شعرية الرحم وواقعيته القمعية: عن ألم سيلفيا بلاث الملحمي

الثلاثاء 15 كانون الثاني 2019
سيلفيا بلاث.

أتساءل إن كانت يداها قد ارتجفتا أثناء تكميمها شقوق الأبواب والنوافذ بالشريط اللاصق تلك الليلة، بسبب البرد الذي لم تكن لندن قد شهدته منذ مئة سنة، أو لهول ما كانت ستقدم على فعله ليلتها. أتساءل إن كانت قد غسلت وجهها ونظرت مطولًا في انعكاسه في المرآة التي لم تفارق شِعرها قبل التوجه نحو المطبخ البارد. لكنني لا أجد إجابةً، فقط تاريخ تبثه الشاشة بخط أسود عريض بجانب صورة أحادية اللون لها؛ تاريخ ليلة انتحارها، فأتفاجأ ببكائي عليها وصوت ذهني مرددًا «لقد قتلوها. لقد قتلوها».

كانت سيلفيا بلاث، الشاعرة الأمريكية العظيمة، تعاني من اكتئاب سريري دفعها لمحاولة الانتحار عدة مرات، وقد نجحت في ذلك في عمر الثلاثين، حين أقحمت رأسها داخل الفرن واستنشقت غازه الذي كانت قد حمت رضيعيها منه من خلال تكميم شقوق المطبخ. كان ذلك في شباط سنة 1963 عندما تركت زوجها الشاعر تيد هيوز بعد اكتشافها خيانته لها.

كتبت بلاث الجزء الأشد ثراء من حصيلتها الأدبية في الأشهر الثلاثة الأخيرة من حياتها، حيث تمحورت الكثير من قصائدها حول الولادة والإنجاب والعقم والإجهاض. بلاث، إحدى رائدات الشعر الاعترافي[1] القوطي، لم تتوان في شعرها الحاد عن فضح الخبايا الإنسانية والمشاعر «المخجلة» التي نتخوف من تعريتها أمام الآخرين: الوحدة، والحزن، والفقد، والضياع عن الهوية أو فيها. كتبت بلاث الكثير عن كل شيء تقريبًا، إلّا أن عبقريتها تظهر أكثر حدة في توصيفها لعلاقة المرأة برحمها وتبعات هذه العلاقة. ربما ينبع اندهاشي بهذه الثيمة من اقتناعي بأن بلاث لم ترغب يومًا في أن تكون أمًا، وأن دفعها تجاه هذه الهوية التي لم تخترها هو الذي كسر شيئًا فيها حتى قبل الزواج والحبل والولادة؛ تمامًا كما يحدث مع ملايين النساء حول العالم.

في دراستها عن نظرية حسد الرحم، تشرح المحلّلة النفسية كاثرين سيلفر هوس المجتمع بالرحم الذي لطالما صُوّر على أنه مكان غامض وخطر ومهدِّد لاتزان المجتمع، وتمت أنثنة العوارض الهستيرية التي تنشأ منه في السياق الحداثي.[2] لذا، كان من الواجب التحكم بهذه المساحة الهستيرية من خلال ضبط النفس. «الرحم لا يكون أبدًا فارغًا: فهو دائم الامتلاء بالهلوسات والرغبات والأحلام».[3] بُنيت نظرية حسد الرحم على نظرية سيجموند فرويد التي حاجج فيها بأن الرغبة النرجسية في الرحم تنبع من تعلق ميلانخولي بالشعور بالحماية والرعاية.[4] أما نظرية حسد الرحم، فتشير إلى رغبة الرجال في امتلاك قدرة المرأة على الحبل والأمومة وخوفهم اللاواعي منها؛[5] أي الخوف من قدرات النساء الخارقة.[6] إلّا أن الرحم كمكان أعقد من كونه مجرد مصنع للهستيريا أو بيتًا للأرواح الشريرة؛ فهو، بالنسبة لسيلفر تجسيدٌ لغيرية باهرة، ففي «داخله ازدواجية هذه أنا ولكن ليست أنا»، حيث يربط الحبل السري المرأة بالحياة، ولكن، منه أيضًا تنبع رغبة الموت.[7] وتشير سيلفر للأكاديمية النسوية جوليا كريستيفا التي ترى أن الرحم هو مساحة إقصاء حرفي، تحدد هوية المرأة.[8] نرى الخوف من هذا التهديد جليًا في شعر بلاث قبل حبلها الفعلي وخاصة في قصيدة بعنوان «مينادة»[9] التي كتبتها في عيد ميلادها السابع والعشرين. المينادات هي مخلوقات أسطورية إغريقية كن عابدات لإله الخمر والمجون ديونيسوس (أو باخوس) وكن يتمتعن بقوى خارقة مكنتهن من تمزيق الرجال والحيوانات الضارية بأيديهن العارية:

أمي، الأفواه لم تحبني.
الرجل الهرِم تقلص إلى دمية.
آه، أنا أكبر من أن أستطيع الرجوع للوراء

لسان أحمر بيننا.
أمي، لا تقربي فنائي،
أنا أتحول إلى أخرى.

الأجفان لا تغلق. الوقت
يحل من سرة الشمس العظيمة
بريقَها اللامتناهي.
 
عليّ ابتلاعه كله.*

تعكس هذه المقاطع من قصيدة «المينادة» جوع بلاث الشديد للحياة. فهذه امرأة ترى في نفسها كائنة ضارية ترغب بابتلاع العالم كله وتمزيقه. إلا أن هذه الحرية الأنثوية العنيفة لا تتحقق، فالمينادة تتحول إلى أخرى؛ إلى كائنة تخجل هي منها، فتطلب من أمها الابتعاد حتى لا تراها تتحول إليها. إشارة بلاث لأمها في هذه نقطة تؤكد على أن التحول الذي على وشك أن يطرأ مربوط بالأمومة، فهي «أكبر» من أن تستطيع الرجوع إلى الوراء. كما يبين هذا المقطع تخوف بلاث من حتمية التحول المتمثل بالحبل والولادة، أو استغلال مساحة الرحم. تعكس هذه الازدواجية المتمثلة بحتمية التحول إلى أخرى (أي إلى أم) تحول الهوية لدى بلاث من إلهة إلى أم فانية، وتهديد هذه الهوية بسبب الرحم الذي لم يذكر بشكل مباشر في القصيدة. تؤكد هذه النزعة لدى بلاث مقاطعٌ من مذكراتها، حيث كانت قد كتبت في عمر السابعة عشر: «أخاف أن أتزوج. اعفني من طبخ ثلاث وجبات في اليوم. اعفني من القفص الذي لا يهدأ من الروتين والاعتياد. أريد أن أكون حرة… أريد، أعتقد، أن أكون عليمة… أعتقد أنني أريد أن أسمي نفسي «الفتاة التي كانت تريد أن تكون إله». لكنني، لو لم أكن في هذا الجسد، أين كنت سأكون؟».[10]

يتضاعف الهلع من هذه «الحتمية» وتعددية الهوية في شعر بلاث عند حبلها. تجادل الباحثة ليا سوفرانت أن «الأمومة تدفع نحو الابتداع في الشعر والاختراع في الشعريات وتطالب بهما وتستفزهما وتثيرهما».[11] ترى سوفرانت أن جِدة هذه التجربة تحتم على الشاعرة التجريب في المحتوى واللغة،[12] فتكون مادية المكان والزمان متجسدة بعنف في قصائد الأمومة.[13] فبالنسبة لسوفرانت، تقع كتابة هذه القصائد ضمن محاولة توثيق وفهم العملية الجسدية والنفسية متعددة الأوجه التي تحكم الولادة. من هذا المنطلق، تفسر سوفرانت حاجة بلاث للبحث المتوسع في الهويات المتعددة والمتضاربة بسبب الأمومة (أو انعدامها)، والذي استدعى مجموعة متداخلة من الأصوات للتعبير عنه،[14] من خلال نص قدمته بلاث لإذاعة البي بي سي.[15] يبحث النص، الذي حمل عنوان «ثلاث نساء»،[16] بشكل متعمق حد الألم في فكرة الأمومة والعقم واكتئاب ما بعد الولادة. لا أستطيع إلا أن أرى أن اختيار بلاث تقديم هذا النص للعالم بشكل صوتي كان بمثابة طلب ملح لأن تُسمع هي، وأن يُسمع الألم الذي يتخلل أصوات النساء الثلاث: الأم الجديدة، والمرأة العقيمة، والمرأة التي تختار التخلي عن طفلها (بعد أن كانت ضحية اغتصاب) – ثلاث نساء كن كلهن سيلفيا بلاث. فهذا النص السمعي سمح لبلاث «بالتعبير عن فقد الهوية المرتبط بالصيرورة الأمومية والأثر السلبي للحبل على الشعور بالمقدرة لدى المرأة».[17]

في نص «ثلاث نساء» نسمع الصوت الأول: الزوجة التي وضعت طفلها للتو تتحدث عن القمر (المؤنث هنا):

تمضي وتعاود المضي، مضيئةً كممرضة.
هل هي آسفة عما سيحصل؟ لا أعتقد ذلك.
إنها ببساطة مندهشة من الخصوبة.

القمر دائم الظهور في شعر بلاث، وفي هذا المقطع يعكس ظهور القمر بهذه الصورة العزلةَ التي كانت بلاث تقبع فيها، والتي تضاربت فيها هيئة ممرضات المشفى مع القمر الذي يبدو أنها أمضت وقتًا طويلًا مراقبةً حركته. ما هو الأمر الذي سيحصل – أو الذي حصل؟ هل هو هذا التغير الهائل الذي لا رجعة فيه في التحول إلى أم؟ أم عدم القدرة على إرجاع الجنين العاجز إلى مكانه في الرحم ودحض العملية كلها، أي إرجاع الهوية المنفردة التي فُقدت الآن للأبد بسبب ثنائية الأم/الطفل الناشئة من عملية الولادة؟ ولكنها تجيب القمر بأنها لا تعتقد ذلك: إجابة غير صارمة وتحتمل الشك. تطمئن نفسها أن القمر ببساطة «مندهشة» من الخصوبة، مثلها تمامًا. فيكون هذا البيت عاكسًا للاندهاش الفعلي والشعري الذي يتخلل قصائد الشاعرات الأمهات الذي وصفته سوفرانت والذي وثقته بلاث ببراعة.

نسمع الصوت الثاني لشابة عقيمة أو «قاحلة» تعمل كسكرتيرة وتتوق للحبل ولكن تجهض في كل مرة:

الرجل الذي أعمل لديه ضحك: «هل رأيت شيئًا مرعبًا؟
أنتِ شديدة البياض، فجأة». ولم أقل شيئًا.
رأيت الموت في الأشجار العارية، الحرمانَ.
لم أستطع تصديق ذلك. هل صعب جدًا
للروح أن تحبل بوجه، بفم؟
أنه مرض الذي أحمله إلى البيت، أنه الموت.

يستدعي الفهم الدقيق لأي نص من نصوص بلاث الوعي بتعددية طبقات نصوصها. فللوهلة الأولى، يبدو أننا نقرأ عن توق شابة للحبل والتجربة الأمومية؛ توقٌ تسقطه على محيطها: الرجل الذي يهزأ بها والشجر العاري. ولكن المفردة التي تهز هذا الانطباع أو المعنى القابع في الطبقة السطحية للنص هو «الروح». فالشابة هنا لا تتكلم عن التوق للحبل الفعلي بل للاندماج في مجتمع يحكمه الرجل الذي يهزأ بعدم ارتقائها لشرط وجودها كأنثى في هذا العالم: القدرة على الإنجاب. هذا هو الرجل نفسه الذي تعمل لديه، الذي يشغل مكانة تعلوها، والذي لا تستطيع حتى الرد عليه: فالمرض الحقيقي هنا ليس العقم، بل مكانتها الدونية نسبة للرجل. فالشابة لديها «بيت» ترجع إليه، حيث توظف بلاث لفظ home الذي يوحي بالدفء والأمان وليس house الذي يوحي بالبنيوية المادية للبيت. وفي رجوع الشابة للبيت (حاملة مرض الدونية) رجوع للرحم. أي أن الشابة منتمية لمكان بالفعل، ولا ضرورة لخلق آخر من خلال تعبئة الرحم (كمكان).

نسمع صوت المرأة الثالثة التي تتخلى عن طفلها فور ولادته، واصفةً «لحظة عرفت بالتأكيد» (ربما لحظة الاغتصاب أو علمها بالحبل) عن تقدم «بجعة عظيمة» نحوها:

هناك ثعبان في البجع.
لقد مر منسابًا؛ عيناه تحمل معنى أسود.
رأيت العالم فيه – صغير، لئيم، وأسود،
كل كلمة صغيرة مشبوكة بكلمة صغيرة أخرى، وكل فعل بفعل.
يوم حار أزرق كان قد أزهر شيئًا ما.

لم أكن مستعدة.

نرى مجددًا، في صوت المرأة الثالثة، هذا الارتباط الوثيق بين الرحم والرجل. فهذه الشابة تقدم لنا «بجعة عظيمة» تراها من بعيد، ولكن تلحظ في تقدمها نحوها أن في عيونها السوداء ألمًا وصَغارًا. إلا أن العالم كله يقبع في تانك العينين؛ وهي خارج العالم وبلا حيلة. الأرجح أن هذه البجعة ترمز لمغتصبها، أو حتى حبيب تخلى عنها عند علمه بالحبل. هناك أيضًا حضور للجنين في النص في تكرار للفظ «الصغير» الملتصق بالبجعة، أي الرجل، كأن المرأة هنا تستثني وجودها هي في هذه العلاقة شبه الثلاثية، وتنزع نفسها كجسد أو حاضنة (رحم) و«روح» من هذه العلاقة التي ستكون مستحيلة من غيرها. تنذر هذه المشاعر بفعل التخلي عن الطفل الذي تقوم به المرأة لاحقًا حتى يتسنى لها استكمال دراستها، فهي، ببساطة، لم تكن مستعدة. لكنها تصف يوم تخرجها في مقطع لاحق في النص قائلة:

كم جميل ألا تكون هناك ارتباطات!
أنا منعزلة كالعشب. ما الذي أفتقده؟
هل سأجده يومًا، كان ما كان؟
البجعات رحلن. لكن النهر لا يزال
يذكر كم كنّ بيضاوات.

فحتى بعد اتخاذ القرار الأكثر واقعية وعملية بالنسبة إليها، أي التخلي عن الطفل، وترجيع «حريتها» من غير ارتباطات، إلا أن ذلك يترك في المرأة شعور بالفقد لا تستطيع تحديده أو التعرف على ماهيته. فقد أسقطها الفعل القديم (الولادة) في عزلة لا تستطيع الهروب منها، حتى في الأيام التي يفترض أن تأتي لها بالفرح. فالنهر لا يزال يذكر كم كانت البجعات بيضاوات، أي كم كان مؤلمًا الاجتماع بالرجل وبالجنين. النهر هنا ليس سوى روح بلاث نفسها، الأمر الذي نستدل عليه عند قراءتنا قصيدتها «مرآة»[18] التي كتبتها مباشرة بعد ولادة ابنتها فريدا. تقول بلاث:

الآن أنا نهر. امرأة تنحني فوقي
وتبحث في ثيابي عن ماهيتها الحقيقية.
ثم تلتفت لهؤلاء الكاذبين، الشمعة أو القمر.
أرى ظهرها، وأعكسه بوفاء.
تكافئني بالدموع واهتياج اليدين.
أنا مُهمة لها. هي تأتي وتذهب.

عمن تتحدث بلاث هنا ومن خلال من؟ عن نفسها؟ القديمة؟ الجديدة؟ عن رضيعتها؟ ربما عن كل هؤلاء في كينونة واحدة. فبلاث تنزع بنفسها من المرأة التي نراها تنحني فوق رضيعتها في حجرتها الوردية المزدانة بالنقاط البيضاء لتحاول فهم طبيعة هذه العلاقة الجديدة التي طرأت عليها وعن مكانها هي في هذا الترتيب الغريب. هي النهر والمرآة وكل سطح عاكس لحقيقة جديدة تستصعب فهمها أو ترفضها. نرى هذا التشتت الذي يعقب عملية الولادة (أو الإجهاض كما هو الحال هنا) جليًا في قصيدتي المفضلة لها، بعنوان «امرأة بلا طفل»:[19]

الرحم
يجلجل في قشرته، القمر
يسرّح نفسه من الشجرة ولا مكان له ليذهب إليه.
مشهدي يدٌ من غير خطوط،
الطرق متكتلة في عُقدة،
العقدة أنا،

أنا الوردة التي تُنجزها—
هذا الجسد،
هذا العاج
لإإلهيٌ كزعيق طفل.

مجددًا، ندرك في آخر سطر من هذا المقطع التباين بين الألوهية والدونية التي تحتم الولادة تشكلها. ففي الولادة والإجهاض، فقدت بلاث ليس فقط جسدها الذي انسلخت عنه بسبب كونه مجرد حاضنة (أو رحم منفصل عنها، أو مساحة إقصاء)، ولكنها فقدت أيضًا ألوهيتها. فالرحم كالأفعى قد حبت خارجها، والقمر، الذي أمضت الكثير من ساعاتها مراقبةً إياه، متحللٌ الآن وضائع الوجهة. تصبح بلاث مجرد عقدة: كائنٌ ذائبٌ بين الألوهية وحتمية الفناء بسبب امتلاك القدرة على الحياة (الولادة) والموت (الإجهاض).

إلا أن هذا الكرب النابع من ثنائية الهوية (المرأة/الأم) وثنائية الجسد (المرأة/الإله) باردٌ ويحكمه الرجال. نسمع مجددًا صوت المرأة الثانية (السكرتيرة الشابة) في التسجيل الصوتي تردد (عن الرجال):

كم هم غيورون من كل شيء غير مسطح! إنهم آلهة غيورة
يحبذون أن يكون العالم كله مسطحًا لأنهم هم كذلك.
أرى الأب يتحدث مع الابن.
تسطيحٌ كهذا لا بد أن يكون مقدسًا.
«دعونا نصنع جنة اليوم» يقولون،
«دعونا نسطِّح ونغسل الكُبر من هذه الأرواح».

في هذا المقطع الذي يعكس روح النص بمجمله (والذي يتخلله لفظ «مسطح» 17 مرة) تلمّح المرأة القاحلة إلى الثنائية الحقيقة في الحياة وإلى من يتحكمون بالنسخة الفحولية منها: الرجال. ففي هذا المقتطف، تشير بلاث للرجال كألهة بشكل مباشر، كما في السطر الأول، ولكن أيضًا بشكل غير مباشر في استخدامها للحروف الاستهلالية للإشارة للأب والابن في إشارة واضحة للجانب الديني (الإلهي) لهذه الشخصيات التي تتباحث في خلق الجنة: أي التحكم بالرحم الذي يحوي الحياة والموت. مجددًا، تتحول السكرتيرة إلى روح غير قادرة على خلق وجه أو فم لأن الآلهة الحقيقية (وليس المينادة الميثولوجية) هي التي تتحكم بالعالم وتسطيحه (ربما نسبة للعلماء الذين أقصتهم الكنيسة عند إعلانهم أن العالم لم يكن مسطحًا).

يتبع صوت العقيمة الشابة صوت الطالبة التي تخلت عن طفلها قائلةً:

الأطباء يمشون بيننا كأن كُبرنا
يخيف الأذهان. يبتسمون كالحمقى.
هم من يُلام على ما أنا عليه، وهم يعرفون ذلك.

لقد رأيت الحجرة البيضاء النظيفة وأدواتها.
إنها مكان للزعيق. إنه غير مبهج.

«هنا ستأتين عندما تكونين جاهزة».

يتعدى هذا المكان كونه حجرة عمليات مجهزة لعملية إجهاض يحكمها الرجال الآلهة؛ فهو أيضًا المكان الذي واجهت فيه الشابة «صورة» الحقيقة. فقد رأت الحجرة، كمن كشف سرًا. تشرح سيلفر، في الورقة الأكاديمية المذكورة أعلاه، والتي كتبتها كمحاولة لتخفيف ألم حقيقة عقمها هي، أنه في الطور الحداثي، استطاع العلماء كشف الرحم من خلال العلم الحديث، محولين إياه بذلك من مكان غرائبي يصعب الوصول إليه، إلى مكان شفاف يسهل التحكم العلمي به[20] كما يسهل تصعيب خيار الإجهاض.[21] فهذا التجلي الذي يتحقق من خلال صور أشعة الليزر وتكنولوجيا الموجات فوق الصوتية والتلاعب الجيني وجزئيات الثقافة الصورية يعطي الجنين طابعًا سايبورغيًا.[22] فلحظة الرؤية التي تجعل من الجنين آدميًا تملكه الدولة هي نفسها لحظة رؤية الشابة لحجرة العمليات: لحظة التحول المؤلم للصورة إلى حقيقة.

أحاول مواراة جسدي المستور أثناء وقوفي لصق حافة الباب الخشبية. أمامي سبعة رجال يتباحثون. يسألني القاضي الشيخ، من غير النظر في وجهي، إن كنت قد حبلت أثناء فترة زواجي. أهز برأسي نافية شاعرة بخزي ملح طارئ؛ ذلك الخزي الذي وصفته سيلفر «كمرض الروح الذي يترك المرأة عارية، مهزومة، مغتربة وفاقدة للكرامة»ز[23] لا ألحظ وقتها إنني كنت قد أبعدت، بحركة لا شعورية، يدي عن بطني. أنسل تحت اللحاف في سريري وأتخذ وضعية الجنين. أشعر بالحزن على سيلفيا وعلى كل نساء العالم. لكن سرعان ما أسمع صوتها مرددةً المقتطف الأخير من «ثلاث نساء»:

الشوارع قد تتحول إلى ورق فجأة، ولكنني أتعافى
من السقطة الطويلة، وأجد نفسي في السرير،
آمنة على الفرشة، يداي متأهبتان، كأنما لسقطة.
أجد نفسي مجددًا. أنا لست ظلًا

المدينة تنتظر وتتألم. العشبات الصغيرات
تنبثقن من الحجر، وهن خضراوات بالحياة.

  • الهوامش

    * جميع المقاطع الشعرية من ترجمة الكاتبة.

    [1] Cristina Pipoș , «The Confession of Love, Loss, and Anger in Sylvia Plaths’ Poetry», Indiana University Journal, Vol. 6 (2013), 329.
    [2] Catherine B Silver, «Womb Envy: Loss and Grief of the Maternal Body», Psychoanalytic Review 94, no.3 (2007), 411.
    [3] ibid, 416.
    [4] ibid, 415.
    [5] ibid, 412.
    [6] ibid, 413.
    [7] ibid, 409.
    [8] ibid, 409.
    [9] Dana Levin, The Heroics of Style, Vol. 34, No. 3. Part I. https://aprweb.org/poems/the-heroics-of-style-part-one1
    [10] ibid.
    [11] Leah Souffrant, «Mother Delivers Experiment: Poetry of Motherhood: Plath, Derricotte, Zucker, and Holbrook», in Women’s Studies Quarterly, Vol. 37 (2009), 25.
    [12] ibid, 27.
    [13] ibid, 27.
    [14] ibid, 29.
    [15] «Hear Sylvia Plath’s Barely-Known Radio Play, Three Women», http://www.openculture.com/2016/10/hear-sylvia-plaths-barely-known-radio-play-three-women.html
    [16] http://www.angelfire.com/tn/plath/3women.html
    [17] Souffrant, 30.
    [18] http://poem-of-the-week.blogspot.com/2009/04/mirror-by-sylvia-plath.html
    [19] https://www.internal.org/sylvia_plath/childless_woman
    [20] Silver, 418.
    [21] ibid, 419.
    [22] ibid, 418. السايبورغ مخلوق هجين من إنسان وآلة أو قطع إلكترونية.
    [23] ibid, 419.