سجن تدمر: الحكي مع النمل

الخميس 14 كانون الأول 2017
من مشاهد الفيلم

يقول علي أبو الدهن، المعتقل لمدة 14 عامًا في سجن تدمر، ورئيس «جمعية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية»، أنه وخلال فترة سجنه لم يكن يقدّم للمساجين اللحم و«الرز» إلّا في الثامن من آذار من كل عام، وذلك بمناسبة عيد حزب البعث طبعًا. وفي إحدى المرّات التي كانوا ينتظرون فيها وصول الطعام رأى الراوي من ثقب الباب الحراس يضعون صدور الطعام على الأرض ويتأملونها. كسر أحد الحراس الصمت وقال: «هدول العرصات راح ياكلوا لحم وهنة بكرهوا الأسد، أنا بفرجيك شو رح ساوي فيهن». وأخرج عضوه وتبوّل على الطعام. شهق أبو الدهن من خلف الباب. سأله زملاؤه عن سبب الشهقة إلا أنه قال «ولا شي». لم يخبرهم بشيء. قال أنه لم يستطع أن يفسد متعة الطعام على زملائه. تحجج بوجع في معدته حتى لا يأكل. قال أن شدة جبنه وشدة شجاعته المختلطة في هذا الموقف حيّرته.

سردٌ للفاجعة، هذا ما حاول المخرجان مونيكا بورغمان ولقمان سليم فعله بفيلمهما الصادر عام 2016 بإنتاج مشترك (لبنان، فرنسا، سويسرا، قطر، الإمارات)، وهو الفيلم الحاصل على جائزة الفيلم السياسي بمهرجان هامبورغ للأفلام. جمّع المخرجان مجموعة من المعتقلين اللبنانيين السابقين في سجن تدمر، والذين تعرفوا إليهم عن طريق جمعية المعتقلين، ليتحدثوا عن تجربتهم في سجن تدمر الشهير.

وفقًا لتقريرٍ لمنظمة العفو الدولية، أُسس سجن تدمر من قِبل الاحتلال الفرنسي في الفترة ما بين 1920 و 1947 كسجن عسكري، إلّا أنه وفي العام 1970، ومع استلام حافظ الأسد السلطة عن طريق انقلاب عسكري، صار يستقبل بعض المعتقلين السياسيين، حيث يمكثون في عزلة تامة، بعيدين عن العالم وفي قلب الصحراء. وصولًا إلى العام 1979، إذ ازداد عدد المعتقلين بشكل مطّرد. اعتبار تدمر سجنًا عسكريًا جعله خارج سلطة وزارة العدل، مما زاد من الوحشية التي عرفها. وقصّة هذا السجن المرعب انتهت مع سيطرة داعش على مدينة تدمر وتفجيرهم لمبناه المفرغ من السجناء.

الفكرة في البداية كانت عبارة عن عروض مسرحية مرتجلة يتحدّث فيها المعتقلون العاديون ومعتقلو الانفرادي عن تجربتهم، إلّا أن تلقيهم دعوات للعرض في ألمانيا اضطرتهم لكتابة نص وترجمته. تطوّرت الفكرة بين المشاركين في الفيلم، مخرجين ومعتقلين، إلى أن وصلوا لفكرة إعادة بناء المعتقل. لجأوا لمدرسة مهجورة في بيروت، حيث أعادوا تصميم مهجع يعيشون فيه أيام التصوير ويعيدون تمثيل تلك السنين الطويلة في غضون 100 دقيقة تقريبًا.

يبدأ الفيلم بصورة غير مفهومة: شخص يحفر سقفًا بحفّارة. من ثم يقوم بعض الأشخاص بنصب شبكة أسفل السقف، ويركّبون حماية حديدية لما يمكن أن نسمّيه نافذة على امتداد الحائط الجانبي. بعدها، يقص أحدهم قطعة فلينية سوداء ويبدأ بضرب من حوله ضربًا ساخرًا، ويتألمون، بدورهم، تألمًا ساخرًا. شيئًا فشيئًا نعرف نيّتهم إعادة بناء تدمرهم. لاحقًا، أيضًا، نعرف أن ذلك الثقب الذي شاهدناه مخصص للسجّانين، ليمارسوا رقابتهم على المساجين من خلاله، فيأمرون ذاك بالالتزام بقواعد النوم، وآخر بأن يصمت. ومن خلال ذلك الثقب يبدو وكأن المعتقلين يحوّلون إلى عساكر؛ يجبرونهم على تأدية التحية العسكرية للرقباء، وعلى التحدث بلغة «استرح، استعد»، بالإضافة لفرض نوبات حراسة يقوم بها المعتقلون على أنفسهم. إن شعر الرقيب (الأعلى، المراقب من فتحة السقف) بأن أحد النائمين ارتكب خطأ، مثلما حصل في مشهد بالفيلم، على المعتقل الذي يتولى الحراسة أن يعاقب ذلك المخطئ، وإن لم يرض الرقيب عن العقاب يُعلَّم الاثنان للعقاب غدًا. يتراوح العقاب ما بين تكسير الضلوع من خلال القفز فوقها بالبساطير، ونزع جلدة الظهر أو الإعدام.

من بين العقبات التي واجهت فريق الفيلم أن التمثيل لبعض التفاصيل كان مستحيلًا، فكيف ستمثّل التعذيب بالدولاب أو تناول الصراصير الميتة؟ لذلك كان اللجوء لوضع كرسي يتوسط الشاشة ويجلس فيه المعتقل ليروي ما عجزت عن تصويره الكاميرا. إلّا أن هذا الحل لم ينقل حقيقة الأمر، فاضطر المخرجان إلى كسر قلة حيلة الكاميرا تلك بإضافة كاميرا أخرى، لأن «هذه الطريقة في التصوير تتصل بكون المعتقلين، وخلال كلامهم، يقومون بحركات جسدية، كما لو أن اللغة لا تعينهم على السرد وحدها، فهم في حاجة إلى أجسادهم لكي يعبّروا عما قاسوه»، كما تقول المخرجة في لقاء لها مع موقع المدن.

لم يعرض هذا الفيلم في دور السينما العربية، وعن سبب عدم عرضه في دور السينما التجارية يقول المخرج: «على أمل أن نجد موزعًا لبنانيًا يقبل بأن يسعى مع الأمن العام اللبناني للحصول على تأشيرة العرض في الصالات اللبنانية، تبقى سعادتي كبيرة بأن الفيلم بات مقرصنًا بعدما عرض على شاشة قناة «العربية» التي شاركت بالإنتاج! فليكن القرصان موزعنا في لبنان إلى حين ننتهي من مسألة أقنية الرقابة البائدة والتافهة».

وقد عُرض الفيلم وشاهدّتُه ضمن فعاليات مهرجان كرامة 8 في الأردن، نهاية الأسبوع الماضي. وصلتُ إلى قاعة العرض قبل نصف ساعة من موعد البدء. لطالما استهواني منظر دخول الناس وخروجهم في دور السينما، وهذه المرّة كان المشهد أكثر إثارة بسبب المشهد التالي: في مشهد داخل الفيلم، يستغرب أحد المعتقلين وجود النمل معه في الزنزانة، إلّا أنه رغم ذلك، كان يتحدث إليهم ويُطعم الصف المثابر فتات الخبز. عندما رأيت هذ المشهد، عاد لي منظر دخول الحضور إلى القاعة وخروجهم؛ إنهم نحن، قلت لنفسي. نحن الذين يتحدث عنهم هذا السجين؛ نمل يمرّ عليه بشكل اعتباطي، كلٌّ جاء وله أسبابه لحضور الفيلم، والعرض سيظل يُعرض لنمل، يستمع فقط، يروح ويجيء. بجانب الحائط، داخل صالة العرض، وفي الممرات الضيقة، يسير النمل ببطء خوفا من أن يدوسوا على أقدام النمل الجالسين على المقاعد وعلى الارض. النمل يدخل القاعة، ويتساءل السجين داخل الشاشة عن وجودهم في زنزانته وأمامه خارج الشاشة، هنا. إنهم أحرار يستطيعون الخروج، يقول بحرقة، إلا أنه يتحدث إليهم على أي حال، يعطيهم شرف أن يسمعوا قصّته وأن يعرفوا شعوره، عن آلام الدولاب والفلقة، والجوع، والقولون، والأصابع المتفزرة، والظهر المسلوخ.

 أسباب كثيرة تدفع السجناء للتحدث، وأسباب كثيرة تمنعهم عن ذلك. لا تتعلق المسألة هنا بالشجاعة والجبن، بالرغم من أن هذا التردد يرد على لسان البعض في الفيلم. ربما أن الأمر ليس قابلًا للتصنيف، لست أعلم، المهم أن البعض قد تحدّث، وأننا بتنا نعلم