«الأدب آلة مدرّعة»: عن عالم روبرتو بولانيو الأدبي و«رجال التحرّي المتوحشون»

الإثنين 24 نيسان 2017
رسم خوان بابلو غابيريا، لمجلة «إل مالبِنساتيه» الأدبية الكولومبية.

في مقدمتها للترجمة الإنجليزية لرواية «رجال التحرّي المتوحشون»، تروي المُترجمة المخضرمة ناتاشا ويمر القصة الآتية1: «في مدينة مكسيكو عام 1976، وقف شاب في الثلاثة والعشرين من عمره، شعرهُ أشعث ويرتدي نظارة طيارين، في مكتبة غاندي، التي لم تكن تعرف أنها كانت تزوّده بالكتب مجانًا وقرأ من مانيفستو حثّ فيه زملاءه الشعراء على التخلي عن كل شيء لأجل الأدب، واتباع مثال أرتور رامبو، والترحال كيفما قدر. وقال إن الشاعر الحقيقي عليه أن يهجر المقهى، وأن ينضم إلى «الصيادين، ورعاة البقر المنطوين (…) وزبائن البقّاليات المبصوق عليهم، والقاطنين في شقق المجمّعات السكنية الهائلة، وكل الماكرين، والوحيدين، وأولئك الذين لا ينتبه إليهم أحد، والآخرين الذين لا يحبهم أحد. (…) كان المانيفستو بعنوان «اهجر كل شيء من جديد»، وكان الوثيقة الأساسية لحركة الواقعيّة التحتية»2.

هذا الشاب كان روبرتو بولانيو، الكاتب التشيلي الذي كان له لاحقًا الدور الأكبر في تحديث أدب أمريكا اللاتينية برمّته.

وُلد روبرتو بولانيو عام 1953، في سانتياغو، تشيلي، ثم انتقلت عائلته إلى مدينة مكسيكو عندما بلغ الخامسة عشر من عمره. ومنذ ذلك الحين عمِل بالكلمات. عاد بعد خمسة أعوام إلى تشيلي إثر نجاح سلفادور أليندي في الانتخابات الرئاسية، ثم غادرها بعد انقلاب الجنرال أوغستو بينوشيه، الذي يُقال إنه تسبب بسجنه عدة أيام، ورجع إلى المكسيك. في المكسيك عمل في شتى الوظائف، وأسّس مع مجموعة من رفاقه، وأهمهم ماريو سانتياغو، حركة الواقعية التحتية الشعرية، التي استمدت اسمها من قصيدة للمؤلف السوريالي أندريه بريتون، والتزمت -كما فعلت السوريالية في بداياتها- برفض فصل العمل الفني عن الفعل الثوريّ. ورغم أن حياة حركة الواقعية التحتية كانت قصيرة، إلا أن مبادئها ظلّت لصيقة بنتاج بولانيو الأدبي حتى وفاته.

لم يبقَ بولانيو الشاب في المكسيك طويلًا فذهب وعاش حياة تسكّع في أوروبا لنصف عقد ونيّف، حيث كتب الكثير من الأعمال الشعرية. في أوروبا. عاقر بولانيو الخمر بإفراط، ويُقال إنه أدمن على الهيروين أيضًا (رغم أن هذه المعلومة مُستقاة بشكل حصريّ تقريبًا من مقالٍ عنوانه «شاطئ»، وهو مقال مشكوك في صحة نسبته إلى بولانيو. تقول أول جملة فيه: «تخلّيت عن الهيروين وذهبتُ إلى المنزل وبدأتُ علاج الميثادون»)، وبعد انتهاء فترة صعلكته استقر في بلانيس بإسبانيا، حيث تزوّج وأصبح أبًا، وامتهن كتابة الرواية ليعيل عائلته، إلى أن توفي وعمره خمسون عامًا في تموز/يوليو 2003، بسبب إصابته بفشل في وظائف الكبد. هذه، على الأقل، هي الخطوط العريضة لسيرته الذاتية.

تنقسم أعمال بولانيو، حسب النوع الأدبي، إلى ثلاثة أقسام: الأعمال الشعرية، ومن بينها الكلاب الرومانسيون (1993)، وثلاثة قصائد (2000)، والجامعة المجهولة (2007). المجموعات القصصية، ومن بينها مكالمات هاتفية (1997)، وعاهرات قاتلات (2001). الروايات، ومن بينها حلبة التزلج (1993)، والأدب النازيّ في الأمريكيتين (1996)، ونجمة بعيدة (1996)، ورجال التحري المتوحشون (1998)، وتعويذة (1999)، وليل في تشيلي (2000)، وأعظم أعماله وأكبرها، 2666 (2004). غني عن القول إن هذا التقسيم حسب النوع الأدبي قاصر، ولا يُعطي أعمال بولانيو حقها، فكثير من قصائده مثلًا تستمد طاقتها من السردية القصصية، وكثير من نثره يستمد طاقته من الشعرية التكثيفية. يبقى أن أذكر أن دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع قد قدمت للمكتبة العربية ترجمتين عظيمتين ودقيقتين لروايتي التعويذة (قام بها أحمد حسان)، وليل في تشيلي (قام بها عبدالسلام باشا)، عامي 2012 و2014 بالترتيب.

السياق التاريخي

قبل الخوض في تفاصيل عالم بولانيو الأدبي المتشعب والمتناسق، عليّ أن أوضح السياق التاريخي الذي خرج منه. منذ نهاية ستينات القرن العشرين، انقسم أدباء أمريكا اللاتينية عمومًا إلى المتأثرين بالطفرة، والرافضين لها. حدثت طفرة أدب أمريكا اللاتينية في الستينات وارتبطت -على الأقل في العالم الناطق بالإنجليزية- بأسماء غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وكارلوس فوينتس، وخوان رولفو.

قبل الطفرة، كان أدب كل دولة من دول أمريكا اللاتينية محصورًا بنطاقه الجغرافي وسرديته القومية، وكان من النادر ترجمة هذه الأعمال إلى لغة أي من الدول المجاورة3. قامت الطفرة بتغيير ذلك فيما بعد، فقد تأثر مؤلفوها بالملاحم الشعبية التي كتبها إرنست هيمنغواي وويليام فولكنر (الذي لطالما أعرب ماركيز عن امتنانه له)، والسرديات العبثية التي كتبها فرانز كافكا وصمويل بيكيت، ووجد كُتاب الطفرة في هاتين المدرستين -الملحمية والعبثية- أساسًا لكتابة أدب يصوّر الوعي والتجربة القوميين ويتجاوزهما.

ازداد، باضطراد، عدد مقلّدي كتاب الطفرة في السبعينات، وأصبح نتاجهم الأدبي عبارة عن كليشيهات مصنوعة للتصدير، تتمحور حول الأشباح، والأجداد، والأنظمة القمعية، وبائعات الهوى. وكان في ذلك قدر كبير من الانفصال عن الواقع، فعند حلول النصف الثاني من الثمانينات وبداية التسعينات، كان المشهد السياسي والاقتصادي في أمريكا اللاتينية قد تغيّر، فلم تعد آلة القمع تأخذ هيئة نظام الحكم الاستبدادي، وإنما هيئة الاقتصاد الرأسمالي، وورش العمالة الرخيصة، واستُبدلت فرق الموت بعصابات تجارة المخدرات على مدى القارة. أصبح الرعب عابرًا للقوميات وغير مرتبط بها، وأكثر منهجية من أن يوصف بنفس الأدوات القديمة. وصار أدب حقبة الثمانينات، نتيجة لغياب الأفق وانعدام الأمل، أكثر انكفاءً على ذاته وأكثر ابتعادًا عن بيئته. وتمحورت روايات أمثال خوخي فولبه وإغناثيو باديّا وألبرتو فوغيه حول شخصيات ثريّة لا تعيش في أمريكا اللاتينية أو تنتمي إليها، وإنما تعيش في القارة الأوروبية أو الأمريكية الشمالية، وتنتمي إليها.

كان بولانيو يحب أن يقول إن المؤلف لو عاش ما يكتبه روحًا لشعر قارئه بضرورة عيشه أيضًا.

إن موقع بولانيو من هذا السياق التاريخي صعب التحديد، فرغم أن الكثير من نقاد العالم الناطق باللغة الإنجليزية يعدّونه أهم اسم في أدب ما بعد الطفرة، إلا أنه لم يشاركهم إلا بعض تجاربهم الأدبية ومساءلاتهم الوجودية، كما لم يشارك أدباء الطفرة، الذين عاداهم بالجملة عدا خورخي لويس بورخيس وكورتاثار، إلا التزامهم السياسي.

لطالما خاض أدب أمريكا اللاتينية عالم السياسة، وكان الكُتّاب بالجملة إما تقدميين أو رجعيين بشكل واضح وفعّال. وفي حين أن ما وصل العالم الناطق باللغة الإنجليزية منهم لم يتعد منتجاتهم الأدبية، إلا أنهم كانوا شخصياتٍ أكثر تعقيدًا ومُشكلاتيّة في بلادهم. خُذوا بابلو نيرودا، على سبيل المثال، الذي لطالما أعلن ولاءه لستالين ورثاه في قصيدة عند وفاته، أو ماركيز، الذي كان مُساندًا علنيًا لفيديل كاسترو، أو أوكتافيو باث، الذي كان معاديًا للمشروع الاشتراكيّ.

ليس من الغريب إذًا أن بولانيو، الابن الزمنيّ لنهاية الطفرة وبداية المرحلة التالية لها، كان تروتسكيًا أراد المشاركة ببناء موطنه الأصليّ بعدما فاز الجنرال أليندي بالانتخابات الديمقراطية، وأنه بقي اشتراكيًا حتى وفاته. ليس من الغريب أيضًا أن يكون أبناء جيله، الذين أسسّ بعضهم حركة الواقعية التحتية معه، ملتزمين سياسيًا. لكن من الأهمية بمكان إدراك الفرق بين التزام جيل الطفرة السياسيّ، والتزام الجيل اللاحق -جيل بولانيو- السياسيّ، ففي حين عاصر أدباء جيل الطفرة بدايات المشاريع الثوريّة، وكلّهم أمل بحلول مستقبل مشرق، عاصرَ جيل بولانيو في سنوات مراهقته الكوارث التي حلّت بهذه المشاريع الثورية في ما بعد. فالمشروع الكوبيّ تحول إلى دولة معسكرات اعتقال، والحزب الثوري المؤسساتي تسبب بمذبحة طُلاب تلالتيلولكو في مدينة مكسيكو عام 1968، وغرقت التيارات اليسارية المختلفة بصراعات دموية حصدت أرواح الكثيرين، من بينهم الشاعر السلفادوريّ روكيه دالتون، الذي كان صديقاً لبولانيو، والذي قتله، أثناء نومه، أحد أعضاء جيش الثورة الشعبيّ الذي كان ينتمي إليه. مع ذلك، حافظ أبناء جيل بولانيو على إيمانهم بجدوى العمل السياسي، وانتمت أغلبيتهم الساحقة إلى هذا التيار اليساريّ أو ذاك.

لكن الانتماء السياسيّ لدى أبناء هذا الجيل لم يكن انتماء عسكريًا فحسب، بل كان انتماء مبدئيًا عكف على تحويل العجز السياسيّ إلى ممارسة فنيّة. انظروا، على سبيل المثال، إلى طريقة وصف بولانيو لليوتوبيا الشيوعية في قصيدته «إرنستو كاردينال وأنا»:

«كنت أمشي متعرقًا، وشعري ملتصق
بوجهي
عندما رأيت إرنستو كاردينال يقترب
من الجهة المقابلة،
وللترحيب به، قلتُ:
أبانا في مملكة السماء،
التي هي الشيوعية،
أهناكَ مكان للمثليين؟
فقال: نعم،
وللمُستَمنين الجاحدين؟
وعبيد الجنس؟
وحمقى الجنس؟
للسادومازوشيين، والعاهرين، والمهووسين
بالحُقَن الشرجية،
ومن لم يعودوا قادرين على التحمّل.
من حقًا لم يعودوا قادرين على التحمّل؟
وقال كاردينال، نعم»4.

هذه الشيوعية إذًا هي البديل عن مشاريع القارة اليسارية، وهذا الحلمُ الضامّ لكل المُهمشين والمقموعين والحمقى، هو أكثر أهمية من أيّ تمظهر سياسيّ أو عسكريّ مغاير له.

انظروا كيف يتحدث بولانيو عن شبابه في قصيدة «الكلاب الرومانسيين»:

«في ذلك الوقت، بلغتُ العشرين من عمري،
وكنتُ مجنونًا.
فقد خسرتُ بلدًا
لكنني ربحتُ حلمًا»5.

من الطبيعي إذًا أن يستحيل الفن ساحة حرب تدور رحاها بين السُلطة الثقافية وكل من يحاول مقاومة هيمنتها، وأن يصبح «الأدب آلة مُدرّعة. لا تكترث بالكُتّاب. بل لا تُلاحظ وجودهم أحيانًا. فعدو الأدب شيء آخر، شيء أكبر وأكثر قوة، سيقوم بهزيمته في نهاية الأمر. لكن تلك قصة أخرى»6.

هذه المعتقدات هي جوهر حركة «الواقعية التحتية» التي أسسها بولانيو برفقة ماريو سانتياغو، وأساس نتاجه الأدبي اللاحق. تألّفت الحركة من مجموعة من الصعاليك والمتسولين والشحاذين وأصحاب الطموح الأدبي، الذين انشغلوا بكتابة أدب مغاير تمامًا للأدب المعاصر وقتذاك، قالبًا ومضمونًا. وكانوا يذهبون إلى الجلسات الشعرية ليقاطعوا الشعراء من أعدائهم بقراءة قصائدهم هم بصوتٍ عال. ويقال إن أحدهم رمى كأس نبيذ في وجه أوكتافيو باث ذات مرة.7 وإن كان لأعدائهم من الشعراء والأدباء شيء مشترك، فقد كان مساندتهم لحكومة الحزب الثوري المؤسساتي، التي يُقال إنها كانت تُكافئ مسانديها من الأدباء والمفكرين بالصيت والمال. ولم يغيّر بولانيو من مواقفه هذه يومًا بل ادعى أكثر من مرة أن حركة الواقعية السحرية «عفنة»، وأن إيزابيل أليندي «ليست كاتبة وإنما آلة كاتبة»، وأن باولو كويلو «كساحرٍ مشعوذ في المسلسلات الرخيصة». وقالت مترجمته ناتاشا ويمر عنه، «لقد كان رفض امتهان الشعر بالنسبة لبولانيو ورفاقه أسلوبهم في أخذ الشعر على محمل الجد – والعكس بالعكس. وكان بولانيو يحب أن يقول إن المؤلف لو عاش ما يكتبه روحًا لشعر قارئه بضرورة عيشه أيضًا»8.

إن تأريخ حياة هذا الجيل، الذي عاش بولانيو شبابه بصحبته، كان مشروعه الكبير. لا عجب إذًا في أن كل أعماله الأدبية تشترك بنفس الثيمات، أو أن الكثير من شخصياته الأدبية مُشتركة، أو أنها تظهر مرة ثم تختفي، لتعاود الظهور في عملٍ آخر تمامًا.

خُذوا على سبيل المثال شخصيتي أرتورو بيلانو (وهذا اسم روبرتو بولانيو المُستعار) وعوليس ليما (اسم ماريو سانتياغو في أعمال بولانيو) اللتَين تظهران في رواية رجال التحري المتوحشون، وتعويذة، بالإضافة إلى العديد من القصائد والقصص القصيرة والروايات الأخرى. أو خذوا شخصية أوكسيليو لاكوتور، التي تظهر لوقتٍ قصير في رواية رجال التحرّي المتوحشون، لتعاود الظهور في رواية تعويذة، المُخصصة بالكامل لها. أو شخصيتي روزا أمالفيتانو وأوسكار أمالفيتانو اللتين تظهران في 2666، ثم تعاودان الظهور في مآسي الشرطي الحقيقي (2011)، أو شخصية راميريث هوفمان اليمينية المتطرفة، وموضوعَ باب «راميريث هوفمان سيء السمعة» في موسوعة الأدب النازيّ في الأمريكيتين الخيالية، والتي تعاود الظهور كشخصية رئيسية وباسم ألبرتو لويث-تاغل في نجمة بعيدة. القائمة تطول، وعالم بولانيو معقد ومليء بالشخصيات المتشابكة والمتبادلة، الأمرُ الذي يجعل قراءة مجموع أعماله كمشروع أدبيّ موحّد خيارًا صائبًا وضروريًا. وليس من الغريب أن أكثر هذه الشخصيات مستوحى من حياة بولانيو نفسه.

حياة هؤلاء الأدباء، هؤلاء الكلاب الرومانسيين، جيل بولانيو من المثاليين الذين أرادوا تغيير وجه الأدب كما عرفوه، هو موضوع رواية رجال التحرّي المتوحشون، التي صدرت لأول مرة باللغة العربية هذا العام، وترجمها رفعت عطفه.

رجال التحرّي المتوحشون

تمثل رواية رجال التحرّي المتوحشون ضلعًا من مثلث الأعمال الأدبية التي يُمكن اعتبارها قلب مشروع بولانيو الأدبي. يتألف هذا المثلث من رجال التحرّي المتوحشون، والأدب النازيّ في الأمريكيتين، و2666، بهذا الترتيب التاريخي. تُعدّ هذه الروايات قلب مشروع بولانيو الأدبي لأنها مصدرُ أغلب الشخصيات المحورية في رواياته الأخرى، ولأنها أكبر أعماله وأكثرها اكتمالًا. وسأكتفي في هذا المقال بالحديث عن رجال التحرّي المتوحشون.

تؤرخ رواية رجال التحرّي المتوحشون، بأصوات متعددة، قيام مجموعة من الشعراء الشباب الصعاليك، بقيادة أرتورو بيلانو وعوليس ليما، بتأسيس حركة شعرية تدعى الواقعية الأحشائية، ثم رحيل حفنة منهم للبحث عن الشاعرة الأسطورية التي ألهمتهم إنشاء الحركة، واسمها ثِساريا تيناخيرو. وبأسلوب يليق بعملٍ يهدف إلى تأريخ أصوات جيل بأكمله، تنقسم الرواية إلى ثلاثة أقسام مرتبة تاريخيًا:

القسم الأول، واسمه مكسيكيون ضائعون في المكسيك، يُغطي عام 1975، ويسرده خوان غارثيا ماديرو، الشاعر الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عامًا، بأسلوب الخواطر، فيحكي عن انضمامه إلى الحركة التي يسرق أعضاؤها الكتب من المكتبات، ويُموّلون مجلتهم، التي تحمل عنوان لي هارفي أوزوالد (قاتل الرئيس الأمريكي السابق، جون ف. كينيدي)، عبر بيع الحشيش، لا لشيء إلا لأنه «يجب تغيير الشعر المكسيكي»، فقد «كان وضعنا غير مستديم بين إمبراطورية أوكتافيو باث وإمبراطورية بابلو نيرودا. أي بين المطرقة والسندان»9.

رجال التحرّي المتوحشون هي ببساطة أكثر روايات بولانيو انفتاحًا وحيوية وشبابًا. لكنها تترك الكثير من الأسئلة بلا أجوبة واضحة، وهذه تقنية بولانيوية حتى النخاع.

القسم الثاني، الذي يحمل عنوان رجال التحري المتوحشون، يقفز بعد تقديم شتى شخصيات هذا الجيل إلى قلب سنوات منفى مؤسسَي حركة الواقعية الأحشائية، أرتورو بيلانو وعوليس ليما، العابر للقارات، والذي يمتد من عام 1976 حتى عام 1996. هذا القسم هو الأطول، وهو مليء بالمشاجرات والنقاشات الأدبية («هناك لحظات لقراءة الشعر ولحظات للملاكمة»10) وزيارات للسجون، ولقاءات مع شخصيات حقيقية من بينها أوكتافيو باث نفسه، عدو الحركة اللدود، ويسرده أكثر من ثلاثين صوتًا فريدًا. تتجلى عبقرية بولانيو الأدبية في هذا القسم بالذات، فقد جعل كل واحد من هذه الأصوات متميزًا عن الآخر. هدفُ هذا القسم هو التأريخ لجيلٍ انمحى من الذاكرة، تمامًا كمدرسة الواقعية الأحشائية، التي كانت كلها «رسالة حبّ، التبخترَ المعتوه لطائرٍ أحمق تحت ضوء القمر، شيءٌ دهمائي بما يكفي ولا قيمة له».11

أما في القسم الثالث، الذي يحمل عنوان صحارى سونورا، فنقفز رجوعًا إلى عام 1976، عندما يهرب غارثيا ماديرو وبائعة الهوى لوبِّ بمساعدة عوليس ليما وأرتورو بيلانو، من قوّاد متوحش ورجل شرطة فاسد، للبحث عن ثِساريا تيناخيرو في صحارى سونورا.

إن رجال التحرّي المتوحشون هي ببساطة أكثر روايات بولانيو انفتاحًا وحيوية وشبابًا. لكنها تترك الكثير من الأسئلة بلا أجوبة واضحة، وهذه تقنية بولانيوية حتى النخاع. مع ذلك، يبقى علينا أن نسأل: ما الذي حثّ كل هذه الشخصيات على محاولة تغيير أدب أمريكا اللاتينية؟ وما الذي حدث لثِساريا تيناخيرو؟

ربما حاول أبناء هذا الجيل تغيير أدب أمريكا اللاتينية لأن الأدب («نتاجُ مطرٍ غريبٍ من الدم والعرق والمني والدموع»12)، صراعٌ لا نهاية له ولا غاية منه، وربما لأن الرغبة بخوض هذه الصراع أكبر من القدرة الفعلية عليه. لقد عبّر بولانيو عن ذلك في أحد أشهر مقالاته عندما قال: «الكُتب فانية، واللقاءات الجنسية فانية، لكن الرغبة بالقراءة وممارسة الجنس أزلية؛ تتجاوز موتنا ومخاوفنا وآمالنا بالسلام»13. الأدبُ إذًا هو كل «الجهود والأحلام» التي اختلطت «في فشلٍ واحد، وإن هذا الفشل اسمه الفرح»14. إن نتاج بولانيو الأدبيّ مليء بالأحاديث عن الأدب. الأدب كما قال على لسان غارثيا ماديرو «ليس بريئًا أعرفُ هذا منذ كنتُ في الخامسة عشرة»15. لكنه أيضًا مستقبلٌ ضارٍ يستحق العناء من أجله. «الشعر فقط – ولنكن واضحين، بعضٌ منه فقط – مفيد لك، الشعر فقط ليس خراء»16.

إن انتهاء رواية رجال التحرّي المتوحشون في صحارى سونورا ليس صدفة بالمرة، فهذه الصحارى ستكون فيما بعدُ قلب رواية 2666 الأسود، حيث قُتلت فيها – وبالقرب منها، في مقاطعة خوارِث – منذ نهاية الثمانينات أكثر من مئتي امرأة في ظروف غامضة. في هذه الصحارى اختفت ثِساريا تيناخيرو، ويمكن قراءة اختفائها على أنه مقدمة للبحث المحموم عن معنى الشؤم الذي يلفّ كل تلك المنطقة، والذي يُشكل دعامة 2666.

ملاحظات على ترجمة رجال التحرّي المتوحشون

عندما قرأتُ، لأول مرة، ترجمة رفعت عطفه التي صدرت هذا العام عن منشورات الجمل، سُررت كثيرًا واستطعت أن أغض النظر عن ركاكة العبارة هنا، أو عدم دقتها هناك. لكنني عدت فقرّرت أن أقسو على الترجمة عندما علمت أن منشورات الجمل اشترت حقوق كل أعمال بولانيو، وأن القائم على تلك الترجمة سيكون رفعت عطفه وبالتالي ليس من المقبول التساهل في هذه الكارثة.

لقد استخدمتُ للتمحيص والمقارنة ترجمة ناتاشا ويمر الإنكليزية، فويمر هي مُترجمة بولانيو المُعتمدة في العالم الناطق بالإنجليزية وقد حازت ترجماتها على عدة جوائز عالمية جعلت منها اسمًا ساطعًا في عالم الترجمة. بالإضافة إلى ذلك قارنت ترجمة ويمر بالنص الإسباني الأصليّ لغرض التأكّد. فرغم أنني لا أُتقن الإسبانية، إلا أن شبهها بالإنجليزية أعانني على استنتاج تراكيب الجُمل النحوية، ومقارنة الكلمات المفتاحية في النص الأصلي بمقابلها المُترجَم. بعد قيامي بكل ذلك، قررتُ أن أقترح بعض الترجمات البديلة للعبارات التي اخترتها كأمثلة على عيوب الترجمة العربية. لنقُل إن هذه محاولة في خطّ ترجمة أخرى لنفس النص.

لنبدأ بهذه الفقرة على سبيل المثال:

«في بحر الشعر الهائل كان يميّز عدة تيارات: مخنثون، ومستلوطون، دعسوقات، مجنونات، لوطيون، فراشات ومستحورون وخِناث. ومع ذلك فالتياران الأكبران هما تيار المخنثين واللوطيين، والت ويتمان، مثلًا كان شاعراً مخنّثًا بابلو نيرودا كان شاعرًا مستلوطًا، وليما بلاك كان مخنثًا دون أدنى شك، وأكتافيو باث كان مستلوطًا، بورخِس كان خُنثية، أي أنه فجأة يمكن أن يكون مخنثًا وفجأة يمكن أن يصير لا جنسيًا، روبن داريّو كانت مجنونة بل وملكة ومثالًا للمجنونات»17.

وقارنوها بترجمة ويمر الإنجليزية:

«Within the vast ocean of poetry he identified various currents: faggots, queers, sissies, freaks, butches, fairies, nymphs, and philenes. But the two major currents were faggots and queers. Walt Whitman, for example, was a faggot poet. Pablo Neruda, a queer. William Blake was definitely a faggot. Octavio Paz was a queer. Borges was a philene, or in other words he might be a faggot one minute and simply asexual the next. Rubén Darío was a freak, in fact, the queen freak, the prototypical freak»18.

في الترجمة العربية عدة تضاربات، فـ«queer» (والتي تعني «مُغايرين») مرة تُترجم على أنها «لوطيين» ومرة «مستلوطين» (ومن هم «المستلوطون»؟). وويليام بليك، الشاعر البريطاني العظيم، ليس ليما بلاك. و«philene» لا تعني «خُنثية»، وإنما هي كلمة لاتينية تعني «مُحبي البشرية» (أو غير المُفرقين بين أصحاب الميول الجنسية)، و«butches» لا تعني «لوطيون»، وإنما «سُحاقيات» (لتمييزها عن «المثليات»، فهي تعني المُنتميات إلى صورة المثليات التقليدية)، وهكذا دواليك. ورغم أنه من المفهوم أن ترجمة كلمات كهذه إلى اللغة العربية أمرٌ صعب، إلا أن من يعجز عن تحرّي الدقة والحفاظ على المعنى عليه ألّا يقترب من نصوص كاتب مثل بولانيو.

كل هذا لا يتضح إلا عند القراءة المتأنية لترجمة رفعت عطفه لرواية رجال التحرّي المتوحشون. فرغم الأخطاء الجسيمة في الترجمة، إلا أن صوت بولانيو أكثر تميّزًا من أن يغرق تمامًا فيها.

إلا أن أعمال بولانيو تستحق أكثر من ذلك بكثير، فهي بعضُ أهمّ وأفضل وأثرى الأعمال في الأدب العالمي المعاصر. المُضحك والمُبكي في الأمر هو أن بولانيو نفسه قد تحدّث عن مثل هذه الحالة بالضبط في مقال له بعنوان «الترجمة سندان»:

«كيف تميزون العمل الفنّي؟ كيف تقومون بفصله، ولو للحظة، عن الجهاز النقدي الملتصق به، وعن مفسريه، ومستصغريه، والسارقين منه بلا كلل – قدره الوحيد المحتوم؟ الأمر سهل. ترجموه. وليكن المترجم أبعد ما يكون عن البراعة. انزعوا صفحات عشوائية منه. ارموه في العليّة. فلو أتى بعد كل ذلك طفلٌ وقرأه، وبعدما قرأه تملّكه وصار مخلصًا له (أو غير مخلصٍ له)، وأعاد ترجمته، ورافقه في رحلته نحو الحافة، وأثرى كلّ منهما الآخر، وأضاف الطفل بعض القيمة الإضافية إلى قيمته الأصلية، عندها نعرفُ أن ما أمامنا هو جهاز أو كتاب قادر على التواصل مع كل البشر؛ لا حقلًا محروثًا وإنما جبلًا، لا صورةُ الغابة الظلماء وإنما الغابة الظلماء نفسها، لا سرب حمامات وإنما طائر عندليب»19.

«رجال التحرّي المتوحشون» هي هذا الجبل، وتلك الغابة الظلماء، وطائر العندليب ذاك. وهي تستحق ترجمة أفضل من هذه بكثير.


1. الترجمات كلها (عدا تلك التي أشير إليها) من عملي.

2. Bolaño, Roberto, The Savage Detectives (trans. by Natasha Wimmer), Picador, 2007; ix

3. لقد استفدت كثيرًا من مقدمة ناتاشا ويمر للنسخة الإنكليزية من رجال التحري المتوحشون عند كتابة هذا الجزء من المقال، لذا، لمعلومات إضافية، راجع: Bolaño, Roberto, The Savage Detectives (trans. by Natasha Wimmer), Picador, 2007

4. Bolaño, Roberto, «Ernesto Cardenal and I», Romantic Dogs (trans. by Laura Healy), New Directions, 2008; 13

5. Bolaño, Roberto, «The Romantic Dogs», Romantic Dogs (trans. by Laura Healy), New Directions, 2008; 3

6. Bolaño, Roberto, «The Vagaries Of The Literature Of Doom», Between Parentheses (trans. by Natasha Wimmer), New Directions, 2011; 26

7. «The Great Bolaño», a review by Francisco Goldman, The New York Review of Books (July 2007)

8. Bolaño, Roberto, The Savage Detectives (trans. by Natasha Wimmer), Picador, 2007; xiv

9. بولانيو، روبرتو، رجال التحرّي المتوحشون (ترجمة رفعت عطفه)، منشورات الجمل، 2017؛ 35

10. المصدر السابق، 16

11. المصدر السابق، 200

12. Bolaño, Roberto, «On Literature, The National Literature Prize, And The Rare Consolations Of The Writing Life», Between Parentheses (trans. by Natasha Wimmer), New Directions, 2011; 113

13. Bolaño, Roberto, «Literature + Illness = Illness», The Insufferable Gaucho (trans. by Chris Andrews), New Directions, 2010; 133

14. بولانيو، روبرتو، رجال التحرّي المتوحشون (ترجمة رفعت عطفه)، منشورات الجمل، 2017؛ 485

15. المصدر السابق، 204

16. Bolaño, Roberto, 2666 (trans. by Natasha Wimmer), Picador, 2009; 226

17. بولانيو، روبرتو، رجال التحرّي المتوحشون (ترجمة رفعت عطفه)، منشورات الجمل، 2017؛ 112

18. Bolaño, Roberto, The Savage Detectives (trans. by Natasha Wimmer), Picador, 2007

قارنوها بالأصل الإسباني أيضًا:

«Dentro del inmenso océano de la poesía distinguía varias corrientes: maricones, maricas, mariquitas, locas, bujarrones, mariposas, ninfos y filenos. Las dos corrientes mayores, sin embargo, eran la de los maricones y la de los maricas. Walt Whitman, por ejemplo, era un poeta maricón. Pablo Neruda, un poeta marica. William Blake era maricón, sin asomo de duda, y Octavio Paz marica. Borges era fileno, es decir de improviso podía ser maricón y de improviso simplemente asexual. Rubén Darío era una loca, de hecho la reina y el paradigma de las locas.»
Bolaño, Roberto, Los Detectives Salvajes, Editorial Anagrama, S.A., 1998; 85

19. Bolaño, Roberto, «Translation Is An Anvil», Between Parentheses (trans. by Natasha Wimmer), New Directions, 2011; 241