رأي

عن الكتب أكتب: في فنّ استعارة الكتب وإعارتها

الثلاثاء 14 آذار 2017

بقلم وفيقة المصري

أجلس الآن وحقد شرّيرٌ يتملّكني، تمامًا كالحقد الذي تملّك غسان كنفاني عندما كتب مقاله «عن الأقلام أكتب..لا عن الكتب!». تلك المقالة التي عبّر فيها عن سخطه الشديد تجاه من يستعيرون أقلامه ولا يعيدونها. في الحقيقة، إنّ استخدامه للفعل «لطش» بدلًا من الفعل «استعار» في هذا السياق يبدو أوسع إيحاءً وأسرع تنبؤًا لما قد يحمله ويؤول إليه هذا المدلول الضيّق لكلمة «استعارة»!

تتعدّد النهايات والبداية واحدة. كل قصص اختفاء الكتب تبدأ في خروجها الاعتباطي من المكتبة. أُدرك وبجديّة أنه لا غاية من الاحتفاظ بالكتاب طويلًا على الرف غارقًا بالغبار دون أن يُتاح لقارئ آخر أن يسبر روحه، إلا أنّ خروج الكتاب من المكتبة لا يجب أن يكون بدون حقوق تضمن رجوعه على الأقل. أكاد أجزم أنّ معظم من يعدّون أنفسهم محبين للكتب قد فقدوا أعدادًا من كتبهم جرّاء إعارتها لمن لا يستحقّونها.

شخصيًّا، قابلتُ الكثيرين من هؤلاء الذين يتمتّعون بقدر عالٍ من الجرأة التي تجعلهم يطلبون استعارة الكتاب وهم ينوون «لطشه» مسبقًا. ولا يقل هؤلاء «جرأة» عن أولئك الذين يطلبون استعارة الكتاب ليحتفظوا به مرميًّا في أحد الأدراج أو تحت السرير وقد تآكلت روحه وتجعّدت أطرافه. هذا الصنف من مستعيري الكتب يأخذ الكتاب وهو يدرك أنه لن يقرأه، ولذلك يحتفظ به بعيدًا عن عينيه، متناسيًا إرجاعه، وبهذا لن يقف محرجًا أمام صاحب الكتاب وهو يعيده له دون أن يقرأ منه صفحة واحدة.

لكن، ما الذي يدفع هؤلاء إلى استعارة الكتب وهم لا يرغبون في قراءتها أصلًا؟ قد يكون هناك أكثر من سبب لهذه الظاهرة، فالاستثقاف، هذا المرض العصري المتفشّي، يدفع الكثيرين إلى أن يراكموا كتبًا اشتروها وأخرى استعاروها ليدخلوا أنفسهم في سيرك استعراضي للمثقفين وعوالمهم الضائعة. لكنني ألوم كذلك من لا يعرف الفرق بين الكلام عن الكتب ترغيبًا للآخرين بقراءتها وبين الكلام عنها إجبارًا للآخرين على استعارتها! صادفتُ في حياتي أشخاصًا أجبروني على استعارة كتب يعتقدون أنه يتحتم عليّ أنا بالذات أن أقرأها، وما يكون منّي إلا أن آخذ الكتاب، مُحرجةً، دون أي لهفة أو فضول لمعرفة ما فيه. الإلحاح على الآخرين بأن يقرأوا كتابًا لا يرغبون بقراءته يعتبر إهانة بحق الكتاب وصاحبه. الكتب يجب أن تُطلب لا أن تُعطى، هكذا.

وقد يعود الكتاب إليك أحيانًا وليته لم يعد. فإذا استطعت أن تتعرف عليه بعد عودته، فذلك لأن من استعاره قد شكرك عند إعادته إليك، لكنّك متأكدٌ حتمًا من أنّ الكتاب الذي بين يديك الآن ليس الكتاب نفسه الذي اشتريته؛ فقد اسودّت صفحاته وتجعّدت أطرافه وفاحت منه رائحة غريبة لا تشبه رائحة الكتب التي تحبها منه. لا عليك! خذ ما تبقّى من كتابك ولا تكن جاحدًا فقد رجّع إليك على الأقل.

أمّا الأغرب من هؤلاء جميعًا، فهم أولئك الذين يعيرونك كتابًا وينسونه، وكلّما أخبرتهم عن رغبتك في إعادته تجاهلوا الموضوع تمامًا وكأنه لا يعنيهم. فكّرتُ مرارًا أن هؤلاء الأشخاص لا يستحقون أن يُرجع الكتاب لهم، وأنّ هذا يعطيني حق الاحتفاظ به، إلا أنني كنت أتراجع عن قراري وأنتهي إلى تركه في مكان ما نتفق عليه، ليأتي من أعارني إياه فيما بعد، مكرهًا، ويأخذه.

قال لي أحد الأصدقاء مرة إنه من اللازم أن نشتري الكتب بعد أن نقرأها، وأدركت حينها أنّ كلامه منطقي؛ فكم من الكتب التي ندمت على شرائها بعد قراءتها؟ وكم من الكتب التي استعرتها ورغبت في اقتنائها حتى بعد انتهائي منها؟ الاستعارة باب يتيح لك عوالم لانهائية بالمجّان، بينما يجنّبك شراء كتب لم تكن تعرف أنك لا تريدها إلا بعد قراءتها. والإعارة طاقة لا تنضب منبعها الوحيد هو الرغبة في مشاركة الجمال. أمّا الكتاب الذي لا يُنسى فدائمًا ما يعيدني إليه أو حتى إلى صفحة من صفحاته، ففي الرجوع إليه لذة قد لا تعادل المرة الأولى لكنها تحيي شعورًا مشابهًا، ولا يحرمني من هذا الشعور إلا أولئك الذين يستعيرون كتبي ويتجاهلون إعادتها مهما طالبتهم بها.

لا أعرف لماذا يصعب على بعض الناس أن يفهموا الفرق الشاسع بين إعارة الكتب وإهدائها؟ يبدو أن الحل الوحيد لسوء الفهم هذا هو ما قاله الروائي الفرنسي أناتول فرانس: «لا تُعر الكتب أبدًا، فلا أحد يرجعها، والكتب الوحيدة التي أحتفظ بها في مكتبتي هي الكتب التي أعارني إياها الآخرون.»