، تكشف عن المعاني المتوازية للمهمة المميتة التي يدور حولها الفيلم، في أذهان الأسرى الألمان من جانب، والضابط الدنماركي من جانب آخر.

امتعض النقاد البريطانيون من «أرض اللغم»، فالفيلم يقدم خطة إزالة الألغام بوصفها اقتراحًا بريطانيا، فيما يظهر أحد القادة البريطانيين وهو يتبول على الأسرى الألمان، ويجبرهم على لحس مؤخرته العارية، بهدف إذلالهم. وبالطبع تلك المشاهد، تبدو متعارضة مع «روح دنكيرك» وبطولاتها.

أما على الجانب التقني والجمالي، فإن المقارنة بين الفيلمين تكشف عن تمايزات السينما الأمريكية فائقة الإمكانيات في مقابل نظيرتها الأوروبية، وميزانياتها المتواضعة نسبيًا. ففي مقابل «دنكيرك» الذي استعان بآلاف الممثلين الصامتين، وبتقنيات هائلة لتصميم مشاهد المعارك ببراعة فائقة، فإن «أرض اللغم» اقتصر على حوالي عشرين ممثلًا، وموقعا للتصوير يحتوي على بيتين ريفيين لا أكثر.

لكن وفي مقابل البراعة الاستعراضية التي يوظفها نولان عبر مئات الانفجارات، وأصواتها التي تصم الأذان، ومئات الجثث الغارقة والممزقة والمحترقة، والتي لا يتبقى منها في الأذهان، بعد الخروج من الفيلم، سوى شعور بالانبهار سرعان ما يتم نسيانه، فإن الاقتصاد في مشاهد الانفجارات في «أرض اللغم»، والتي لم تتجاوز الستة -أحدها صامت- تم تكثيفها عبر شخصنة ضحاياها، وتأجيل وقوعها مشهدًا تلو الآخر، بعد استنفاد كل الاحتمالات الممكنة لحدوثها، بحرفية إخراجية فريدة. ففي كل مرة بدا الانفجار متوقعًا، لكنه مفاجئ واستثنائي وغير ممكن في الوقت نفسه، ليحفر أثرًا لا يمكن نسيانه بسهولة من الفجيعة والهلع شديدي الحميمية.

«سنحارب على الشواطئ، وسننازل العدو في المهابط، سنبارز العدو في الميادين وسنشتبك في الشوارع…فإذا استمرت الإمبراطورية البريطانية والكومنولث في الوجود لآلاف السنين، سيقول الرجال أن تلك اللحظات هي أروع اللحظات التي مرت بهم»، هكذا يختتم نولان فيلمه، بقراءة خطبة تشرشل الشهيرة على لسان أحد الجنود، بوعد باستمرار الحرب، وضرورتها، وثبيت لذاكرة المنتصرين، وأمل في استمرار الإمبراطورية، واحتفاء بروعة الحرب ولحظاتها.

ينتهي فيلم «أرض اللغم» بمشهد ركض أربعة من الأسرى الألمان عبر الحدود، تاركين وراءهم، الضابط الدنماركي الذي نجح في تهريبهم، متحديًا أوامر قيادته، وجثث رفاقهم العشرة الذين قتلوا أثناء مهمتهم المميتة، ومعها ذكرياتهم وقصصهم التي كتب لها أن تدفن معهم لوقت طويل.