«بوابات أورشليم السبع»: تهويد القدس بالموسيقى

الأربعاء 20 كانون الأول 2017

«بمرافقة صاخبة من الألعاب النارية والراقصين وأشعة الليزر والسياسة والجدل، بدأت مدينة القدس اليوم احتفالًا سيستمر لخمسة عشر يومًا، بمناسبة مرور 3000 سنة منذ أن انتزع الملك داوود تلك المدينة من اليبوسيين وأعلنها عاصمة للشعب اليهودي». هكذا نقلت نيويورك تايمز فعاليات عام 1995، والتي حضرها طيف من المسؤولين ومجرمي الحرب الإسرائيليين، بزعامة إسحق رابين، المسؤول المباشر عن عدة بشاعات تاريخية منها التطهير العرقي لمدينة اللد عام 1948 واحتلال شرقي القدس أثناء حزيران 1967.

طلبت بلدية الاحتلال في القدس عملًا موسيقيًا ليقدم بهذه المناسبة، ووقع الاختيار على المؤلف البولوني كريستوف بيندرِتسكي (1931 – )، أحد أهم شخصيات المشهد الكلاسيكي المعاصر. أثناء الخمسينيات، كان بيندرتسكي جزءًا من جيل المؤلفين الطليعيين الذي لمع بعد الحرب، وألف موسيقى تجريبية مستخدمًا أصواتًا مجددة وطرقًا حديثة للتنويط، في المرحلة التي وصفها لاحقًا بـ«فترة تمرد شبابي، ظننا خلالها أن بإمكاننا تغيير نظام العالم عن طريق الفن». وبحدود التسعينيات، كان المؤلف قد تراجع نحو أسلوب أكثر تقليدية وتأثرًا بالموسيقى الرومانسية وموسيقى الباروك، والمواضيع المتعلقة بالروحانيات، وقبل كل شيء، بالكتاب المقدس.

حمل العمل عنوان «بوابات أورشليم السبع»، وجاء مقسّمًا إلى سبع حركات ترمز إلى البوابات الأسطورية، كُتبت في الأصل على شكل «أوراتوريو»، وهو عمل ذو طابع ديني غالبًا يُكتب لجوقة وأوركسترا. ولكن بهدف إضافة عنصر جديد إلى لعبة الرقم سبعة، قام  بيندرتسكي بإعادة تصنيف العمل كسيمفونيته السابعة.

تلك السيمفونية لم تكن تنوي الاحتفال بالقدس ككل، فالنص جرى اختياره حصرًا من العهد القديم على شكل أجزاء صغيرة تلمح بشكل أو بآخر لفكرة أورشليم و«الحق الإلهي» لبني إسرائيل؛ مقتطفات مشحونة عاطفيًا قد تبدو للوهلة الأولى مثل كولاج صهيوني نموذجي، إلا أن تفسيرها في الحقيقة أكثر تعقيدًا.

عندما يتعلق الأمر بالـ«الأرض المقدسة» وخصوصًا بالقدس، استمر بيندرتسكي، مثل كثيرين، باعتبار الكتاب المقدس، بوصفه المصدر الأول والمطلق الذي يحوي كل ما يمكن أن يقال عن الموضوع في أي مناسبة من التاريخ، طريقًا مختصرة تسمو فوق أية اعتبارات مؤقتة كالانتفاضة الأولى، التي لم يكن قد مضى على انتهائها إلا عامان، أو المقدسيين المقموعين القابعين على هامش السردية التوراتية، والذين يمكن بالتالي تجاهلهم.

تفتتح السيمفونية بزئير نحاسي مهيب، وتدخل الجوقة بالمزمور 48 «عظيم هو الرب وحميد جدًا في مدينة إلهنا»، ملحنًا على طريقة الأناشيد الأورثوذوكسية الروسية، يتبعه مغنون منفردون يؤدون غناءً رثائيًا (2:40) يذكر هذه المرة بأعمال باخ الكنسية، خصوصًا الآلام، مما يظهر مهارة بيندرتسكي المعروفة في التقريب بين الأساليب المختلفة؛ كورالات بروتستانتية، وترانيم أورثودوكسية، والقدّاسات الكاثوليكية المهولة للقرن التاسع عشر، تأثيرات تبقى بالرغم من تنوعها في حدود التقاليد الغربية. أما بالنسبة للغة الغناء، فقد كانت اللاتينية خيارًا أوتوماتيكيًا، كونها أيضًا التعبير الأمثل عن الاستملاك الغربي للإنجيل، وأداةً طقسية تعتمد على بث الخشوع بدلًا من إيصال مضمون مفهوم.

أما الحركتان الثانية والرابعة، فقد بنيتا على المزمور 137، حيث يندب العبرانيون المنفيون في بابل مدينتهم الضائعة بمرافقة لحن من سبع نوطات متكررة، يبدأ في آلات الباص ثم يتصاعد إلى عاصفة مفزعة من الآلات النحاسية. وحتى في سياق من المفترض أن يكون احتفاليًا، تقوم القواعد الشعرية لفكرة أورشليم على المراثي، وعلى إعادة الخلق الروتينية لفواجع يعود عمرها لآلاف السنين، والتي تظل مع ذلك أكثر تأثيرًا على شخص مثل بيندرتسكي من مثيلتها التي تحدث اليوم وفي نفس المكان. فملايين اللاجئين الفلسطينيين وبلداتهم التي تمحى ببطء يفتقدون الدعم التوراتي اللازم ليكونوا بذات الأهمية والشاعرية، وهي حقيقة تشكل إحدى أكثر المفارقات سخرية وسوداوية خلف هذه السيمفونية.

في الحركة الخامسة، تغني الجوقة المزمور 147 على إيقاع طبول تذكر بأعمال سترافينسكي، قبل أن يستعرض بيندرتسكي قدراته في الحركة السادسة التي تخطف الأنفاس. تنهار الموسيقى فجأة من «هللويا» منتصرة إلى فوضى تعصف بالأوركسترا وتنقلنا خارج هذا العالم، حيث يتوقف الزمن ويبدأ صوت برواية قصة من سفر حزقيال تعرف باسم «رؤيا وادي العظام اليابسة».

تُروى القصة هذه المرة بالعبرية التوراتية، لغة ميتة أخرى ذات طابع طقسي مؤثر، تدعمه الأوركسترا بخلفية صوتية ضبابية تناسب الطابع الأزلي والسرمدي لأورشليم التي يحلم بها بيندرتسكي، كما تناسب القصة، حيث يحيي يهوه عظامًا ميتة على مرأى من نبيه، مبشرًا إياه بأن تلك العظام «هي كل بيت إسرائيل» الذي سيعود من منفاه. تحاكي الأوركسترا النص ببراعة، فعندما يلفظ الراوي كلمة «روح»، تستخدم الكمنجات نوطاتها الحادة مع آلة السيمبال لخلق صوت رقيق كنفس الحياة، بينما تردد آلات الإيقاع صدى قرقعة العظام اليابسة، وعندما تُبعث الأجساد يُسمَع صوت خافت كضربات القلب، يتعالى بتهديد حتى يمزق الرؤيا ويعيدنا إلى الخط الزمني الطبيعي للسيمفونية.

إن كانت الموسيقى المعاصرة تتعرض لانتقادات مستمرة لكونها معقدة وعصية على الفهم، فإن سيمفونية بيندرتسكي السابعة تشكل استثناءً ساخرًا، وتثبت مجددًا بمحافظتها وأبّهتها أن القدس-أورشليم هي فكرة مصمّمة فقط للإدراك عبر كل ما هو جمعي وطقسي. لكن باحتفاله للمدينة بنموذجها الغربي المتحجر والخالي من أي شوائب فلسطينية مسلمة أو مسيحية، لم يكن بيندرتسكي يريد إيصال رسالة سياسية، بل لم يكن حتى بصدد اتخاذ قرار واعٍ، فعندما يتعلق الأمر بالقدس، توجد مجموعة من القرارات المأخوذة سلفًا عبر قرون من الفن والموسيقى الدينية.

لطالما استسلم المؤلفون من مونتيفيردي إلى ميسيان لسحر المدينة الأسطورية التي تعتم في النهاية على المدينة الحقيقية، ولذلك تبدو سيمفونية بيندرتسكي للمستمع الغربي كعمل معتاد جدًا بل ومكرر، لكن فرقًا خطيرًا يكمن في الحقيقة بين الحالتين، وهو أن الأعمال القديمة تلك كانت تكتب دائمًا للاستخدام الكنسي، حيث ظل الالتباس بين المدينة السماوية والتوراتية والحقيقية غير مؤذِ نسبيًا، ولكن بجر ذلك التقليد أوتوماتيكيًا خارج الإطار التجريدي للكنيسة وإلى المدينة نفسها، صار الشرخ معلنًا بوضوح غير مسبوق، وانسجمت الرسالة المروعة من خلفه مع الخطاب الإسرائيلي الرسمي: سيمفونية علاقتها الوحيدة بهذه البقعة من الأرض -تمامًا مثل «إسرائيل» ذاتها- هي تجميع من نصوص عتيقة انتزعت من سياقها المعقد وأُغرقت تحت قرون من الإسقاطات الغربية.

في خطاب ألقاه بجامعة غلاسكو عام 1995، برر بيندرتسكي اختياره للنص كـ«عودة إلى جذور الثقافة اليهودية-المسيحية، عودة إلى أصل الموسيقى»، واصفًا مزامير داوود بأنها «النموذج البدئي لثقافتنا». لكن بحدود التسعينيات، كان من المفترض أن يكون واضحًا أن تلك الأعراف المصنعة في الغرب لا تحاكي الواقع الحاضر -ولا الماضي- للمدينة، بل وتساهم مع مجهود سياسي وعسكري في تغريب الفلسطينيين عن مدينتهم وسلبهم إياها مقابل بريق فكرة أسطورية.

إذا لم تشكل الدوغمائية والعنف في أعمال كهذه أذى للمستمع، فكذلك لن تشكل فكرة «إسرائيل» أي مشكلة، مثلها مثل ترميم لوحة جدارية أثرية لاستعادة ألقها بإزالة قرون من الشوائب المتراكمة وملء بعض الثغرات هنا وهناك. إلى أي حد أدرك بيندرتسكي كل ذلك؟ يبدو سؤالًا غير مهمًا، فعندما افتتح رابين الاحتفال بقوله إن القدس هي «عاصمة لدولة إسرائيل»، بدت السيمفونية كإيماءة رأس موافقة، كموسيقى تصويرية للمهزلة المريعة التي تمزق المنطقة منذ وعد بلفور. «افتحوا الأبواب لتدخل الأمة البارة الحافظة الأمانة»، هكذا تقول السيمفونية، أما الفلسطينيون فلا مكان لهم.