فيلم «يوم أضعت ظلي»: ظلال الفقد في حالة الحرب

الأربعاء 03 نيسان 2019
من الملصق الدعائي للفيلم السوري «يوم أضعت ظلي».

تنويه: تحتوي هذه المراجعة على تفاصيل تحرق أحداث الفيلم.

تجد سناء، أخيرًا، جثة جلال في الغابة. تحاول جرّها بصعوبة بالغة بسبب ثقل وزنه. يلحظ هذه المحاولة جندي شاب يحمل بارودة كبيرة فيأمرها بترك الجثة. بعد فترة صمت، والجثة لا تزال محمولة، تسأله سناء إن كان قد لاحظ كم جميلٌ هو الجو. يبتسم الشاب ويُعلمها أنه، مثلها، يحب الثلج، لأنه يوقف كل شيء. يطلق الجندي طلقة أخرى على جسد الجثة ويمضي في سبيله في الغابة. أتذكر، بتلقائية، صامويل بيكيت ومسرح اللامعقول الذي يجترح من الواقعية الصارمة مشاعر الفقد وظلالها.

يحكي الفيلم الروائي (دراما، 94 دقيقة، 2018)، الذي يتخذ من سوريا العام 2012 مكانًا، والذي أخرجته السورية سؤدد كعدان، قصة سناء، والدة خليل ذي الأعوام الستّة، وانخراطها في مغامرة غصبًا عنها عند خروجها لشراء جرة غاز. تجد سناء، مصادفةً، ريم، إحدى زبونات الصيدلية التي تعمل فيها، وهي تحاول شراء قوارير الغاز أيضًا برفقة جلال. إلا أن خوف السائق من أن يقبض عليه بسبب حيازته كاميرا يصور بها المتظاهرين، يدفعه للانطلاق بثلاثتهم إلى منطقة نائية تبقى غير مسماة طوال الفيلم. تلجأ الامرأتان بعد ذلك إلى دوما حيث يقوم أهل المنطقة باستضافتهم. تلجأ الامرأتان بعد ذلك إلى دوما حيث يستضيفهما أهل المنطقة. وأثناء ذلك، تخرج سناء للبحث عن جلال في الغابة غير المسماة، لترجع بجثته إلى دوما مدخلةً بذلك ريم في صدمة. تعود سناء أخيرًا إلى ابنها خليل، ولكن في تلك الليلة يصعد مسلحون نحو شقتها. تقدم لابنها الخائف كأس حليب طالبة منه ألّا يخاف، ثم يختفي ظل سناء. النهاية.

تُميز الفيلم، تمامًا كمسرحيات بيكيت، سريالية مسطحة لا تجعلنا ننفعل ولا تؤجج من مشاعرنا، بل تزيد وعينا براهنية اللحظة رغم انحلال دلالات المكان في البقعة الأهم في الفيلم: الغابة الضائعة. ففي تمشيهم في الغابة، تلحظ سناء، برهبة، غياب ظل جلال، والذي كان قد فقده في أحد السجون التي مكث فيها. يدعوني هذه المشهد، بالرغم من انعدام أثر الصدمة منه، للتفكير بأهمية الظل وتبعات ضياعه. إذا كان الظل هو المرافق الأزلي الذي يشير ظاهريًا إلى وجودنا، فإن فقدانه مع بقاء الجسد هو فقدان الروح الظاهرية لوجودنا؛ أي، الموت أثناء العيش.

يكمن ذكاء السيناريو في سلخ الظل عن الشخصية في اللحظة ذاتها التي تفقد الشخصية أعز ما تملك. فاختفاء ظل سناء جاء في نهاية الفيلم عند تيقنها من أن القبض عليها سيترك ابنها خليل مشرّدًا لوحده. يولّد هذا الارتباط بالظل والانسلاخ عنه في هذه اللحظات لدى الشخصية حالة شاعرية معنية بالهوية والوجود والأشياء الأخرى التي تُفقدها الحرب للبشر.

إذا كان الظل هو المرافق الأزلي الذي يشير ظاهريًا إلى وجودنا، فإن فقدانه مع بقاء الجسد هو فقدان الروح الظاهرية لوجودنا؛ أي، الموت أثناء العيش.

مشاكل سناء تُقدم لنا في البداية على أنها مشاكل عملية بحتة ناتجة عن الحرب: انقطاع الكهرباء والماء عن البيت، تكسير منتجات الصيدلية، والحاجة إلى جرّة غاز لتسخين الطعام لابنها. لكن في تنبه سناء لغياب ظل جلال، تبدأ الملامح الأخرى للفقد بالظهور؛ فقد الأشخاص أنفسهم، دون الإشارة إلى أن أحدًا منهم قد مات. هُم غير موجودين فحسب. الاختفاء بدلًا من الموت يُصور هنا على أنه الفقد الأشد إيلامًا، ربما ذلك لأن الموت حقيقة مرتبطة بمادية الجسد ونهاية هذا الوجود. لكن الغياب يقع بين الوجود وعدمه، فيصبح الإنسان مجرد هامش لا يمتلك حتى الجسد بماديته.

أثناء مكوثها عند العائلة المستضيفة في دوما، وفي جلوسها معهن تستأذن النساء من سناء، فيقمن ويتجهن إلى الخارج. شاعرةً بالفضول، تسأل سناء الفتاة الصغيرة عن مكانهن، فتأخذ الفتاة بيدها نحو المكان الذي تجمعت فيه النساء في الخارج، لتجدهن يحفرن قبورًا. المشهد برمته غريب. هنالك جدولٌ أوجدته النساء لحفر القبور. تتسع البقعة السريالية التي تطغى على الفيلم، فنجد سناء ممسكة بقطعة حديدية قدمت لها لحفر قبر أيضًا. ولكنها تجد نفسها تنبش التراب بطريقة مهووسة، كأنها قد مست.

داخل البيت، تسأل ريم سناء متى كنّ قد أنهين حفر القبور. فتجيب سناء بعد صمت :«من شوي…ما بعرف». ففوق فقد الإحساس بالواقع، هنالك شعور قوي بفقد الإحساس بالوقت. سناء لا تعرف متى أنهين مهمة حفر القبور التي هي اعترافٌ فعليٌ بسيادة الموت والترحاب به، فهنالك قبور تحفر للأحياء الذين سوف يموتون، لكن سناء لا تعرف متى حدث ذلك ومتى انتهى.

ترجع إلى بيتها ملطخةً بدم جلال وتشعل النار بعد وصول جرة الغاز التي تكبدت عناء جلبها حد الموت. تجلس في الظلام مراقبةً النار حتى يأتي ابنها لينبهها لذلك ويقوم بإطفائها. تلحظ وجود الرجال المسلحين فيختفي ظلها لوعيها بحتمية نهايتها. ولكنها لا ترتعد ولا تصدر عنها أي حركة تنم عن هلعها باقتراب النهاية. تدفع كأس الحليب نحو ابنها، ببساطة، ويتركها ظلها.

رغم التوظيف المتقن للسريالية في هذا العمل وأسلوب السرد الذي تجرأ على الخروج من إطار الدراما الواقعية النمطية في الأفلام العربية، إلا أن الميلودراما الكئيبة التي تطغى على العمل تجعله ثقيلًا وغير مستساغ. فلا يتخلل الفيلم أي مشهد أخف وطأة من الناحية الدرامية، الأمر الذي يؤججه الأسلوب السريالي الوثائقي. فمع العلم تمامًا بأن جُلّ تركيز المخرجة انصب على توصيف المعاناة اليومية في هذا العمل وبأسلوب جديد، إلا أن المشاهد الدرامية المتلاحقة التي لم تفسح مجالًا لعاطفة طرية واحدة أو أي نوع من الأمل حولت من الشخصيات إلى مجرد ضحايا لا تمتلك القوة أو المقدرة على تغيير شعورها حتى.

إن طغيان الميلودراما على عمل كهذا قد يكون نتاجًا طبيعيًا لمحاولة تطبيق السريالية البيكيتية. لكن الذي ميّز أعمال بيكيت وجعلها أخف قليلًا هو أسلوبه الذي يعتمد على التجريد: تجريد الشخصيات والأمكنة ودلالات الوقت. لكن التجريد لربما كان مستحيل التطبيق في فيلم يحكي عن الواقع السوري. ففي أحد المشاهد، يطلق جندي النار على الشجر ليتأكد من موتها ومن عدم احتماء أحد وراءها. يعكس هذا المشهد فقدان الإحساس بالواقع أيضًا ويعزز من ثيمة الضياع في الغابة غير المسمّاة، وهي نتائج طبيعية لصدمة الحرب وتبعاتها اللاإنسانية. لكن مشهد سناء والجثة يعقب هذا المشهد، فيثقُل أثر المشهدين وتمتد الميلودراما حتى نهاية الفيلم.

بعد نهاية عرض الفيلم في مهرجان CPH:DOX للأفلام الوثائقية في كوبنهاجن الذي حضرته حبر، تذكر المخرجة أنها استلهمت ثيمته، وبالتالي عنوانه، من صورٍ لهيروشيما والدمار الكامل الذي كان قد وقع فيها. «فلحظت أنه لم يكون يوجد في المدينة وقتها إلا الظلال»، تقول كعدان؛ الأمر الذي عكسته في فيلمها الذي تذكر شخصياته حادثة هيروشيما أيضًا. تخيلتُ، عقب هذه الملاحظة، كيف كان الفيلم ليبدو لو كانت المخرجة قد وظفت أساليب أكثر تجريبية في نقل القصة من ناحية التصوير والإخراج. هل كان الفيلم سيحقق التوازن بين السريالية البيكيتية والواقع السوري المحدد جدًا لو ابتعدت المخرجة عن أسلوب السرد السينمائي التقليدي جدًا في نواح عديدة؟

«يوم أضعت ظلي»، على أي حال، هو انتصار في الأسلوب السردي، وهو عمل جريء في توظيفه لعناصر خيالية في فيلم ذي أسلوب تصوير وثائقي، يتناول أحداثًا واقعية. إنه محاولة جدّية وموفقة لانتشال الفيلم العربي بشكل عام والوثائقي بشكل خاص من موقع الركود الذي تجد كثيرٌ من الأفلام العربية نفسها فيه.