فيلم «المنعطف»: ميني فان يقوده القدر

الثلاثاء 02 آب 2016
مشهد من فيلم المنعطف لرفقي عساف.

ماذا يعني أن تكون خائفًا من الناس؟ أن تعيش في رهاب من المجتمع ومن الماضي ومما قد يحدث لك في أي لحظة تخرج فيها خارج مساحتك الآمنة؟ وماذا يعني أن تصنع لنفسك سجنًا تعيش فيه طواعيةً، تمارس فيه على نفسك تمرينًا بتذكير نفسك بألم الفقد يومًا بعد يوم؟ هذا فعلًا ما يحاول أن يصل إليه المخرج الأردني رفقي عساف في فيلمه الروائي الأول «المنعطف»، الذي عمل على تأليفه والإعداد له وتصويره ما يقارب الست سنوات.

يعلل عساف ذلك قائلًا: «عملت على «المنعطف»  لست سنوات ونصف ما بين كتابة وبحث عن تمويل وإعداد؛ كنت أعتقد أن هذه المدة طويلة، لأنني بطيء بشكل عام في حياتي، لكنني اكتشفت أن معظم المخرجين تأخذهم مدة مشابهة لإنجاز أفلامهم الروائية، والأسباب في معظم الأحيان تمويلية، ففي العالم العربي ليس من السهل الحصول على تمويل لإنتاج فيلم».

تدور أحداث الفيلم، الذي يقوم ببطولته الفنان الفلسطيني أشرف برهوم، والسورية فاتنة ليلى، واللبناني مازن معضم والأردني أشرف طلفاح، حول رجل يعاني من «الرهاب الاجتماعي»، ويعيش داخل «ميني فان»، يقوده القدر، كما يوّصف عساف الفيلم، إلى لقاء ثلاثة أشخاص، في ظروف مختلفة، ليصبحوا جميعاً في رحلة على الطريق. لكن هذا الرجل لا يُعاني الرهاب فقط، بل يُعاني من فقد الأب، ومن فقد الوطن والشعور بالهزيمة.

أحداث الفيلم تقع في مكان واحد وهو الـ«ميني فان»، تلك التي نشاهدها في الأفلام الأميركية، وهذا من الناحية التقنية أمر صعب. «معظم أحداث فيلمي تدور في ميكروباص ومن الصعب التصوير في هذه المساحة والزاوية الضيقة بكاميرات احترافية كبيرة وثقيلة حجمًا وتحتاج لمساحتها الخاصة، فكان هناك تحدٍ كبير من هذه الناحية بالنسبة لي ولمدير التصوير»، يقول عساف، ويضيف أنه فضلًا عن صعوبة موقع التصوير، فإن صعوبات أخرى واجتهه في العمل «لم يكن من السهل أن أجد فريق العمل المناسب بالنسبة لفيلمي، خصوصًا وأن فترة التصوير كانت محصورة بواحد وعشرين يومًا، واعتذر مدير التصوير الأرجنيتني قبل بدء العمل بوقت قصير، مما دفعني للبحث عن مدير تصوير جديد، وبالنهاية اتفقنا مع مدير التصوير البولندي  بيوتر جاكسا. واجهتنا اعتذارات من ممثلين في اللحظات الأخيرة، وهذه الأمور عطلت علينا وأخرتنا».

يبدو فيلم المنعطف أقرب ما يكون إلى المونولج الداخلي؛ شخصٌ يسرد نفسه وعالمه الداخلي، وتسلسل الأحداث لا يبدو منطقيًا تمامًا بالنسبة للمشاهد. ولكن ما الذي كان يحاول عساف أن ينقله للمشاهد من خلال كل هذا التعقيد: «فعلًا الفيلم مونولج داخلي، وبقدر ما يبدو المونولج الداخلي معقد وصعبٌ أن يُحكى كفيلم، كان أيضًا معضلة بالنسبة لي». يرى عساف أنه حاول أن يصنع فيلمه على عدة طبقات؛ «بمعنى أن هناك طبقة للمشاهد العادي الذي يريد أن يستمتع بقصة ويتعاطف مع شخصياتها، وهذه طبقة ترفيهية. ولكن هناك طبقات أخرى، وهنا يأتي التعقيد  في الفيلم، هناك طبقات نفسية وشخصية تمسني أنا بشكل شخصي، تتحدث عن الفقد والعزلة وفقاعتي التي أحمي بها نفسي، وهناك طبقة سياسية تتحدث عن بلاد الشام».

اختيار عساف للميني – فان قد يبدو منطقيًا إذا ما أردنا أن نحصره بفكرة العزلة، لكنه يبدو غريبًا إذا ما نظرنا من بعيد، لنجد أنها نظرة غربية. فـ«الفان» أو الميكروباص هو رمز لحقبة زمنية أميركية كانت تدعو للتحرر من الأنظمة الرأسمالية، وهي أيضًا رمز للـ«هيبيز» في أميركا، فلم يكن اختياره ينطلق من بيئته أو ثقافته مجتمعه.

لكن عساف يرى في خياره وجهة نظر أخرى، عدا أنه «مُغرمٌ بباص الفوكس فاجن لأنه يمثل بالنسبة لي قيم التحرر»، فإنه وجد أيضًا في خياره هذا وكأنه رمزٌ وتحية لقيم التحرر: «أعتبر أن النظام الرأسمالي الحالي هو أنجح نُظم العبودية في التاريخ، لإنه نظامٌ استطاع أن يُقنع العبد أنه حر، وهذا لم يحصل من قبل. جاء هذا الباص في فترة من الفترات كرمز للناس التي حاولات الانسلاخ عن هذا المفهوم واكتشفت أن هذا النظام هو نظام عبودية جديد، فكان الباص مهرب لهم».

لكن، هل يستطيع المتلقي العربي أن يتواصل مع هذه الفكرة ويشعر أنها تمثله حقًا، أم أنها تبدو مستوردة ومُقحمةً على النص؟ عساف يرفض هذه الفكرة ويجد أن المشاهد العربي قادرٌ على التقاط الفكرة «أعتقد أن المشاهد العربي ذكي ويستطيع أن يلتقط هذه الفكرة، ويمكن للمتلقي أن يلتقط الفكرة في اللاوعي. الفكرة تستهدف اللاوعي لدى المتلقي».

فيلم «المنعطف» كان من إنتاج مشترك بين رولا ناصر (The Imaginarium Films)، المصري محمد حفظي (فيلم كلينك) والفرنسية زينيا مانغو (Eaux Vives Productions)، وتقوم بتوزيع الفيلم في أنحاء العالم شركة MAD Distribution، وشارك في عدد من المهرجانات الدولية، منها: مهرجان سياتل السينمائي الدولي في الولايات المتحدة الأميركية، ومهرجان دبي السينمائي الدولي الثالث عشر، ومهرجان الفيلم العربي السادس في الأردن.

تجربة «المنعطف» هي الأولى في مسيرة عساف الذي قدم أفلامًا قصيرة عديدة، ولعلَّ هذا المنعطف يكون نقطة اللاعودة بالنسبة له: «أتوقع أن أركز على الأفلام الطويلة لكن أحيانًا تراودني أفكار تصلح لأفلام قصيرة، أكتبها وأقدمها لمخرجين آخرين، مثل «صباح بارد في نوفمبر» لروبرت عبود الذي حاز على جائزتين. ألبي رغبتي في العمل على الأفلام القصيرة من خلال الكتابة»، ويبرر عساف هروب بعض المخرجين من الأفلام القصيرة بأن قائمة «منافذه التسويقة قصيرة».

ويرى عساف أن هناك قصصًا لا تصلح إلا لأفلام قصيرة، كما يرى أن الفيلم الروائي والقصير وسيطان مختلفان تمامًا؛ «كالفرق بين القصة القصيرة والرواية». ويتابع عساف «سابقًا كان المخرج حتى ينتقل إلى الفيلم الروائي الطويل يعمل فترة طويلةً مساعدًا للمخرج فيها، فيكتسب نوعًا ما الجو العام للعمل في هذه الأفلام قبل أن يعمل فيها، أما اليوم، فيعتمد كثير من المخرجين على الانتقال إلى الأفلام الروائية من خلال تقديم عدد من الأفلام القصيرة في البداية، وبالطبع العمليتان لهما إيجابياتهما وسلبياتهما»، ويوضح أن من السلبيات التي واجهته في هذا الشكل من الانتقال هو أن خبرة صنع فيلم روائي طويل مختلفة تمامًا عن الفيلم القصير: «الخبرات التي اكتسبتها بالفيلم القصير كان من الصعب أن تكون مفيدة في الفيلم الطويل، وكان لا بد أن أمتلك خبرة أكبر في صناعة الفيلم الروائي، لكن مع وجود فريق عمل قوي استطعت أن أتجاوز هذه العقبات».

يعمل عساف اليوم على عدد من المشاريع التلفزيونية،  فقد أنتج وشارك في إخراج أول مسلسل «ست كوم» أردني هو «عصفورية» على قناة رؤيا، ويقول عن هذا العمل «كانت لدي رغبة أن أقدم شيء كوميدي، وأرى أن هذه النوعية من الأعمال ترفيه أكثر منها فن، هدفها الإضحاك ومُجدية ماديًا». في الوقت نفسه يعمل على مشاريع تلفزيونية أكبر؛ مسلسلات تلفزيونية أردنية على مستوى عالمي وعربي: «بدأنا بمشروع مسلسل الآن، هو قيد الدراسة، كما أعمل أيضًا على فيلمي الروائي الثاني الذي يتناول أيضًا موضوع الأب، وهو الموضوع الذي يُشكّل هاجسًا لدي، ولدي رغبة بأن أعمل على ثلاثة أفلام عنه، وأول أفلام هذه الثلاثية كان «المنعطف»، والثاني «الخريف». الفيلم الثاني سيكون بعيدًا تمامًا عن «المنعطف»، وسينتمي لفئة الدراما التشويقية».