«يا طير الطاير»: محاولةٌ للإمساك بما تبقى من نجوميّة عسّاف

الأحد 24 كانون الثاني 2016

انطلق في دور العرض الأردنية والعربية على حدٍ سواء الفيلم الروائي الطويل «يا طير الطاير» للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، والذي يروي سيرة وقصة نجاح الفنان محمد عساف، نجم برنامج Arab Idol، والذي حاز على اللقب قبل عامين، وأطلق ألبومه الغنائي الأول قبل عام واحد فقط.

اختار أبو أسعد، الذي رُشِّح مرّتيْن لنيل جائزة الأوسكار عن فيلميْه الشهيريْن «الجنة الآن» و«عمر»، أن يُقدم فيلمًا بأحداثٍ وقصة وإخراجٍ أقل ما يُمكن أن يُقال عنه أنه مبتذل.

«لازم نوصل صوتنا لكل العالم وما نسمح لحدا يخنقنا» بهذا الكليشيه، وبأداء مصطنع يصبغ أبو أسعد فيلمه. منذ اللحظة الأولى التي تشاهد فيها الفيديو الترويجي تنصدم بمجموعةٍ من العبارات الركيكة التي لا يمكن أن ترد في أي حوار واقعي: «بتحلمي بفرقة موسيقية وغزة بهذا الوقت، والله إنك مجنونة»، «تخليش حد يقلك إنه أحلامك مش مهمة، ماشي»، «أنا لازم اطلع من هذا المكان قبل ما يخلّص علي»، وغيرها الكثير.

ففي الوقت الذي رأى فيه مخرج الفيلم أن قصة «يا طير الطاير» «تُعطي صورة رمزية للكفاح من أجل الحرية وتحقيق الطموحات والأحلام، والإيمان بأن لا شيء مستحيل أمام المثابرة والاجتهاد، وأن الفقر لا يحول دون الوصول إلى قمة النجاح والشهرة والمجد»، إلا أنه اختار رمزًا لهذا الكفاح الفنان محمد عسّاف، الذي لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، والسنتين من عمره الفني، وفي رصيده ألبوم غنائي واحدٌ لم يستطع أن يُحقق نجاحًا يُذكر.

لماذا محمد عسّاف؟

تقول شركة «O3 للإنتاج والتوزيع الدرامي والسينمائي» المنضوية تحت لواء مجموعة MBC، أن الفيلم يهدف إلى إيصال رسالة للعالم عن حياة الناس في غزة وصعوبة تحقيق أي هدف، والعقبات التي يواجهها الشباب في سبيل تحقيق أحلامهم.

قد يكون هذا أحد أهداف الفيلم، لكن هناك دون شك استثمارٌ لاسم فنان شاب ما يزال في بداية مشواره، واستطاع في فترة قصيرة أن يبني قاعدة جماهيرية، إلا أن هذه القاعدة مبنية في جزء كبير منها على استدرار العواطف، ليكون عسّاف قد نجح بفضل المكان الذي أتى منه لا بفضل صوته.

منذ اللحظة الأولى التي تشاهد فيها الفيديو الترويجي تنصدم بمجموعةٍ من العبارات الركيكة التي لا يمكن أن ترد في أي حوار واقعي.

بدا الفيلم وكأنه يستغل ما تبقى من نجومية عسّاف التي بدأت بالأفول، بعدما لم يحقق ألبومه الغنائي الأول «عسّاف» انتشارًا جيّدًا وتراجعَ ظهوره الإعلامي، إلى جانب استغلاله كذلك للقضية الفلسطينية باللعب على وتر الحصار ووضعه كنقيض للإبداع، بشكل لا يعكس الواقع الفعلي للمجتمع الفلسطيني المُنتِج فنيًا وثقافيًا قبل عسّاف وبعده.

قصة محمد عسّاف لا تُعد نادرةً أو مختلفة عن غيرها من قصص المعاناة والكفاح بين الفنانين والنجوم. فإذا عُدنا بالتاريخ إلى الخلف قليلًا سنجد قصصًا أكثر صعوبة من تلك التي خاضها وقدمها عسّاف، وإذا ما أردنا أن ننظر في الوقت الراهن سنجد أيضًا قصصًا تُضاهي قصة عسّاف أهميةً وتتفوق عليها، سواء من حيث تجاوز العقبات أو من حيث النجاح الفني والموهبة؛ قصة كاظم الساهر الذي عانى من التهجير والحرب في العراق، وعمل بائع مثلجات في طفولته ثم اضطر للغناء في المطاعم والأعراس من أجل كسب عيشه، وكذلك قصة الشاب خالد الذي عانى أيضًا من الأوضاع الصعبة في الجزائر وعمل قبل أن يتحول إلى الفن في غسيل السيارات، وقصة راغب علامة الذي عاش الحرب الأهلية في لبنان وبسبب ظروفه المادية لم يُكمل تعليمه وعمل في بيع الأدوات الكهربائية، لهذه القصص وغيرها لا تُعد قصة عسّاف الأصعب ولا الأكثر إبهارًا.

عسّاف، أيضًا، ليس الفنان الفلسطيني الأول أو الوحيد، فقبله اشتهر العديد من الفنانين، منهم من يزالون يعيشون فيها ومنهم من غادرها، مثل المغنية كاميليا جبران وريم بنا وسناء موسى ومي نصر وأبو عرب وشفيق كبّها وغيرهم.

اصطناع البطولة

في الفيلم، يُجسّد شخصية محمد عسّاف الممثل الفلسطيني الشاب توفيق برهوم، فيما ألف سيناريو الفيلم المخرج هاني أبو أسعد بمشاركة سامح الزعبي، ليتم تصويره في غزة وجنين في فلسطين وعمّان والبحر الميّت في الأردن، كما سجّل عسّاف ثلاث أغنيات خاصة بالفيلم، لحّنها، إضافة إلى موسيقى الفيلم، الموسيقي حبيب شحادة حنا.

وقع مخرج الفيلم في عددٍ كبير من الأخطاء والمغالطات، بدايةً من اختيار الممثلين الذين كان أداؤهم ركيكًا ومُصطنعًا، إلى الحوارات المضحكة والمستفزة في الوقت نفسه، إضافة إلى تضخيم شخصية عسّاف من الخارج وإظهاره ضعيفًا ومأزومًا من الداخل، وتكريس صورةٍ نمطية غير واقعية عن فلسطين.

في أحداث الفيلم، بدا الاحتلال الإسرائيلي هامشيًا، أو بتعبير أدق «أهون المصائب» أمام قبضة حماس كما صوّرها أبو أسعد.

الدراما في الفيلم، والإصرار على اجترار كل ما هو مؤلم وحزين وحتى بطولي في وقائع الفيلم لم يكُن في صالحه ولم يخدم النص، بل على العكس من ذلك بدا مبالغًا فيه بصورة غير منطقية؛ فمن الأم التي تقول بعين وقلب كسيرين «مش رح يجي نصيبها» بعد إصابة ابنتها بفشل كلوي، وإلى استحضار عسّاف لذكرى شقيقته كحافز لتحقيق حلمه، ومسحة الحزن البلهاء التي تصبغ وجه عسّاف الطفل طوال الفيلم، ومظاهر ارتباكه وتلعثمه كشاب، كلها مشاهدٌ تبدو خارجة عن السياق الواقعي.

إحدى سقطات الفيلم كانت ظهور الفنانة والمخرجة اللبنانية نادين لبكي بدور أحد أعضاء لجنة التحكيم؛ تمثيلٌ ضعيفٌ ودورٌ أضعف، وهنا أتساءل إن كان ظهورها استخفافًا بالفيلم أم رغبةً في الظهور على الشاشة بعد انقطاع في فيلم سيحظى دون شك بانتشار وإقبال جماهيري كبيرين.

في أحداث الفيلم، بدا الاحتلال الإسرائيلي هامشيًا، أو بتعبير أدق «أهون المصائب» أمام قبضة حماس كما صوّرها أبو أسعد، وسيطرت على مشاهد الفيلم مشاكل عسّاف الاقتصادية والاجتماعية والشخصية. وأمام أزمات عسّاف النفسية ومشاكل عائلته، كان الاحتلال الهمّ الأقل تأريقًا.

نال الفيلم بعد عرضه في فلسطين وفي معظم الأقطار العربية قدرًا لا بأس به من الانتقاد والنقد، سواء من قِبل المشاهدين أو النقاد؛ بدءًا من انتقاد سعر تذكرة الفيلم التي وصلت في فلسطين إلى قرابة العشرين دينارًا، ومرورًا بالهجوم الذي شنّه نشطاءٌ على الفيلم بسبب ظهور بطل الفيلم توفيق برهوم محتضنًا شمعون بيريز، وصولًا إلى النقد والانتقاد الذي واجهه الفيلم؛ قصةً وحوارًا وتمثيلًا وإخراجًا.

ويبقى السؤال المُحيّر لكثيرين هو دافع أبو أسعد لإخراج فيلم كهذا بعد أن استطاع أن يصنع بصمة مهمةً وحقيقة في السينما؛ فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا، وهل كان أبو أسعد يعتقد أن جريه وراء شهرة محمد عسّاف ستعود بالفائدة عليه؟

أما بالنسبة لعساف، فلعل الرهان كان على هذا الفيلم لإعادة صورته في وسائل الإعلام ومحاولة استرجاع «أدرينالين» الشهرة الذي حصل عليه دفعة واحدةً في العام الأول من حصوله على اللقب؛ لكن يبدو أن رهانه لم يكن في مكانه، فقد يكون هذا الفيلم المشهد الأخير في نجوميته وسببًا في خسارة جزءٍ، قد يكون كبيرًا، من قاعدته الجماهيرية.