صول | ثلاث رقصات من عالم محترق: العمل الأخير لسيرجي رخمانينوف

الأحد 02 أيلول 2018

في الولايات المتحدة، خرج سيرجي رخمانينوف عن صمته لمرة أخيرة عام 1940 بعد انقطاع عن التأليف استمر أربع سنوات. كان المؤلف الروسي وعازف البيانو المعجزة شخصًا معتمًا وهادئًا، قليل الابتسام، عصفت به حياة مضطربة ابتدأت بالوفاة المبكرة لأمه وأخته، وانتهت بحربين عالميتين وحربٍ أهلية وحياة لجوء متعبة، أما موسيقاه، فكان يخيم عليها نوع من الظلام المزمن الذي جلب لها الانتقاد منذ سيمفونيته الأولى.

لطالما غرق رخمانينوف في نوبات مماثلة من الانقطاع عن التأليف، بدأت أطولها يوم ترك وطنه هاربًا عام 1917 لتستمر تسع سنين. وبعد كل انقطاع، كانت موسيقاه تعود أكثر سوداوية وتشاؤمًا وأكثر قوة، وهذه المرة كانت النتيجة «الرقصات السيمفونية»، عملٌ أثار في البداية ردود أفعال متخبطة قبل أن يتم الاعتراف به واحدًا من أعظم إنجازات المؤلف وأكثرها إتقانًا، وأحجيةً موسيقيةً من التفاصيل والتلميحات التي تلخص حياته.

تتكون الرقصات، المكتوبة لأوركسترا كبيرة، من ثلاث حركات، تتبع كل منها قالبًا من نوع (أ.ب.أ)، أي مقطعان (أ) قائمان على ذات الأفكار الموسيقية، يتوسطهما مقطع (ب) بعناصر جديدة وطابع يخالف المقطع (أ). تبدأ الحركة الأولى بهمس خافت من الكمانات، وتتناوب النفخيات على تقديم لحن من ثلاث نوطات سريعة (00:04) تشكل بذرة الحركة الأولى، تتشعب لتغزو كامل الأوركسترا في هدير قوي. يرجع أصل تلك التقنية إلى بيتهوفن، الذي اشتهر بقدرته على إنشاء حركات سيمفونية كاملة على ثلاث أو أربع نوطات، يخضعها لمختلف أنواع المعالجات ويطورها.

تقودنا النفخيات إلى المقطع الأوسط (ب)، حيث تدخل آلة الساكسوفون بلحن جديد (3:18)، يناقض برقّته الطابع الحاد للمقطع الأول. لكن اللحن لا يظهر بشكله الكامل من أول مرة، بل يشوبه فترات استسلام يتوقف فيها الساكسوفون عن غنائه فتسارع باقي النفخيات للأخذ عنه وملء الفراغ، قبل أن يكمل طريقه مجددًا. ولا نسمع فعليًا اللحن قطعة واحدة إلا لاحقًا حين تعزفه الوتريات (5:33)، فتصل الأجزاء المختلفة في جملة واحدة تأخذ فجأة معناها الكامل، فيدرك المستمع أنها طويلة جدًا، تبدو بلا نهاية.

يشكل لحن المقطع الأوسط هذا لحنًا رخمانينوفيًا بامتياز، بطابعه الروسي وشاعريته وطوله غير المعتاد، حيث ورث رخمانينوف عن كبار المؤلفين الروس القدرة على كتابة ألحان بطول نادر في الموسيقى الغربية، تحتاج إلى نفس موسيقي طويل من المؤدي وتركيز عالٍ من المستمع الذي يضيع بسهولة في متاهاتها. وكما يقدم رخمانينوف لحنه الجديد تدريجيًا، يسحبه من الأضواء بذات الطريقة، فيتلاشى ببطء بينما يعود المقطع الأول للزحف أقوى وأخبث مما كان عليه في البداية (7:56) ومعه النوطات الثلاث (9:28).

تُفشي الحركة الأولى بأسلوبها البيتهوفني وعاطفية مقطعها الأوسط عن ولاء رخمانينوف العميق للإرث الرومانسي، ولاء أكسبه ازدراء الكثيرين ممن عاملوه كمستحاثة موسيقية من القرن التاسع عشر، يصر على كتابة موسيقى فات أوانها بينما أصبح الجميع يكتبون الموسيقى اللامقامية وغيرها من الموسيقى الحديثة: «أشعر بنفسي مثل شبح يمشي في عالم أصبح غريبًا عنه. لا أستطيع التخلي عن الطريقة القديمة في الكتابة، ولا أستطيع اكتساب الجديدة»، هكذا كتب في إحدى رسائله.

كان رخمانينوف، بشكل ما، آخر المؤلفين الرومانسيين على الأرض، وربما تستمد موسيقاه عموماً، ورقصاته هذه تحديداً، قوتها من لعنتها هذه، ومن وعيها المفرط بوحدتها وبحضورها المتأخر في عالم لم يعد لها.

عاش رخمانينوف باستمرار مع هذا الإحساس بكونه الابن الأخير الملعون لسلالة بدأت مع بيتهوفن ووصلت ذروتها في روسيا على يد تشايكوفسكي وريمسكي-كورساكوف، والآن ستموت بموته. كان، بشكل ما، آخر المؤلفين الرومانسيين على الأرض، وربما تستمد موسيقاه عمومًا، ورقصاته هذه تحديدًا، قوتها من لعنتها هذه، ومن وعيها المفرط بوحدتها وبحضورها المتأخر في عالم لم يعد لها.

تفتتح آلات الترومبيت الحركة الثانية بنداء أبحٍّ يشبه الإنذار، تنتظم على صداه الموسيقى في ضربات ثلاثية لرقصة فالس ساحرة. يدخل اللحن الأساسي بنوع من التحامل واللامبالاة (1:43)، ويعود وسط دوامات مهووسة (3:40)، كاشفًا شيئًا فشيئًا عن وجه مخيف يقطر سمًا.

أن يختار رخمانينوف كتابة فالس، الرقصة الرومانسية والبرجوازية بامتياز، وفي وقت صار الناس فيه يرقصون على إيقاعات الجاز هو تصريح معقد، لا يجب تفسيره كنوع من التمسك بأمجاد بائدة، وإنما العجز أمام ماض ثقيل يتكلم من خلاله، فهو فالس أبعد ما يكون عن الاحتفاء بالماضي أو حتى التباكي عليه، بل قد يكون أكثر الرقصات الثلاث سوداويةً وتشاؤمًا، بإيقاع يتمدد ويتقلص باستمرار، ومرافقة هارمونية معقدة ومتقلبة تحول دون أي عاطفية أو رثاء، وتجعل من الفالس غير صالح للرقص، مثل ذكرى مسمومة تأكل صاحبها من الداخل.

بالرغم من دعمه للتغيير إبان ثورة 1905، أدرك رخمانينوف مع صعود الشيوعيين إلى الحكم أن أصوله الأرستقراطية ستجلب له الهلاك، ولو أنه لم يحتفظ من عائلته التي فقدت ثروتها إلا بالاسم. وفعلًا، لم يكد رخمانينوف يقطع الحدود عام 1917 حتى وصله خبر نهب منزل عائلته في ريف موسكو، حيث استقر فيه بعض البلاشفة ثم أحرقوه بما فيه، تاركين في نفس رخمانينوف طعم مرارة لن يتخلص منه أبدًا. وخلال ذروة القمع الستاليني في الثلاثينيات، جرت محاولات تصفية ذكرى رخمانينوف وأمثاله من النخب الثقافية القديمة بتهمة الرجعية والبرجوازية، واستبدالهم بمؤلفين جدد همهم الدعاية لستالين وللحزب.

راقب راخمانينوف عالمه يتطاير قطعًا وشظايا مثل فالسه هذا، الذي يشبه كابوسًا تتراءى فيه حفلات أرستقراطية صار راقصوها أشباحًا وذكريات مؤلمة، عائلة وأصدقاء أُعدم بعضهم بينما انتحر آخرون، وظل من بقي منذورًا لتشرد لا رجعة عنه، يحملون معهم تهمة فارغة بالبرجوازية، لم يبق منها إلا رقصة قديمة بثلاث ضربات، تحولت بدورها إلى دعابة سوداء لا معنى لها.

تقوم الحركة الثالثة على لحن شهير مستوحى من نشيد يوم الغضب، وهي ترتيلة كاثوليكية غربية من العصور الوسطى تصف يوم القيامة ودمار العالم، لطالما شكلت توقيعًا خاصًا برخمانينوف ظهر في أعماله السابقة مثل جزيرة الأموات، ودراسات البيانو، ورأى فيه البعض تعبيرًا عن هوس المؤلف بالقدر وبالموت. يظهر اللحن هنا على شكل رقصة شيطانية (2:16)، يتبعها لحن آخر راقص على آلة الفيولا (2:38)، مستوحى هذه المرة من عمل لرخمانينوف نفسه، وهو صلاة كل الليل من عام 1915. باقتباسه لترتيلتين، إحداهما حول الموت، والأخرى حول الخلود، تتحول الحركة الأخيرة إلى نوع من معركة روحية بين النور والظلام، كتلك التي ستجلب نهاية الزمان حسب الكتاب المقدس.

كان رخمانينوف رجلًا مؤمنًا، تعلق بالكنيسة وبعالمها الروحي والموسيقي المبهر الذي أحيط به في طفولته، كأجراس الكنائس التي ارتبطت بزيارات الكنيسة مع جدته عندما كان صبيًا، والتي تعود في بداية الحركة كذكرى بعيدة تنذر بالموت (00:47)، أو التراتيل الأورثوذكسية المغناة، التي يلمح إليها بالاقتباس عن قدّاسه الليلي المذكور، والذي ظل ممنوعًا في الاتحاد السوفييتي حتى الستينيات.

كما في الحركة الأولى، يشكل المقطع الأوسط (3:27) فاصلًا تأمليًا بمزاج شديد التقلب، بين لحظات من الوحدة واليأس وأخرى تفيض بالدفء والشاعرية، وعندما يعود المقطع (أ) (9:50)، يشتعل كل شيء في رقص سريع يتقلب بين إيقاع ثنائي وثلاثي وفق تقسيمات معقدة خاصة بالغناء الكنسي الروسي، وتعود موسيقى القداس على صوت ضربات الطبول (12:40)، يتبعها اقتباس عن نهاية الحركة التاسعة: «هللويا، المجد لك يا رب» (13:05)، يقود الرقصة نحو نهايتها المدوية.

خلال ذروة القمع الستاليني في الثلاثينيات، جرت محاولات تصفية ذكرى رخمانينوف وأمثاله من النخب الثقافية القديمة بتهمة الرجعية والبرجوازية، واستبدالهم بمؤلفين جدد

توفي رخمانينوف في منفاه بعد سنتين من إتمامه الرقصات السيمفونية ليتركها شهادة أخيرة، ودُفن في تابوت معدني خفيف على أمل نقله إلى روسيا يومًا ما بعد انتهاء الحرب. وبينما تفجرت نجومية أعماله الأخرى مثل كونشيرتو البيانو الثانية أو الفوكاليز، احتفظت الرقصات السيمفونية بمكانة أكثر خصوصية، كونها لا تكشف عن تعقيداتها إلا بكثير من الاستماع المتكرر والغرق في أعماله الأخرى، فأحد مفاتيحها يكمن في كونها تجميعًا من الاقتباسات من جهة (سواء التراتيل المذكورة، أو سيمفونياته الثلاثة التي يلمح إليها في أكثر من موضع)، ومن الحيل التأليفية التي استخدمها من جهة أخرى، وهي بالتالي لا تقدم أي جديد، ومع ذلك، فإن الكل الذي يشكله العمل يتجاوز بكثير مجموع الأجزاء الداخلة في تركيبه، وكأن هناك قيمة مضافة غامضة تأتي ربما من طريقة تصفيف رخمانينوف لتلك الذكريات وتكثيفه لذاكرته الموسيقية في ثلاثين دقيقة، ما يجعل أعماله السابقة تبدو عدًا تنازليًا طويلًا نحو فنائها البطولي هذا، حيث يقول أخيرًا ما كان يحضّر لقوله، تمامًا كما يحضر لألحانه التي تدخل تدريجيًا ليكتمل معناها فقط في ظهورها الأخير.

في صورة قديمة له، يظهر رخمانينوف الشاب في غرفة بطراز قديم وشموع مطفأة، يدير ظهره إلى حائط علقت عليه صورة تشايكوفسكي، أستاذه الراحل ورمز الموسيقى الرومانسية الروسية، بينما يبدو هو غارقًا في انتظار طويل، وكأنه مثل رقصاته السيمفونية، يتردد بين التقوقع على ذاته في حالة إنكار بانتظار قدوم القرن العشرين طارقًا الباب لتدميره، وبين أن يستبق ذلك بتدمير نفسه وما حوله بسوداوية موسيقاه وتهكمها القاسي. ربما تكمن قوة الرقصات السيمفونية في جرأتها على وضع هذه التناقضات جنبًا إلى جنب، ليس للتوفيق بينها، بل للاحتفال بها في استعراض انتحاري كبير: غنائية الرومانسيين وجبروتهم السيمفونيّ، حفلات الفالس الباذخة لروسيا القيصرية وأجراس الكنائس الأورثوذوكسية التي تدق في الليل، عالم رخمانينوف الساحر في ظهورٍ وداعيّ أخير قبل أن يستسلم للتاريخ ويتلاشى، كما تتلاشى ابتسامة حزينة على أيقونة روسية قديمة، تآكل خشبها وغرقت ألوانها في الأسود.