فرانك سيناترا في عيده المئة: الرجل وموسيقاه

السبت 12 كانون الأول 2015

كان لبراعة صوته وطريقته العفوية في الغناء دورٌ أساسيٌ في تمرير إرثه من جيل إلى جيل، إلا أن هذه لم تكن الأسباب الوحيدة التي ساهمت في استمرار فن سيناترا حتى اليوم، إذ كثيرون هم من قدموا أعمالًا تشبه أعمال سيناترا، إلا أن الرجل غلّفها، وبطريقته الخاصة، بطابع أدبي رومانسي، فكان قاصًا وممثلًا إلى جانب كونه مغنيًا، مبتعدًا عن الدور التقليدي للدون جوان ومتقمصًا دور غاتسبي العظيم.

يصوغ سيناترا أغانيه معتنيًا باللحن والأداء والكلمة، حريصًا على عمق ما يُقدمه، وفي حين أنه يمتلك صوتًا جميلًا وأنه كان دون شك مغنيًا عظيمًا، إلا أنه لم يُغيّر وجه الغناء بشكلٍ خاص، إذ كان يتأرجح سيناترا بين الجاز والبوب ببراعة لكن دون أن يستقر في مكان واحد، ولم يُقدم نفسه أو فنه باعتباره ثوريًّا أو تجديديًّا.

دمج سيناترا في جزءٍ من أعماله بين موسيقى الجاز والبلوز، واعتمد تقنية الميكروفون الأنيق في الغناء، فيبدو وهو يغني وكأنه مسحور بالموسيقى متفانيًا لها، ويوحي للمستمع بأنه يغني له وعنه، فلا يترك للصدفة مساحة واسعة، بل تبدو ارتجالاته مدروسة بصورة حرفية، وامتاز بسيطرته الكبيرة على تنفسه أثناء الغناء.

امتلك سيناترا هيبة نجمٍ كبيرٍ؛ كان يعتلي على قمة موسيقى السوينغ بنجوميته، وما تزال أعماله حتى اليوم تقليدًا مكرسًا لدى عديدٍ من مغني الجاز الذي يحرصون على أداء أغانيه في حفلاتهم، أو إعادة إنتاجها بأسلوبٍ جديد.

حياته الخاصة كانت صاخبةً كغيره من النجوم؛ ارتبط اسمه بعدد من العلاقات الغرامية والإشاعات السياسية أيضًا، إذ أن اسمه كان يتردد دائمًا في أوساط المافيا، وهو ما تمَّ نفيه طيلة حياته، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي سرّب بعد وفاته بأعوام صورًا له مع رئيس عصابة مافيا، كما تم تسريب وثائق تشير إلى علاقاته مع المافيا، ومساهماته في تهريب أموال لصالحهم.

أما عن علاقاته الغرامية، فقد تزوج سيناترا من المرأة التي أحب، نانسي برباتو، وأنجب منها ابنتهم نانسي سيناترا التي سلكت مسار الفن، وفرانك جونيور وكريستين، إلا أن علاقته مع الممثلة إيفا جاردنر كانت سببًا في انفصالهما، حيث طلّق نانسي ليتزوج إيفا، غير أن زواجه بالأخيرة لم يدم أكثر من عامين.

ارتبط بعد ذلك بالعديد من العلاقات العابرة، من بينها علاقاته مع الممثلة لورين بيكول وجودي جارلاند ولانا ترنر ومارلين مونرو (التي يُقال أنها كانت سبب طلاقه من إيفا). وفي العام 1966 تزوج من الممثلة مايا فارو، لينفصل عنها بعد عامين. وفي العام 1976 تزوج سيناترا من باربرا ماركس، وهي الزوجة التي بقيت معه حتى وفاته.

اليوم، يحتفل العالم بمرور مئة عام على ولادة المطرب الأميركي ذي الجذور الإيطالية سيناترا (12 كانون أول 1915 وتوفي في 14 أيار عام 1998). وبهذه المناسبة أصدرت عائلته كتابًا بعنوان «سيناترا 100» من تأليف المنتج والكاتب تشارلز بيجنوني وبمساعدة أبنائه، ويضم الكتاب صورًا نادرةً لحياة سيناترا الخاصة، إضافة إلى تفاصيل عن اللحظات المثيرة فيها، ومقابلات شخصية غير منشورة ومحادثاته مع أصدقائه وأسرته.

جاءت حياة سيناترا الفنية على أربع مراحل أساسية، كانت البدايات في العامين (1940 – 1942)، وكانا عامين مهمين في حياة الشاب ذي الخمسة وعشرين عامًا، إذ أنه في هذه الفترة قدم أول أعماله مع فرقة تومي دورسي أوركسترا.

استطاع دورسي أن يُقدم سيناترا للجمهور أغانيه بصورة حميمة ودافئة، إذ كانت الأغاني سلسة وقصصية وراقصة، وسجّل سيناترا في هذه الفترة عددًا من الأغاني مع شركة فيكتور للإنتاج الفني.

في أواخر العام 1942 غادر سيناترا دورسي، وانضم في الأعوام 1943-1952 إلى تسجيلات «كولمبيا»، وكانت فترةً مزدهرةً قدم فيها العديد من الكلاسيكيات.

كما بدأ سيناترا في هذه المرحلة بتقديم أغانٍ أكثر تجديدية، وصار يُغيّر في أسلوبه ويمزج بين ألوان الغناء، إلا أنها ظلّت أغانٍ قليلة مقارنة بالكلاسيكيات

في هذه الفترة أيضا اجتمع سيناترا في أعمال ديو مع عدد من الفنانين، منهم: جين راسل، وروزماري كلوني، ودوريس داي ودينة شور.

بعد أن كان سيناترا المغني الأكثر شعبية في أميركا تعرض لعددٍ من الوعكات الاجتماعية والاقتصادية والفنية التي أدت إلى تعثر مشواره في العام 1947، وفي العام 1952 تخلّت عنه «كولمبيا»، إلا أن شركة «الكابيتول» وجدت في سيناترا فرصة إعادة إحياء نجم.
تعاون سيناترا مع أهم المنتجين أمثال نيلسون ريدل وبيلي مايو وغوردون جنكينز، وأصبح في هذه الفترة المترجم الأول لأغنية الحب، وازدهرت أغانيه ومبيعات ألبوماته.

بعد سنوات قليلة من انضمامه لـ «الكابيتول» وصل سيناتر إلى النجاح والنضج الذين جعلاه يدرك أنه صار بحاجة إلى الاستقلال عن أي شركة إنتاج، فقرر في العام 1961 تأسيس شركة إنتاج خاصة به، ومن هنا جاءت شركة «ربريس» ، وكان أول ألبوم أصدره «I remember Tommy»

جاءت معظم انتصارات سيناترا الفنية في سنوات «ربرايس»، إذ تنقّل بين الألوان الغنائية، وازدادت حفلاته ومبيعات ألبوماته، وتمكّن من إصداء 27 ألبومًا غنائيًا تصدرت قوائم أفضل الألبومات في السبعينيات والثمانينيات.

في عيد ميلاده الـ75 أصدرت شركة «ربرايس» إصدارًا خاصًا بعنوان The Very Good Years يضم أفضل الأغاني التي قدمها سيناترا خلال سنواته مع الشركة، بتوزيعات جديدة.

كما أطلق سيناترا ألبوم Ol’ Blue Eyes Is Back كإعلانٍ عن تقاعده واعتزاله الغناء في العام 1973، ضم الألبوم إصدارًا خاصًا للحفل الذي قدمه في عيد ميلاده الخمسين بعنوان «رجلٌ وموسيقاه»، بمصاحبة أنتونيو جوبيم وإيلا فيتزجيرالد وغيرهم، وتم بثه على قناة CBS

قدّم سيناترا في حفل تقاعده أغنية مشتركة مع جون دينفر بعنوان September Song، كما تضمن الحفل قراءات درامية للأغنية الراقصة Send in the Clowns، كما شاركت في الحفل النجمة جين كيلي.

كانت المرّة الأخيرة التي يقف فيها سيناترا على المسرح ليغني في 25 شباط 1995، حيث غنى في حفل ختام بطولة غولف سميّت تيمنًا به. آنذاك غنى سيناترا أغنيته المفضلة THE BEST IS YET TO COME

حياة فرانك سيناترا الفنية لم تقتصر على الغناء وحسب، بل مثّل في أكثر من أربعين فيلمًا سينمائيًا كان أولها في العام 1944 بعنوان Higher and Higher، وهو فيلم موسيقي غنائي شاركه البطولة فيه ميشيل مورغات وجاك هالي، وترشح الفيلم لجائزة الأوسكار عن أفضل أغنية «I Couldn’t Sleep a Wink Last Night» إلا أنه لم ينلها.

كما أخرج فيلمًا وحيدًا بعنوان None but the Brave في العام 1965، وهو فيلم ياباني أميركي يتحدث عن الحرب، شارك فيه سيناترا ممثلًا إضافة إلى إخراجه، كما شارك فيه كلينيت والكر وتومي ساندز وبراد ديكستر وتاتسويا ميهاشي.