الموسيقى البديلة في المنطقة العربية: «هي أشياء لا تُشترى؟»

الإثنين 28 آذار 2016

لألبوم جورج مايكل، «لايديز آند جينتلمان»، قيمة خاصة على قائمتي الموسيقية، فقد كلفني ثلاثين دينارًا عام ١٩٩٩. كانت في ذلك الوقت الموسيقى تُباع وبكلفة باهظة جدًا، إلى أن هبط علينا «نابستر» من السماء في العام 2000. كان برنامج مشاركة الملفات نابستر بمثابة نافذة جيل بأكمله نحو الأغاني الأجنبية التي حُمّلت من أمريكا وأوروبا، في الوقت الذي كانت فيه المنطقة العربية ما تزال تحت رحمة الـDial-up. كان ملاذنا الوحيد للأغاني العربية حينها مواقع بدائية مثل Salmiya و6arab حاولت أن تكوّن قاعدة بيانات لنسخ رديئة من الموسيقى العربية التي تبث على الإذاعات والتلفزيونات.

الحصول على الموسيقى دون مقابل عبر نابستر كان مصدر حماسة فائقة بالنسبة لنا، لكنه كان فيلم رعب للموسيقيين ولشركات الإنتاج التي هبطت أرباحها في ٢٠٠٢ من بيع الألبومات بنسبة ٩٪. غيّر نابستر حينها مشهد صناعة الموسيقى إلى غير رجعة. ضغطت شركات الإنتاج والتسجيل نحو سن قوانين أكثر صرامةً لحماية الملكية الفكرية، وملاحقة كل من ينسخ الموسيقى دون رخصة أو يسهل عملية النسخ، وبالتالي أفلس نابستر بسبب الدعاوى القضائية التي انهالت عليه في ٢٠٠٢، ورفعت هيئات وجمعيات التسجيلات الصوتية كذلك آلاف الدعاوى القضائية على مستخدمي الموسيقى دون رخصة. في الوقت نفسه، كانت صرامة القوانين ورغبة الفنانين بالحصول على حقوقهم فرصة تجارية ذهبية لعالم جديد من المنصّات الرقمية الربحيّة التي قدمت الموسيقى، سواء عن طريق الإذاعات الرقمية (مثل Spotify وPandora) أو عبر متاجر الموسيقى (مثل Amazon وiTunes).

أما في المنطقة العربية، فقد أدى انتشار الإنترنت السريع والمنصات الرقمية وتقنيات مشاركة الملفات مثل التورينت إلى تحرير مشهد الموسيقى العربية من سلطة شركات الإنتاج الكبيرة، وحظي المشهد بفرصة انتشار أغان مختلفة عن السائد، سواء من حيث الآلات والإيقاع أو من حيث إتاحة محتوى يتعرّض للسياسة وللمحظورات بشكل عام. وتكفي نظرة واحدة على موقع ساوند كلاود لنرى أن العديد من المغنين تمكنوا من الوصول إلى جمهور كبير دون الحاجة إلى الراديو والتلفزيون. وبعض هذه الفرق طلبت من جمهورها أن يتعدى دوره في تلقي الموسيقى ليصير ممولًا لموسيقاهم وألبوماتهم، كما سبق وفعلت مشروع ليلى والمربع.

تطور المشهد الموسيقي في المنطقة العربية بالاعتماد على بنية منصات الرقمية التي ظهرت بعد أزمة القرصنة وخضعت لقوانين الملكية الفكرية في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن بيئة تحصيل حقوق الملكية الفكرية للمنتجين المحليين في المنطقة العربية ظلت من دون تغييرات جذرية، ليجد الموسيقيون المستقلون العرب أنفسهم في وسط يسهّل انتشار موسيقاهم لكن يصعّب تحصيلهم مردودًا ماديًا منها، ويتجاهل رأيهم في الثمن الذي يدفعه المستمع العربي لموسيقاهم.

من يدفع مقابل موسيقى الفنانين المستقلين الرقمية؟

«في الزمانات كنا نركض على ميوزك بوكس أول ما يطلع الألبوم عشان نشتريه. الجيل الجديد [جيل] التسعينات، اللي ما بعرف زمن ما قبل الإنترنت، بفكر أنو كل الموسيقى ببلاش»، يقول محمد عبدالله من فرقة المربع. لكنه سرعان ما يستدرك ليشكر المنصات الرقمية مثل ساوندكلاود لأنها سهّلت من وصول الناس الى ألبوم فرقة المربع الأول.

ساوند كلاود من المساحات القليلة ذات الشعبية العالية التي لم تعتمد نموذج الربح من الموسيقى الرقمية. لكن تحوّله من منصة لمشاركة التسجيلات الصوتية الفردية إلى خزان للموسيقى المسجلة، أدى إلى كسب مؤسسة «مجتمع حقوق الأداء» البريطانية دعوى قضائية ضده عام ٢٠١٥، لعدم تقديم الموقع أي مقابل مادي للمغنيين. والآن يتوجه ساوند كلاود لتغيير نموذج عمله في تقديم الدعايات والاشتراكات حتى يتمكن من دفع ما يترتب عليه من مستحقات.

أما المنصات الربحية، التي قامت على قانون حقوق الملكية الفكرية الملاحق للقرصنة، فتدفع حقوق تأليف للمؤلف والناشر تسمى بالحقوق الميكانيكية، وحقوق أداء للمغني وكل من ساهم بالأغنية بغض النظر عن بلد المنشأ، وذلك وفق معادلة معينة. مثلًا، على الرغم من الانطباع السائد عن مجانية الموسيقى على موقع يوتيوب، الذي لا يكلف المستمع مقابل الوصول للموسيقى، إلا أن عوائد الدعايات التي تلصقها الشركة بفيديوهات الموسيقى يتقاسمها يوتيوب مع الفنانين أو شركات الانتاج. ولأن موقع مثل يوتيوب هو نتاج تحميل شعبي للموسيقى والفيديوهات، فهو يستخدم برامج تكشف تلقائيًا الموسيقى التي تحمل من المستخدمين دون إذن حقوق.

قد تبدو معادلات أرباح الحقوق الرقمية كنزًا سيمكّن الموسيقيين المستقلين في المنطقة العربية من العيش عيشًا رغيدًا، بعد أن سمحت لهم المتاجر الرقمية ومنصات الراديو الإلكترونية بتخطي شركات الإنتاج الكبرى التي تقضم الحصة الأكبر من عوائد الحقوق، وخاصة حين نسمع عن أن أربعين ألف دولار هبطت على فنان هاوٍ في الولايات المتحدة، بعد أن أدرج أحدهم أغنيته في قائمة أغانٍ، لتصبح عبر سنة من أكثر القوائم سماعًا على منصة Spotify. كل ذلك بسبب حقوق توزيع وأداء أغنية واحدة. لكن رومانسية هذا الخبر تنتهي عندما نعلم أن الفنان الهاوي ذاته احتاج إلى ١٠ ملايين استماع ليجني ٤٠ ألف دولار.

«أنا بعتبر حالي كموسيقي زيي زي الخباز، بستخدم إيدي، مهنتي تعتمد على معرفة وخبرة وإيدي. هل عمرك حتروحي الى مخبز لتأخذين خبزا من غير ما تدفعي للخباز؟» خيام اللامي

يتمنى الموسيقي والملحن، يعقوب أبو غوش، أن يشتري مستمعوه موسيقاه. لكنه في ٢٠١٢ وضع الألبوم الجديد حينها «خبز»، لفرقته «زمن الزعتر»، كاملًا على موقع الفرقة لاقتناعه بقلة المردود الذي يمكن تحصيله من بيع الألبومات الرقمية، وهو ما يعتبره ظاهرة عالمية. فبرأيه، مصدر دخل الفنان الآن هو العروض الحية.

تؤكد ذلك دراسة الاتحاد الدولي للتسجيلات الموسيقية عن نفاذ مستمعي العالم للموسيقى. ففي آخر ستة أشهر من سنة ٢٠١٤ في أكبر ١٣ سوق للموسيقى الرقمية في العالم، كانت لمواقع الفيديو مثل يوتيوب الحصة الأكبر من طرق نفاذ المستمعين لموسيقاهم. وفي الوقت ذاته تشير الدراسة إلى أن مردود أرباح الموسيقى الرقميّة من خدمات البث المعتمدة على الدعايات (٩٪) (كاليوتيوب) كانت الأقل في ذات العام. مما يعني أن الجزء الأكبر من مستمعي العالم على الإنترنت يصلون إلى الموسيقى عبر المنصات المجانية المدعّمة بالدعايات، وأن النسبة الأقل هي التي تدفع مقابل الأغاني.

لا يهم الموسيقي خيام اللامي المردود من هذه المنصات، فيدرك أن ألبوم فرقة الألف متوافر على التورنت. لكنه يصرعلى تتبع نسخ الألبومات التي تنتجها شركته، تسجيلات نوى، والتي يطرحها مستمعون إما على منصات مثل الساوند كلاود أو على مدوناتهم للتحميل دون مقابل، ليقنع أصحاب هذه المدونات أو حسابات الساوند كلاود بإزالتها بعد شرح ضرر مشاركتها على أرباح الفنان المستقل. «أنا بعتبر حالي كموسيقي زيي زي الخباز، بستخدم إيدي، مهنتي تعتمد على معرفة وخبرة وإيدي. هل عمرك حتروحي الى مخبز لتأخذين خبزا من غير ما تدفعي للخباز؟ أخلاقيًا لا تعمليها. الخبزة بتاكليها بتشبعي نص نهار، وخلص بتروح. الموسيقى تبقى معك طول حياتك». يفضل خيام اللامي أن يشير الناس لرابط للألبوم على موقع يدفع للفنان، وأن يحصل على دولار واحد من مليون حركة استماع بدلًا من لا شيء، «لأنه الموضوع متعلق بتعويد الناس على فكرة احترام ثمن العمل الموسيقي».

في المقابل، يرى الفنان الفلسطيني تامر أبو غزالة، أنه «من الناحية الفلسفية هناك مشكلة بمعادلة النظام الرأسمالي [القائلة] بأن على أي مجهود أن يساوي دخلًا. (..) فالفنان سواء حيجيب مصاري أو مش حيجيب، أنتج عمله لأن هو يريد أن يحكي شيئًا ومش لأنه حد بده يسمع شي». لكن من الناحية العملية، يتفق أبو غزالة مع محمد العبدالله، من فرقة المربع، الذي يعترف أنه فقد الأمل في أن يلاحق وحده المستخدمين في المنطقة العربية لتقييد مشاركة فنه إن لم تكن هناك أطر قانونية تدعم جهوده. يقول العبد الله، «أحيانًا ينتابني شعور بأنني لا أعرف إن كانت الناس تسمع أغاني الفرقة لأنها متوفرة أم لأنهم معجبون بها (..) قد يكون من يدفع مقابل سماعك هو المستعد أن يذهب خطوة أبعد للحصول على موسيقاك».

حقوق الملكية الفكرية للفن في العالم العربي: أغنية حزينة طويلة

تعطل  الأطر القانونية والمؤسساتية لحماية الملكية الفكرية لفناني المنطقة لم يبدأ من انتشار المنتجات الفنية على الإنترنت. فبغض النظر عن الوسيلة، لا توجد منظومة لجمع حقوق الموسيقيين والمؤلفين والملحنين والمؤديين على الإذاعات والتلفزيونات في المنطقة العربية. لكن توقيع معظم الدول العربية على اتفاقية حقوق الملكية الفكرية العالمية شكّل درعًا لحماية أعمال الفنانين الأجانب دون العرب في المنطقة العربية.

تواجد منظومة تلاحق حقوق ملكية الفنانين في أوروبا والولايات المتحدة بغض النظر عن وسيلة نشرها، يجعل توزيع الموسيقى العربية في العالم الغربي فرصة مناسبة للحصول على عوائد ما.

حتى إن وضعت الأطر القانونية جانبًا، فالمنطقة العربية تشكو من صعوبة التوزيع. بالنسبة لخيام اللامي، فإن شحن وتوصيل الألبومات على أقراص مدمجة مكلف جدًا وغير مضمون بين البلدان العربية. قد يرى البعض أن التذمر من التوزيع المادي للموسيقى فات أوانه لانتهاء سوق الموسيقى بشكلها المادي. ولكن هذا ليس ما تعكسه دراسة الاتحاد الدولي للتسجيلات الموسيقية التي أعلنت إعادة إحياء الناس لإسطوانات الفاينيل (vinyl) التي ترتفع مبيعاتها باستمرار على مدار السنوات الأخيرة في الغرب. أما التوزيع الرقمي فمشكلته لا تخص الموسيقى وحدها، لأن هناك ضعفًا عامًا في البنية التحتية الشرائية على الإنترنت في المنطقة العربية. في تونس مثلًا، لا تطرح البنوك إلا بطاقات شرائية تتعامل مع العملة المحلية. أما أن تجهز موقعك لخدمة هذه بطاقات الدفع على الإنترنت فهي عملية معقدة ومكلفة جدًا بحسب اللامي. هنا، يضطر الموسيقي إلى وضع موسيقاه على متاجر الشركات الأمريكية مثل Amazon وiTunes لبيع ألبوماته كخطوة أولى لنشرها في أوروبا وأمريكا. لكن حتى يصل ألبومك إلى متاجر iTunes الخاصة بالأردن ومصر ولبنان وعمان والبحرين والسعودية والإمارات والمغرب، عليك التعاقد مع وكيل في دبي.

لكن المشهد ليس معتمًا بالكامل. في السنوات الأخيرة، ظهرت مواقع بث عربية تدفع للموسيقيين مقابل بث أغانيهم على موقعها وتتعاقد مع شركات إنتاج كبرى أو مستقلة. موقع IndiePush يحاول أن يدعم الفنانين المستقلين بنموذج مختلف قليلًا يستفيد من مكانة مواقع التواصل الاجتماعي لدى المتسخدمين العرب، ويشجع المستخدمين على مشاركة موسيقى للفرق التي يحبونها على مواقع التواصل الاجتماعي.

تواجد منظومة تلاحق حقوق ملكية الفنانين في أوروبا والولايات المتحدة بغض النظر عن وسيلة نشرها، يجعل توزيع الموسيقى العربية في العالم الغربي فرصة مناسبة للحصول على عوائد ما.

إهمال حقوق الملكية الفكرية ليس سياسة مقصودة تتبعها الدول العربية لتقوية اقتصادياتها الثقافية، كما فعلت الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر عندما قاومت قوانين الملكية الفكرية حتى يتأثر كتابها ومؤلفيها بكتابات غيرهم، بحسب ما ينقل الكاتب هاجون تشانغ في كتابه «السامريون الأشرار»، بل هو تحصيل حاصل لواقع انهيار آليات تنفيذ القوانين. السؤال هنا، هل نريد أن تلحق المنطقة بقوانين الملكية الفكرية الحالية التي تكون قد حفظت حقوق النشر والتوزيع ولكنها جعلت من المشاركة المفتوحة والوصول إلى المنتجات الثقافية في الولايات المتحدة فيلم رعب؟

قد يكون ما ينتظره الفنان المستقل العربي هو توفر آليات لحماية حقوق الملكية الفكرية بالأخص في استخدامات الإذاعات التجارية. يدرك خيام اللامي ويعقوب أبو غوش ومحمد العبدالله أن جماهيرهم لا تشارك أغانيهم دون مقابل بهدف الإساءة اليهم أو لأغراض ربحية، لكن الهدف من اهتمامهم بحقوقهم المالية هو إرساء فكرة أن الانتاج الموسيقي مكلف بعكس الانطباع الذي يعطيه تواجدها الرقمي.

يقول لورانس لسيغ مؤسس حركة المشاع الإبداعي، في كتابه ريمكس، أنه في عالم الإنترنت الذي تكاد المشاركة فيه تشبه التنفس، ليس من المنطق أن نجرّم الناس على ممارسة النسخ أو المشاركة التي تعد امتدادًا لتداول وإعادة إنتاج الثقافة في المجتمعات. لكن على الأطر القانونية المزج ما بين حماية حقوق الفنان وتجنب حبس المنتجات الثقافية الرقمية. فحركة المشاع الإبداعي مثلًا تشجع حماية حقوق الفنان المستقل، وتميز بين من يجب أن يدفع مقابل استخدامه للموسيقى لأمور تجارية ومن يريد أن يتداول الموسيقى كممارسة ثقافية. فليس من المعقول أن تقوم شركة وورنز بروذر بطلب إزالة لفيديو حملته أم لابنتها ذات الـ١٨ شهرًا وهي ترقص على أغنية برنس «Let’s Go Crazy» باعتبارها مخالفة لحقوق ملكية الفنان. قد يكون علينا كمستمعين في العالم العربي دعم الفنان المستقل الذي قرر التحرر من سلطة شركات الإنتاج الكبيرة، لكن يقول ليسنغ أيضًا، إن كنت لا تريد لأغراضك أن تسرق، فاجعل وصول الجمهور إلى مواقع شرائها سهلًا.