«في غرفة العنكبوت»: نزهة في كابوس مثلي مصري‎

الثلاثاء 18 نيسان 2017
غلاف رواية في غرفة العنكبوت

بقلم يزن الأشقر

يعرّف المُعجم الغني كلمة كابوس بما يستولي على الإنسان فِي نومه ويفقده القدرة على الحركة، ويطلق عليه أيضًا جاثُوم. وفي لسان العرب: الكابوس ما يقع على النائم بالليل، ويقال: هو مقدَمة الصَّرَع. وكبس الرجل أي أدخل رأْسه في ثوبه، وقيل: تقنَّع به ثم تغطَّى بطائفته.

يبدأ محمد عبد النبي روايته «في غرفة العنكبوت» باسترجاع كابوس. حادثة تبدأ في لحظة صفاء وتنتهي في عتمة مغلقة. يتذكر هاني محفوظ -الشخصية الرئيسية في الرواية- كابوسه الواقعي جيدًا، ويبدأ سرده مباشرة دون مقدمات: عائدًا مع صديقه عبد العزيز من شقته في شارع القصر العيني وسط القاهرة ليشربا شيئًا قرب ميدان الفلكي، يمد هاني يده ليمسك يد صاحبه، قبل أن تمسكهما بعد لحظات أياد غليظة من الخلف، وخلال خمس دقائق، يجد نفسه مع صديقه وآخرين في بوكس الشرطة.

هاني محفوظ مثلي الجنس، شخصية مركبة مستوحاة، كما أحداث الرواية، من حادثة «الكوين بوت» عام 2001، حيث ألقت السلطات المصرية القبض على عشرات الشبان بتهمة «ممارسة الفجور». سُجنوا وشُهّر بهم إعلاميًا وحُكم على الكثير منهم بالسجن. ليست الرواية معنيّة بهذه الحادثة بالذات بقدر ما تشكل منطلقًا لاستكشاف عالم المثلية الجنسية بشكل عام وفي مصر بشكل خاص، إذ أن الاضطهاد الذي يلاحق مثليي الجنس ما زال قائمًا في مصر كما في معظم الدول العربية الأخرى. يذكّرنا غلاف الرواية بمشهد كابوسي آخر؛ قبضٌ عبثيٌ على عشرات الشبان قبل بضعة أعوام في حمام شعبي في القاهرة، يحاول الشبان تغطية رؤوسهم بملابسهم على أمل درء فضيحةٍ لعب فيها الإعلام المستهتر دورًا رئيسًا، قبل أن يحكموا بالبراءة لاحقًا.

يُفرغ هاني محفوظ كابوسه على دفتره في غرفة فندق صغيرة لا يؤنس وحدته فيها إلا عنكبوت ينسج أيضًا بيته من حوله. من خلال هذه الكتابات، نقرأ بصوت الراوي الأول قصة هاني كما يتذكرها بعد خروجه من تجربة السجن؛ أخرس لا يقدر على الكلام، يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ينام طول الوقت وتلحقه الكوابيس. بعد نصيحة من طبيبه النفسي، تصبح الكتابة وسيلته الوحيدة لمحو ما في داخله. ما يزال يعيش كابوسه الطويل الجاثم، نصف نائم ونصف مستيقظ ويحاول إيقاظ نفسه تمامًا من خلال الكتابة.

ينتقل عبد النبي في نصّه بين عدّة أزمان؛ بين تذكر الأحداث تارة، وبين تذكر تجربة السجن، وفي أحيانٍ أخرى ينقلنا إلى غرفته الفندقية التي يعتزل هاني فيها الحياة اختياريًا، لنتذكر نقطة الانطلاق الرئيسية في الحبكة؛ إنسان بسيط بخلفية ثقافية متواضعة يحاول استعادة نفسه عبر تذكّر ماضيه.

من هذه الكتابات، يرسم لنا الكاتب صورة لعالم هاني محفوظ وتاريخ عائلته بدءًا من سنواته المبكرة كطفل مدلل من الجميع. نتعرف على شخصية جده «ميدا» وتاريخ العائلة المرتبطة بالفن بطرق مختلفة؛ حاول جدّه العمل في المسرح مع نجيب الريحاني قبل أن ينتهي خياطًا، وحاول والده العمل كومبارسًا، وأمه «بدرية» ممثلة تحاول العودة إلى الأضواء. نقرأ بصوت هاني كل شيء، كيف نشأ وكيف بدأت تجاربه الجنسية المثلية الأولى، من التلصص على الحمّامات إلى تعرّفه على «رأفت»، حبيبه الأول، الذي يكبره في العمر، والذي سيكسر قلبه ويتزوج. ونتعرّف على البرنس؛ أبيه الروحي الذي تعرّف عليه في حمام شعبي، وعلى وحدة ومعاناة مثليي الجنس في المجتمع المصري بشكل عام.

ما المختلف في هذه الرواية؟

سبق أن تناولتِ الرواية العربية مسألة المثلية الجنسية بطرق اختلفت جودتها الأدبية كما اختلفت طريقتها في تناول الموضوع. بعض هذه الأعمال عانى مشاكل في الأسلوب والبنية، وأحيانًا لم يخلُ الأمر من تنميط وقلة دراية، وفي نصوص أخرى جاءت شخصية المثلي شخصية جانبية، أو خدمة لسياق آخر. أستحضرُ هنا أعمالًا مثل «رائحة القرفة» لسمر يزبك، و«الآخرون» لصبا الحرز، و«عروس عمّان» لفادي زعموت، و«فضاء الجسد» لثريا النافع، و«عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، و«بلد الولاد» لمصطفى فتحي.

لكن على عكس الكثير من الروايات التي تناولت هذا الموضوع، كتب محمد عبد النبي رواية مثليّة متكاملة كأدب مثلي ذكري يروي بتعاطف معاناة وتعقيدات فئة اجتماعية مضطهدة. ربما كانت هذه الرواية العربية الأولى من نوعها بهذا المعنى؛ رواية تبتعد عن الأحكام الأخلاقية المسبقة، وتبتعد عن التنميط المعتاد للشخصيات المثلية، ببنية محكمة وجمل أدبية سلسة.

«في غرفة العنكبوت» رواية واقعية مركبة من واقع شخصيات مثلية مختلفة، قاسية دون تكلف في اللغة، تعكس شخصية الراوي التي يرويها بصوته، وتُشرك القارئ بالتعاطف أيضًا دون إسفاف. وهي رواية معتمة. العتمة تلف كل شيء. عتمة الأماكن في البيوت والشوارع والحانات والسجن، وعتمة الشخصيات المثلية في شعورها بالوحدة والخوف والهلع والاختباء والارتباك.

لا تطرح الرواية حلولًا، وليست معنية حتى بتقديم استعادة تاريخية لجذور المشكلة الدينية والاجتماعية. الإدانة الرئيسة كانت للحكومة والصحافة الصفراء. لكن النص وهو يدين يخلو من محاولة لفهم المشكلة، ويكتفي بالاحتجاج من خلال جمل تحافظ على نوع من التوازن، فلا تحمّل الضحية قداسة لا تستحقها تجنبًا لمعركة أحكام أخلاقية. يكتب هاني: «من السهل أن يتحوّل الضحية إلى قديس في عين نفسه على الأقل، وهو فخ آخر أوشكت على الوقوع فيه. أمّا في أعين من حولنا، فلم نكن إلا قذارة لا بد من التخلص منها بأية طريقة».

يراهن عبد النبي على سلاسة القراءة بعيدًا عن الفذلكة ليضمن سهولة القراءة للقارئ البسيط، فلا مَهرب من عادية اللغة لرواية بصوت راوٍ عادي. ولأجل سلاسة القراءة لم يقم عبد النبي بمحاولات بنيوية جديدة على مستوى السرد.

من ناحية أخرى، بقيت الرواية مرتبطة إلى حد كبير بقالب «أدب السجن» العربي الكلاسيكي، إذ تُشكّل تجربة السجن والخروج منه المنطلق الرئيسي لقرار هاني محفوظ كتابة كابوسه المستمر، مع أن الفصول المخصّصة لما جرى داخل المعتقل من تنكيل ومهانة أقل من بقية الفصول التي تتناول حكاية هاني قبل القبض عليه، إلا أن هاني يكتب تحت تأثير تلك التجربة القاسية بلغة تعكس حالته النفسية.

يتطلب التجديد في الرواية تجاوز النص للقوالب المعتادة شكلًا وموضوعًا وبنية أيضًا. محمد عبد النبي قصد كتابة عمل روائي سلس متعاطف موجه للجميع، عن موضوع محرّم يعاني شحًا في التمثيل الأدبي الجيد، وقد فعل ذلك تمامًا، وهو أهم ما يستحق عليه الثناء.