«روما» ألفونسو كوارون: اللقاء الحلو المرّ بالزمن الضائع

الإثنين 07 كانون الثاني 2019
لقطة من فيلم «روما»، من إنتاج نتفلكس وإخراج ألفونسو كوارون، 2018.

تحاول هذه المقالة تفادي مفسدات المشاهدة قدر المستطاع، وتفشل في مواضع كثيرة، فوجب التنويه.

عن «روما»، أكثر الأفلام أصالة وجوهريّة في مسيرته، نال المخرج المكسيكي ألفونسو كوارون (57 عامًا) جائزتي «غولدن غلوب»، صباح اليوم. حاملًا جائزة أفضل مخرج بيد، وجائزة أفضل فيلم «أجنبيّ» في اليد الأخرى، وقف أمام الصحافيين بعد الفوز، ليقول إنّ فيلمه المعروض على «نِتفلِكس»، «هو أوّل فيلم يدخله من دون خوف، وبرغبة بالمغامرة بكلّ شيء». تصدُّر الفيلم لموسم الجوائز، كان أمرًا غير متوقّع بالنسبة لكوارون، خصوصًا أنّ العمل ناطق بالإسبانية، ومصوّر بالأبيض والأسود، ولا نجوم أبطال بين ممثليه، وينتمي إلى سينما المؤلّف المستقلّة، وكان عرضه في الصالات السينمائيّة حول العالم محدودًا. برأيه، فإنّ نجاحه هذا «دليلٌ على التوق إلى التنوّع [في الأفلام] اليوم، التنوّع في القصص، التنوّع في الشخصيّات، والتنوّع في طرق وأشكال السينما».

منذ فوزه بجائزة «الأسد الذهبي» في «مهرجان البندقيّة» في أيلول الماضي، و«روما» حديث عشّاق السينما. وفي المكسيك، تحوّل إلى ظاهرة ثقافيّة، خصوصًا أنّه أوّل عمل «بلديّ» يقدّمه صاحب «جاذبية» (أوسكار 2014)، بعد نجاحاته الهوليوودية. إنّه فيلم عن الذاكرة متخفّف من النوستالجيا، يتوقّف عند لحظة مهمّة في حياة عائلة كوارون وتاريخ المكسيك عام 1971. يقتطع المخرج سنة من طفولته، تزامنت خلالها الاضطرابات السياسيّة مع الانكسارات العائليّة: جثث في شوارع البلاد وغليان سياسيّ وفوارق طبقيّة حادّة، وفي البيت أبٌ يهجر زوجته وأطفاله الأربعة. ووسط كلّ ذلك مربيّة، هي العمود الفقريّ لعائلة متخلخِلة، يستند الجميع على جسدها الصغير، بينما تحاول هي التأقلم مع مصيبتها، حين يختفي حبيبها ما أن تخبره بحملها.

ثقيلةٌ خطوة الزمن

في «روما»، لا يقطع المخرج حبل ذكرياته الخاصّة، ليتوقّف عند مجزرة، أو حريق، أو هزّة أرضيّة. يترك الزمن ينساب، من دون أن ينتقي أولويّات. المحور الأساسي الوحيد هنا، هو استعادة الماضي بعين الحاضر، كما يتذكّره كوارون، وكما تتذكّره ليبوريا (ليبو) رودريغيز، مربيّته وخادمة العائلة لسنوات، والتي أهدى الفيلم إليها، ومنحها صفة «مؤلّف شريك» في خطاب قبوله جائزة «غولدن غلوب». لعبت تلك السيدة دورًا جوهريًّا في حياة المخرج وأشقائه، وكانت شخصيّة داعمة في كافة مراحل نشأتهم ولا تزال، حتى أنّها ظهرت ككومبارس في بعض أفلامه السابقة. في «روما» يمنحها اسم كليو، بأداء مبهر لجاليتسا أباريسيو (25 عامًا) في أوّل أدوارها، وحولها يبني مادّته السينمائيّة، بوقائعها العظمى وتلك الاعتياديّة.

لا قصّة هنا، ولا عقد لتحلّ، ولا ألغاز لتكشف، وعلى وجه الخصوص، لا حوارات دراميّة تصلح للاقتباس. هنالك فقط زمن يخطو، بكلّ سلاسة وبساطة، وفي طياته، تتداخل على مدى ساعتين القصص الصغيرة بالقصص الكبيرة، الأحداث العامّة بالأحداث الخاصّة، لحظات الرحمة بلحظات القسوة، تمامًا كخيوط النسيج. يحدث كلّ شيء دفعةً واحدة، تمامًا كما نعيشه. انطباع تعمّد المخرج إيصاله، عبر التزامه خطًّا كرونولوجيًّا مستقيمًا للسرد. حتى أنّه لم يعطِ ممثليه وفريقه التقنيّ سيناريو العمل كاملًا. كان يطلعهم على الأحداث يومًا بيوم، ليكتشفوا مصير شخصيّاتهم تمامًا كما تنكشف مصائرنا لنا مع دورة ساعات أيّ يوم عاديّ. في أحد المشاهد، تتناول العائلة الغداء، ويخبر ولدٌ جدته واخوته عن طفل صادفه في الشارع يلعب ببالونات ماء، يرتطم أحدها بعربة عسكريّة، فيترجّل منها جنديّ، ويردي الولد اللاهي قتيلًا برصاصة. يكمل الجميع طعامهم، ويتحدثون عن العلامات في المدرسة، عن ملابس لم تكوَ بعد، عن منع الابنة من أكل الحلويات كي لا تسمن. في مشهد آخر، تنتقي الجدّة لكليو الحامل مهدًا من متجر مفروشات، وإذا بهما تعلقان مع باقي الزبائن وسط مجزرة. من واجهة الصالة المرتفعة المطلّة على الشارع، تنكشف لقطة بانوراميّة لمئات الطلاب يفرّون باتجاه واحد، وخلفهم جنود وآليات عسكريّة، ويتساقط العشرات جثثًا، في مجزرة شهدتها البلاد فعليًّا، صيف العام 1971، وتعرف بمجرزة يوم القربان المقدّس.

يقتطع المخرج سنة من طفولته، تزامنت خلالها الاضطرابات السياسيّة مع الانكسارات العائليّة: جثث في شوارع البلاد وغليان سياسيّ وفوارق طبقيّة حادّة، وفي البيت أبٌ يهجر زوجته وأطفاله الأربعة.

لا بدّ أنّ تكون خلفيّة العمل السياسيّة والاجتماعيّة واضحةً للمشاهد المكسيكي، لكنها ليست كذلك بالنسبة للآخرين، خصوصًا أنّ مصادر معلومات معظمنا عن الصراعات الطبقيّة في المكسيك، يقتصر على مسلسلات التسعينيات المدبلجة، حيث تتزوّج الخادمة الحسناء الشاب الثريّ. في الحقيقة، فإنّ تاريخ المكسيك الحديث أكثر دمويّة من «ماريا مرسيدس» بكثير. تمرّ وطأة الحرب الباردة طاحنة على البلاد، في خضمّ ما عرف «بالحرب الوسخة» (1964-1982). ومع تولّي لويس إيشيفيريا ألفاريز سدة الرئاسة ممثلًا عن «الحزب الثوري المؤسساتي»، يتعمّق الشرخ بين سلطة مدعومة من الولايات المتحدة، وبين يسار يمثّل العمال والفقراء -ومعظمهم من سكان البلاد الأصليين -إلى جانب طلّاب الجامعات الذين قتل المئات منهم في مجازر متفرّقة ارتكبها العسكر وعصابات مسلّحة حليفة.

نساء قويّات ورجال هاربون

يأخذنا كوارون إلى منزل عائلته، في حيّ كولونيا روما، أحد مناطق مكسيكو سيتي الراقية، حيث يعيش مع شقيقَيْه وشقيقته حياة أولاد الطبقة الميسورة: سيارتان، وتلال ألعاب، وبيت بطبقتين ودار، وكتب، ومربية، وطباخة، وسائق، وكلب. كلام الخادمتان قليل، تتحادثان بلغة مختلفة (لغة السكان الأصليين Mixtec) عن لغة أصحاب البيت، وإن أرادتا ممارسة الرياضة قبل النوم، فعلى ضوء الشمعة، في غرفتهما الصغيرة خارج الدار، كي لا تبذّرا الطاقة كهربائية، وتزعجا الجدّة. الأولاد يحبون كليو، تطعمهم، تغسل ملابسهم، تلعب معهم، توقظهم من النوم، تصطحب أصغرهم إلى المدرسة، وتأخذهم إلى السرير وتغني لهم أغاني ما قبل النوم. تشاهد مسلسلًا تلفزيونيًّا مع باقي أفراد العائلة، لكن عليها أن تهبّ للخدمة لأن الأب يريد فنجان شاي. كثير من الحبّ يحيط بكليو، لكن حين تغضب الأم المهجورة، ففي وجهها تصرخ، وحين تنجب مولودتها ميتة، تبكي من دون أن نرى وجهها على سرير المستشفى، أمّا دموع ربّة المنزل وفورات غضبها فحاضرة في الواجهة. وفي حين يتمحور الفيلم حول يوميّات كليو، فإنّ كلامها يبقى قليلًا جدًا، مقابل البناء العاطفي والوجداني الضخم الذي تختزنه، ويرسمه كوارون ومعه الممثلة بتفاصيل لا تحتاج الكثير من الشرح: كليو صامتة تبتسم، كليو صامتة تتأمل كل ما حولها بحبّ، كليو صامتة تركض ببطن حملها المنتفخة خلف الأولاد في الشارع كي لا يختفوا عن نظرها، وتتظاهر أنّها لم ترَ والدهم اللاهي خلف عشيقته عند شباك تذاكر السينما. كلّ مشهد في الفيلم رسالة حبّ وتقدير لتلك السيّدة التي تختزن طاقة حبّ وعطاء نادرة، ونصدّقها، لأنّ الفيلم خالٍ من البكائيات والعواطف المحلّاة الزائدة.

تتداخل على مدى ساعتين القصص الصغيرة بالقصص الكبيرة، الأحداث العامّة بالأحداث الخاصّة، لحظات الرحمة بلحظات القسوة، تمامًا كخيوط النسيج

كلّها تفاصيل لا بدّ أنّ كوارون لم يكن يدركها في طفولته، يستعيدها الآن كمن يحاول تقديم مراجعة هادئة لفهمه للحياة المحدّد بامتيازاته الطبقيّة في تلك المرحلة، معيدًا ترتيب ما فاته. مهمّة صعبة جدًّا، خصوصًا أنّ من يحاول قراءة دوافعهم وفهم تصرفاتهم هم أفراد عائلته، والده ووالدته على وجه التحديد. يعود الرجل الخمسيني بالزمن، محمّلًا بتجاربه، بانكساراته ونجاحاته وهواجسه الذاتية والعامة، يتفرّج على ما كان، وينظر بعين مُسائلة، وحذقة، ومتنبّهة، لكنّها، في الوقت ذاته، لا تفرض أيّ قراءات ولا تسقط على المشاهد أيّ قطعيّات. هكذا، حين تسأله إحدى الصحافيّات في مؤتمر ترويجيّ للفيلم، عن سبب كتابته شخصيّات نسائيّة قويّة وذكيّة ومعطاءة، بينما الرجال في الفيلم ضعفاء، وهاربون، يجيب ببساطة أنّه لم يتعمّد تأويلًا واحدًا، بل ترك للمشاهدين اختيار ما يمسّهم في القصّة. وهذه في الواقع، قيمة أفلام مثل «روما» في قدرتها على توحيد التجربة الإنسانيّة، حتّى مع اختلاف الثقافات والسياقات. يلامس «روما» مشاعرنا في مساحات نعرفها جيّدًا، على اختلاف التجارب الإنسانيّة وتنوّعها: عائلات محطّمة، آباء بخلاء عاطفيًّا، حب غير متبادل، أحباء لا يمتلكون الشجاعة الكافية للبقاء، نساء مهجورات، وفي الخلفيّة بلاد تغلي. في كليو جوانب أليفة، حتى لمن لم يختبر الحياة في مكسيك السبعينيات. تشبه في صمتها وعطائها الخادمات الآسيويات والإفريقيات في منازل العائلات العربيّة الميسورة: تربين الأطفال، تنظفن المنزل، تنزهن الكلاب، وإن كانت إحداهنّ محظوظة، يحبها الجميع، ويعاملونها كأحد أفراد الأسرة، فتكون فردًا من العائلة وكائنًا غريبًا في آن، تمامًا مثل بطلة «روما».

ذاكرة حقبة على طريقة بروست

في إحدى المقابلات الترويجية للفيلم، يصف المخرج زيارته لسنوات طفولته بـ«عبور طيف من الحاضر على محطّات من الماضي»، من والدته المتماسكة تارة والمهزوزة تارةً أخرى على حافة الانهيار العصبيّ، إلى أزقّة الحيّ بباعته الجوالين وفرق الطبل والزمر المحتفلة على مدار الأيّام، إلى سطح البيت والبيوت المجاورة حيث خادمات بتسريحات شعر وملابس متشابهة يدعكن الغسيل وينشرنه. يعيد بناء ذاكرته داخل بعدي الوقت والمكان، فيشكّل المساحات والأماكن والوجوه المألوفة كما يتذكّرها، بأسود وأبيض تعمّده عالي الجودة. تولّى السينمائي إدارة التصوير بنفسه، وكان خياره الفنّي على قطيعة مع رمزيّات الحنين، لذلك أطلّ على ذكرياته بعدسة رقميّة، متفادياً ظهور أي طبقة مغبرّة في نسيج الفيلم. لقطات طويلة، واسعة، بمحور كاميرا ثابت، يصاحب الحركة ببطء في بعض المشاهد، أو يأخذ لقطات أفقية استعراضية للحركة، ليبدو كلّ مشهد في الفيلم صورة فوتوغرافيّة. اللقطات القريبة نادرة، تتوقّف فوق طبق الطعام، تتلصّص على يدي الوالد وهو يركن سيارته الأميركيّة العريضة في باحة المنزل الضيّقة، أو تتوقّف بجانب مكنسة تزيل براز الكلب من دار المنزل. موقف الكاميرا المحايد لا يتغيّر، سواء حين تسقط حجارة من سقف مستشفى فوق حاضنة عناية مركّزة، أو حين ينكسر كأس الخمر قبل أن ترفعه كليو، لتشرب نخب جنينها. ثبات الكاميرا واحد سواء حين ترمي المربيّة نفسها في الموج لإنقاذ أطفال العائلة من الغرق، أو حين ينزع رجل زيّه التنكريّ وسط ألسنة اللهب، ويغنّي بلغة غريبة، وخلفه هرجٌ ومرجٌ من أولاد وأهاليهم وخدم ومزارعين يحاولون إطفاء الحريق. حياد قد تراه بطوليًّا، أو ملحميًّا، أو فكاهيًّا، تبعًا لما تحمله في ذاكرتك من تقاطعات مع ذاكرة المخرج.

في «روما» يصنع كوارون فيلمًا «بلديًّا» مكسيكيًّا في الصميم. نجاح العمل العالميّ، وردود الفعل النقديّة المحتفية به، والجوائز، لا توازي الأثر الثقافي الكبير الذي يخلّفه في المكسيك منذ انطلاق عرضه. يتناول العمل ذاكرة بلاد غير متصالحة مع ذاكرتها، فيعيد بناء مكسيكو سيتي ببيوتها، وشوارعها، وسينماتها، ومدارسها، ومطاعمها، وزحمتها. يفعل ذلك من دون أرشفة أو تأريخ، في تمرين وصفه المخرج في عدد من اللقاءات الصحافيّة، بأنّه بروستيّ، نسبةً إلى مارسيل بروست ورائعته «البحث عن الزمن الضائع». الذكرى تستفزها روائح مساحيق التنظيف، فقاعات الصابون، أصوات الطائرات المدنيّة العابرة في السماء، مذاق البوظة والفراولة، صوت حبّات البرد المتساقط في باحة المنزل، ضجيج الباعة في الشارع، وملصق كأس العالم 1970 في المكسيك، والأغاني المذاعة في الراديو. تفاصيل تتعاظم أهميّتها أو تخبو وفقًا لتقاطعها مع حياة كليو والأسرة من حولها.

مع «نتفلكس» أو من دونها: ما الفرق؟

قبل أن تدخل جاليتسا أباريسيو تجارب الأداء، كان كوارون قد فقد الأمل بإيجاد ممثلة تشبه مربيته ليبو. استوقفته ابتسامة المدرّسة الشابّة فاختارها لبطولة أكثر أفلامه حميميّة، بعدما أرسل «فرق بحث» إلى قرى ولاية واهاكا في جنوب البلاد، حيث تقع قرية ليبو في الأصل. كذلك عند اختيار الممثلة مارينا دي تافيرا التي تؤدي دور صوفيا أو والدته، خاض المخرج المعترك ذاته، إلى أن التقى بوجه يقنعه. لم يقتصر الأمر على اختيار الممثلتين في دوري البطولة، بل امتدّ إلى إعادة بناء منزل عائلته بغرفه ومفروشاته، إلى الشارع المجاور بمساحته وتفاصيله، إلى أشكال الباعة الجوالين أمام صالات السينما وأصواتهم وملابسهم وحتى أنواع الأغراض التي يبيعونها. تمرين «بروستيّ» كما قلنا بامتياز، خصوصًا أن لا موسيقى للفيلم، بل مجرّد أصوات من ذاكرة كوارون وذاكرة مكسيكو سيتي، أعاد تركيبها بعناية مع فريق الصوت، من أبواق السيارات إلى هدير الموج. مجهود جدير بالمشاهدة على شاشة كبيرة، وهو انطباع عبّر عنه على مواقع التواصل كثر ممن شاهدوا «روما» عبر «نتفلكس»، سواء مسّتهم قصّة الفيلم أم لم تمسّهم.

عرض العمل في صالات قليلة حول العالم، واحتفاءً بما فيه من تفاصيل دقيقة، عرض بنسخة 70 ملمتر، في صالات خاصة في بعض المدن الأميركيّة. وعند سؤاله في كواليس حفلة «غولدن غلوب» إن كانت نتفلكس تساهم في قتل فرص الأعمال المستقلّة للعرض في صالات السينما، قال المخرج إن «عرض الصالات بات تجربة أرستقراطيّة، تفضّل نوعًا من الأفلام على أفلام أخرى»، وأضاف إنّ «البثّ على الإنترنت والعروض التقليديّة يمكنهما أن يسيرا جنبًا إلى جنب، لأنّ لكليهما دورًا في تقدّم السينما، وتعزيز التنوّع فيها». هكذا، ووسط البكائيّات على «مصير السينما» من غزو منصّات البثّ على الإنترنت، يأتي نجاح فيلم مثل «روما» كمناسبة ذهبيّة لتصويب النقاش، وتهدئة الهواجس المبالغ بها.

الأكيد أنّ نتفلكس وغيرها من خدمات البثّ أرست عادات مشاهدة جديدة، من المبكر القول إن كانت ستسيء إلى فنون السينما والتلفزيون أو تفيدها. الأكيد أنّها تخلق قنوات إنتاج ومشاهدة بديلة، والأكيد أنّها ليست المسؤولة الوحيدة عن فراغ الصالات من الجمهور. على العكس، فإنّها باتت تتيح فرص وصول وانتشار أكبر لأفلام مستقلة مثل روما، بعيدًا عن شروط شركات الإنتاج العملاقة. في الواقع، سواء مع نتفلكس أو من دونها، ما الذي يتغيّر بالنسبة للمشاهد؟ أليست الكلمة الفصل هنا للسينما الجيّدة، وليس للوسيط؟ فإن كان الفيلم عظيمًا بشخصيّاته وقصّته وخياراته الفنيّة وطرحه، أليس من الأفضل أن تشاهده في المنزل، على ألا تشاهده أبدًا؟