صول| بين ثورتين: الحياة القصيرة للموسيقى الطليعية السوفيتية

الأربعاء 25 تشرين الأول 2017

عندما قدّم المؤلف الروسي إيجور سترافينسكي عمله طقوس الربيع عام 1913 كان من الواضح أن الموسيقى دخلت عالمًا جديدًا، وأن فنًا روسيًا يافعًا قد وُلد وأدار ظهره نهائيًا، وبعنف، للجماليات الأكاديمية التي روجت لها المؤسسات القيصرية في موسكو وسان بطرسبرج. دخل العمل أدبيات الموسيقى الكلاسيكية بوصفه أول باليه قائم على مجموعة بدلًا من بطل فرد، فقصته تحكي الطقوس التي تؤديها قبيلة وثنية روسية كل سنة، والتي تنتهي باختيار عذراء تضحّي بنفسها بالرقص حتى الموت من أجل أن يأتي الربيع. مجازٌ لتفجّر ربيع الحداثة في الموسيقى الكلاسيكية، وربما مع بعض الخيال والمبالغة، نبوءةٌ لربيع ثانٍ من المفترض أنه سيزهر عام 1917.

لكن حتى قبل سترافينسكي، كان مؤلفون روس مثل سكريابين (1871-1915) قد بشروا بهبوب الرياح، وبثورة ليس فقط ضد موسيقى صارت مرتبطة بالبرجوازية وبعواطفها المنفصلة عن الواقع، بل أيضًا ضد الهيمنة الفرنسية التي عشّشت في روسيا منذ أيام بطرس الأكبر، والرومانسية الألمانية التي فرضت نفسها منذ فاغنر.

«موسيقيّو عصرنا سبقوا السياسيين» بحسب آرثر لورييه (1892-1966)، أحد ألمع مؤلفي ذاك الجيل، وصاحب مجموعة تجارب ثورية. من أعمال لورييه الثورية عمله للبيانو أشكال في الهواء، الذي طوّر فيه أسلوب كتابة يلعب على عنوان القطعة ليجزّئ الجمل الموسيقية إلى لحظات تطفو في الزمن. كما تعتبر قطعته هذه من أوائل التجارب الروسية في الموسيقى اللامقامية، أي التي تتحرر للمرة الأولى في التاريخ من المقامات ومن هرميّتها التي تجعل من بعض النوطات في السلم الموسيقي أهم من غيرها.

أهدى لورييه عمله هذا إلى صديقه الشيوعي بيكاسو، حيث كانت تلك الفورةُ التي عاشها الفن في روسيا جزءًا من مدّ حداثي غمرَ العالم الغربي وربطَ التيارات الفنية التحررية ببعضها، كما ربطها بالحاجة إلى يوتوبيا عابرة للحدود واللغات، خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى. كان «التيار المستقبلي» الذي بدأ في إيطاليا أحد معالم تلك اليوتوبيا، حيث وجد صدى فوريًا في روسيا لدى كتاب مثل ماياكوفسكي، ورسامين مثل ماليفيتش، وغيرهم من الفنانين ذوي الميول الماركسية بدرجات مختلفة، أو المؤلفين مثل روسلافتس (1880-1944)، الوريث الأعظم لسكريابين وللغته الهارمونية الملونة والغنية.

استقبل جميع أولئك ثورة 1917 كتتمّة منطقية لثورتهم الفنية. وبالفعل ترافقت السنوات الأولى للحكم البلشفي بتوسع مذهل في مساحة التعبير واستقلالية الفنون وبعودة أبرز المغتربين الروس الذين أسسوا للفن الحديث في أوروبا ليكونوا فاعلين في الحياة الثقافية والتربوية مثل شاجال وكاندينسكي، أو شخصية أخرى أثارت إعجاب لينين وحذره في آن واحد: المفكر الماركسي أناتولي لوناتشارسكي، الذي عُين مفوضًا للتربية، وعين بدوره لورييه رئيسًا للشعبة الموسيقية.

شهدت فترة الازدهار الهشة تلك تجارب موسولوف في بحثه عن جماليات مستوحاة من الإيقاعات الميكانيكية والخامة الصوتية الخشنة للآلات كما في عمله مصهر الحديد، ومحاولات ويشنيجرادسكي الأولى في إبطال السلالم الغربية والعمل على أرباع الأصوات. كما قدّم أفراموف عام 1922 عمله الراديكالي سيمفونية صفارات المصانع التي كتبت لذكرى الثورة الخامسة وقدمت في شوارع باكو وموسكو بمشاركة الشعب والآليات المدنية والعسكرية.

بانتهاء الحرب الأهلية وتفرغ البلاشفة لتثبيت سلطتهم، أفرزت الحاجةُ لـ«ثقافة بروليتارية» فورية وجاهزة لاستهلاك الحشود تيارات جديدة يمكن اختصارها باتجاهين؛ الأول حداثي متطرّف دعا إلى محْو كل ما كان قبل 1917 (دعا أفراموف مثلًا إلى تدمير جميع البيانوهات في الاتحاد السوفيتي، الفكرة التي ستطبقها الصين لاحقًا). أما التيار الثاني الذي لم يقلّ تدميريةً عن الأول، فقد هاجم الموسيقى الجديدة بحجة أن الموسيقى البروليتارية لا تقبل التجريد، وأنها يجب أن تكون نقلًا حرفيًا لنضال البروليتاريا وحياتها اليومية بدون مجازات أو تعقيدات.

استمدّ التياران شرعيّتهما من الاتهامات المتبادلة بالبرجوازية والعمالة للغرب، وكان الأول يدعو مثلًا إلى محو تشايكوفسكي من التاريخ، بينما يحاول الثاني فبركة تاريخ ثوري لتبريره. بكلمات أخرى، وجد الفن نفسه مقابل سرد جديد للتاريخ ينطلق من «أكتوبر»، الذي شكل نقطة الصفر، بينما كل أحدٍ وكل شيءٍ يجب أن يقود إما باتجاهه أو بعكسه، وقيمته تقاس بمقدار اتساعه في ذلك السرد سلبًا أو إيجابًا.

تعامل لوناتشارسكي بدبلوماسية مع تلك الأصوات، مدعومًا بلينين الذي صرّح عام 1920 أن «الثقافة البروليتارية ليست شيئًا يهبط من السماء. (..) الثقافة البروليتارية يجب أن تكون التطور الطبيعي لكل طبقات المعارف التي راكمتها البشرية، سواء كان ذلك تحت نِير الرأسمالية أو المجتمع الإقطاعي أو البيروقراطي».

لكن ذلك «التطور الطبيعي» الذي أنجب جيل الثورة أُجهض تدريجيًا، حيث شكلت الموسيقى الحديثة إشكالية للبلاشفة برفضها -تعريفًا- لأي شكل ثابت أو معنى كبير يلصق بها، وقيامها على نوع من العدمية والتجريب المستمر جعلها غير صالحة كبوق حكومي مستدام. كما أن طبيعة الاتحاد السوفييتي الوليد، الذي اتجه سريعًا نحو أحادية الصوت والحقن الأيديولوجي، لم تكن لتسمح بتعايشِ تياراتٍ موسيقية مختلفة. وهكذا كانت الغلبة للتيار الثاني بولادة «الواقعية الاشتراكية»، بميلها نحو الضخامة والملحمية والشعارات الكبيرة من نمط «الفنان مهندس الروح» والفن السوفيتي «وطني البنية، اشتراكي المضمون»، وما إلى ذلك.

إلى جانب قسريّتها ورفضها للتجريب، خلقت الموسيقى الواقعية الاشتراكية أزمة فكرية لكونها موروثة -للمفارقة- من الممارسات الموسيقية الـ«برجوازية» لما قبل الثورة من موسيقى تقليدية كنسيّة أو رومانسية. مما خلق انفصامًا بين مضمون يدّعي الثورية المطلقة وشكلٍ يعيد تملّك اللغة القديمة بعد طلائها بالأحمر وتفريغها من تعقيداتها، بينما يقوم النظام في الوقت ذاته بتصفية كل المنظومة التي ولّدت تلك اللغة من كنيسة أو برجوازية أو جيش قيصري، فيما كان رموزها الحقيقيون من مؤلفي ما قبل الثورة مثل رخمانينوف في المنافي.

عبّر روسلافتس بمرارة عن ذلك الزيف، في مقال له نُشر عام 1926: «ثلاثة أرباع ما كتبه رواد «الموسيقى البروليتارية» يتكون من أشياء بدائية على طريقة المارشات العسكرية، وكأنها كتبت بأوامر من قبل جنرالات. (..) على أي أساس تعتبر مؤلفات من هذا النوع «ثورية«؟ الجواب ببساطة: أن كل «ثوريتها» قائمة على نص ثوري مكرر، محشوّ إما ميكانيكيًا أو قسريًا بما يشبه المارشات المهترئة والقديمة الموجودة في كتب تعليم التأليف للمبتدئين».

ترافق ذلك بجرِّ مفهوم «ديكتاتورية البروليتاريا» إلى تطبيق سطحي سواء عبر أوركسترات تعزف بدون قائد، أو قِطعٍ تُكتب من قبل مجموعة مؤلفين بدلًا من واحد، ممارساتٌ لن يكتب لها أي مستقبل، كما جرى تعديل الأوبرات التاريخية بنصوصها وعناوينها وكتابة نهايات بديلة لها من قبل مؤلفي الدولة، بانتظار ولادة أوبرا سوفيتيية معاصرة تملأ الفراغ.

مع وصول ستالين إلى السلطة، دُقّ الوتد الأخير في نعش الحداثة الروسية بسرعة وخفة، فأصدرت اللجنة المركزية للحزب، عام 1932، مرسومًا بإلغاء كل التجمعات الفنية الناشطة، ومع افتتاح المعرض المسمى «15 عامًا من الفن السوفييتي» في العام التالي، كان الحداثيون قد انمحوا سلفًا من الرواية الرسمية، بينما صرح مكسيم غوركي علنًا في مؤتمر الأول للكتّاب السوفييت أن الفترة بين 1907 و1917 هي «الأكثر فضائحية وخلوًّا من الموهبة في تاريخ الفكر الروسي».

هاجر كل من لورييه وويشنيجرادسكي إلى أوروبا دون عودة، وعُيّن لوناتشارسكي سفيرًا في إسبانيا لتنحيَته عن الطريق، أما روسلافتس فقد تعرض لحملات تشهير قادت إلى إقصائه عن المشهد حتى وفاته، بينما كانت نهاية موسولوف الأكثر أورويلية، حيث أرسل إلى معسكر اعتقال، ثم تاب عن تجاربه ليكتب في بقية حياته أعمالًا بالأسلوب الحكومي، لم يصل أي منها -مستقبلًا- إلى شهرة أعماله الأولى.

الثورة التي انتهت بالتهام فنانيها، أنجبت جيلًا جديدًا من المؤلفين في عزلة نسبية عن العالم، جيلًا وجد نفسه مضطرًا للاستمرار في تعليب الثورة بأعمال طقسية سنوية تقوم على مزيج من شعارات الحزب وما تبقى من التراث السيمفوني للقرن التاسع عشر، كأن سكريابين والحداثيين الروس لم يكونوا موجودين أصلًا.

بدل الحديث عن ثورة خذلت فنانيها، قد يكون من الأدق الحديث عن ثورتين، واحدة فنية وأخرى سياسية عسكرية، وُلدتا من الظرف التاريخي والفكري ذاته، وبحثتا طيلة العشرينيات عن صيغة مشتركة دون نجاح، فكان أكتوبر ذروة اقترابهما وبداية النهاية في الوقت نفسه. منذ بيانهم الأول عام 1912 بعنوان «صفعة في وجه الذوق العام»، أعلن المستقبليّون «الكراهية التي لا يمكن تجاوزها للغة التي سبقت وجودهم». تصريح عنيف بعض الشيء تكمن وراءه حقيقة أدركها أبناء ذلك الجيل: أن الثورة الحقيقية تبدأ، قبل العصيانات والمظاهرات، في اللحظة التي يستيقظ فيها أحدهم مُدركا حتى أن لغته التي يفكر ويتكلم ويسمع بها يجب أن تنتهي الآن، ويأخذ على عاتقه تدميرها وخلق البديل عنها، فيفتح العالم أمامه صفحة جديدة.