فيلم «محبس»: الضحك على العنصرية

الخميس 02 شباط 2017
جابر خوجدار، ونادين الخوري، وبسّام كوسا، في إحدى لقطات الفيلم.

بقلم لميس عساف

بذكاء ودون خجل من الضحك على الصور النمطية، تروي المخرجة اللبنانية صوفي بطرس في فيلمها الروائي الأول، «محبس»، قصة رومانسية-كوميدية ترسم عبرها العلاقة السورية-اللبنانية، غير الرومانسية في الكثير من الفترات.

في مدرج المدينة، أكبر مسارح العرض خلال مهرجان دبي ٢٠١٦، تم تقديم الفيلم في عرضه الأول في كانون الأول الماضي. تتسع القاعة الضخمة والمجهزة خصيصًا لأهم عروض مهرجان دبي للمئات، ومع ذلك استطاع الفيلم أن يجعل الصالة ممتلئة، ويدفع لتنظيم عرض ثانٍ.

تميز الفيلم ذو الإنتاج اللبناني-الأردني-المصري بطاقم عمل متنوع من المنطقة العربية، وعملت المخرجة صوفي بطرس مع نادية عليوات على كتابة السيناريو، وقامت الأخيرة بدور المنتجة كذلك.

تبدأ القصة حين تزف تيريز، والدة غادة، خبر قدوم الخطيب المرتقب لابنتها الوحيدة إلى القرية. وفي أوج سعادتها وبعد ترحيبها بعائلة الخطيب، تكتشف بأنهم سوريون. علاقة تيريز بالسوريين ليست جيدة، بعد أن قتلت قذيفة سورية شقيق تيريز الوحيد الذي ما يزال يتحدث إلى أخته من صوره القديمة المنتشرة في المنزل. وتعتقد تيريز أن ذلك سبب كافٍ لرفض الخطيب وترفض أي تبريرات، وبدون موافقتها لن يتم الأمر، رغم أنف غادة ووالدها اللذين لا يريان لجنسية الشاب علاقة بأي شيء.

رغم البساطة التي قد يبدو عليها سرد الفيلم، إلا أن تركيبة الشخصيات والبعد الذي تملكه كل شخصية منفردةً حتى وإن كانت ثانوية جعلا أداء الممثلين أكثر إقناعًا، وتنوع الشخصيات كذلك خلق كيمياء ما جعلت كل دور جيد بشكل مستقل.

بعض الشخصيات قدمت أداءً طغى أو ربما تميز عن أداء باقي الممثلين. فوالد العريس رياض (بسام كوسا) رفع بالتأكيد من معايير تقييم التمثيل خلال الفيلم. وتيريز (جوليا قصّار) أتقنت دور «الشريرة» بذكاء، إلى حد دفعنا للتعاطف معها في بعض الأحيان لفقدانها أخيها الصغير، والاقتناع بأننا كنا سنفكر مثلها لو وُضعنا في الموقف نفسه. الجارة سولانج (بيتي توتل) تحمل كل الصفات النمطية لجارة كلاسيكية: خفيفة ظل وكثيرة كلام وجاهزة دومًا للمساعدة، وكانت بلا شك عنصرًا مهمًا في بناء الكوميديا للفيلم. ورغم أن تمثيل سيرينا شامي لدور غادة كان يمكن أن يكون أفضل بكثير، إلا أن الفيلم استطاع أن يتماسك ككل، ويخفي عثرات كهذه طالما كان مسليًا.

 

الحبكة بسيطة جدًا وربما متوقعة، إلا أن وجود فنان قدير وخفيف الظل مثل بسام كوسا، والنكات الخفيفة والإيقاع السريع أنقذوا الفيلم من أن يكون فيلم عربي كوميدي جديد آخر. وبطرس وعليوات نجحتا بكتابة السيناريو بحذر شديد. فصحيح أننا نعتقد أن الفيلم يتحدث عن العنصرية والعلاقة اللبنانية-السورية الشائكة، إلا أن الحكاية هنا تُروى دون الحديث عن التاريخ ودون استعراض الأشرطة القديمة نفسها. تيريز والدة العروس تملك الدوافع لتكره، ولديها صور نمطية جاهزة تجعلها، حتى بداية الفيلم، تتجنب الاحتكاك بالسوريين الذين وصلوا قريتها كلاجئين. كذلك، فنازك، والدة العريس (نادين الخوري) تعتقد أن اللبنانيين أقل شأنًا منها، إلا أن ابنها سامر (جابر جوخدار) أجبرها على أن تلتقي بفتاة أحلامه اللبنانية وتخرج من سوريا، التي لا تزال أفضل من لبنان برأيها، وإن دمرتها الحرب، في مثال آخر على ذكاء الفيلم في التعامل مع هذه القصة وحساسيتها بما يتناسب مع فيلم خفيف، ودون الغوص في التاريخ.

إنتاج الصورة في الفيلم كان عظيمًا. إذ نستطيع بكل ثقة أن نقول أن الصورة رائعة، لا لقطات بشعة ولا مواقع غير مبهرة، بفضل سينماتوغرافيا راشيل عون، التي أظهرت موهبتها من قبل في عدة أعمال أحدها الفيلم الأردني «الجمعة الأخيرة»، ومونتاج فادي حداد، ليقدم الفيلم صورة قرية جبلية رائعة الجمال، ومضاءة بشكل مثالي، تضيف بعدًا مهمًا على عناصر رواية القصة في الفيلم. وبالرغم من ميزانيته المحدودة، إلا أن التصوير والإنتاج جعلا الفيلم مثيرًا للإعجاب.

كنت أظن أن الفيلم سيمتلئ بلقطات رومانسية طويلة يكثر فيها تبادل النظرات و«الزوم إن»، ورغم أن ذلك لم يحدث، إلا أن أحد عناصر الفيلم وقعت بلا شك في فخ الابتذال. فالموسيقى التي كتبها زياد بطرس قد تكون جميلة بشكل منفرد ومحمّلة بالكثير من المشاعر، إلا أن الاهتمام بالموسيقى وطغيانها على الصورة في بعض اللقطات جعلنا نكاد لا نسمع الحوار فيها، فصوت الموسيقى كان أعلى من أي شيء آخر. وبلا شك، فقد جعل ذلك تلك المشاهد تبدو مبالغًا فيها وغير مستساغة.

ينتهي الفيلم نهاية لطيفة متوقعة متسقة مع الخط الذي استمر طوال الفيلم، لتدرك أنك دون أن تلاحظ كنت تبتسم طيلة الفيلم، وهو ما يحققه «محبس» ببراعة ودون إقحام.

لم يقَدم الفيلم نفسه على أنه قصة حقيقية تمثل الصراع في الوطن العربي، فهو يصنف في فئة أفلام الدراما العائلية الكوميدية، ولا أظن أن تحميله أكثر من ذلك منطقي أو مفيد. لكنه في الوقت ذاته نجح في ألا يكون فيلمًا «تهريجيًا» سطحيًا، وقدم مثالًا على الأفلام العربية الخفيفة التي تستطيع إضحاكنا دون إسفاف أو رسائل كبرى.

سيعرض الفيلم في صالات العرض التجارية خلال شهر آذار، وستكون تلك فرصة مثالية للهروب من أفلام هوليوود والتوجه لمشاهدة فيلم محلي جميل مثل «محبس» مع العائلة أو الأصدقاء.