صمت: قراءة في كتابات وموسيقى جون كيج

الإثنين 23 نيسان 2018
مصدر الصورة: synergy.st-andrews.ac.uk

رغم وفاته عام 1992، إلّا أن المؤلف الأميركي جون كيج (1912-1992) لا يزال يثير ردّات فعل متباينة بين الاعتراف بكونه أحد ألمع العقول الموسيقية للقرن الماضي، وبين العجز التام عن معرفة كيف ومن أين يمكن تناول موسيقاه دون أن تُفزع الموسيقيين والمستمعين معاً، جاعلةً من الأسهل صرف النظر عنها بوصفها مجرد نكتة محرجة وغير مفهومة تفوّه بها التاريخ بالخطأ.

يجب الاعتراف، بداية، بأن بعض موسيقاه يمكن أن تكون مربكة وحتى مستفزة لأشخاص غارقين في الأفكار المسبقة عن ماهية الموسيقى، ولذلك قد يكون من الأسهل التطرق إلى كيج ابتداءً بكتاباته، تحديداً كتابه الصادر عام 1961 بعنوان «صمت»، (والذي لم يترجم -للأسف- إلى العربية)، وبذلك يكون الانطلاق من الكتاب إلى الموسيقى، وليس العكس، محاولة إضافية للتأكيد على أن إنتاج كيج يعكس مفكرًا حقيقيًا وليس مهرجًا يتسلى باللعب على أعصاب جمهوره كما يصوره البعض، ربما لعجزٍ صادقٍ منهم عن مواجهة ما يطرحه من أسئلة.

يفتتح كيج كتابه بالإهداء: «إلى من يهمه الأمر»، قبل أن يستعرض مجموعة نصوص مستوحاة بمعظمها من محاضرات ألقاها بين الثلاثينيات والخمسينيات، تمزج بين محتوىً تقني وفكري من العيار الثقيل، وطريقةِ عرض تكاد تكون طفولية، مفعمة بكُره الأكاديمية وحب الألعاب والألغاز؛ بعض الصفحات فارغة تمامًا، وبعض الجمل تبدو مرتّبة بشكل عشوائي، بينما تأخذ بعض الفصول شكل أربعة أعمدة تُقرأ بموازاة بعضها، وذلك لأن المحاضرة الأصلية أُلقيت على شكل أربعة أشرطة مسجلة تتكلم معًا. الكثير من تلك النصوص، كالكثير من موسيقى كيج، ليست مكتوبةً وفق بنية منطقية، بل بالصدفة.

تشكل الصدفة مفهومًا مركزيًا لدى كيج، الذي لاحظ أن بعض الأصوات غير المقصودة التي تحدث «بالخطأ» أثناء الأداء الموسيقي يمكن أن تكون بقدر أهمية الأصوات المقصودة، بل ربما أهم، كونها تحمل إمكانية خلق معانٍ غير متوقعة تكسر الروتين، وتولّد بالتالي تجربة أقوى وأصدق.

يحاول كيج الإحاطة بتلك الظاهرة في عمل مثل «مشاهد متخيلة رقم 5»، المكتوب لتجميع من تسجيلات مسبقة يختارها المؤدي. أما التعليمات حول كيفية تقطيع وترتيب تلك القصاصات الصوتية، فيدوّنها كيج اعتمادًا على «الآي شينج»، دليل تنبؤ صيني يعود للألفية الأولى قبل الميلاد، وهي طريقة لرفع المسؤولية جزئيًا عن المؤلف، والذي برأي كيج لا يجب أن يتدخل أكثر من ذلك: «هدفنا ليس تأكيد هذه الحياة، ولا توليد النظام من الفوضى، ولا اقتراح تحسينات على الخليقة، لكن ببساطة الاستيقاظ إلى الحياة نفسها التي نعيشها».

جاءت أفكار كيج ردًا على المنظومة الحداثية المهووسة بالنظام والتنظيم وبتسليع العواطف البشرية في بنىً مسبقة وزائفة برأيه: «من البسيط لشخص أميركي التخلي عن بيتهوفن، بذُراه العاطفية وكل ذلك. لكن التخلي عن باخ أصعب. موسيقى باخ تعطي الإحساس بالنظام وتمجده في عيون مستمعيه، هذا النظام الذي يأخذ في حياتهم شكل العمل اليومي من التاسعة إلى الخامسة، والآلات التي يحيطون أنفسهم بها».

يعكس كيج كذلك مجموعة من أفكار ما بعد الحرب، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة بين الفنان وعمله الفني، والذي يجب برأيه أن يظل مستقلًا وقابلًا للتأويل بشكل مختلف حسب كل فرد، وليس سجين المعنى الواحد الذي يفرضه عليه الفنان. وبتنازله عن صلاحيته بخلق المعنى، وتوكيلها إلى الصدفة، يحرر كيج الموسيقى من «أنا» المؤلف وتسلّطه، ومن النيّة الفنية، أي الرغبة بترويض الصوت لقول شيء ما على حسابه: «تقبّل أن الصوت هو صوت، وأن الإنسان إنسان، وتخلَّ عن الأوهام المتعلقة بالنظام والتعبير عن المشاعر وكل ما إلى ذلك من هرائنا الجمالي الموروث». وعندما يسأله أحد الحضور: «ما الهدف إذًا من هذه الموسيقى التجريبية؟»، يجيب كيج: «لا هدف. الأصوات».

يتفق الموسيقيون عمومًا على أن التسجيلات لا تنقل إلّا نسخة بائتة عن الأداء الحي لمقطوعة ما، حيث يختلف الأداء مرّة عن مرة ولا يمكن بالتالي تحجيره في نسخة وحيدة، وهي حقيقة تنطبق بشكل كبير على موسيقى كيج القائمة على الصدفة، فقطعته «مشاهد متخيلة رقم 4» مثلاً، مكتوبة لـ12 جهاز راديو، وتعتمد بالتالي كليًا على ما تبثه كل إذاعة لحظة التقديم. قوة التجربة تكمن دائمًا في ما تحمله اللحظة القادمة حيث كل شيء ممكن، وحيث احتمال تزامن ذات الصوتين بذات الشروط في المستقبل معدوم، لا أداء يمكن أن يشبه الآخر ولا حتى تقريبيًا، فالعمل موجود حصرًا بصيغة المضارع، يحتال على التاريخ ويخلق موسيقى لا يمكن إلّا أن تظل معاصرة إلى الأبد، تنتمي كل مرة إلى زمان ومكان تقديمها، فتقديم القطعة في تركيا، مثلاً، لن يعطي نفس نتيجة تقديمها في كندا.

«عندما نفصل الموسيقى عن الحياة، فإن ما نحصل عليه هو فن (تجميع من التحف). مع الموسيقى المعاصرة، عندما تكون معاصرة فعلاً، لا وقت لدينا لتطبيق ذلك الفصل (..) أن يكون لديك تحفة يضطرك (الأمر) لامتلاك الوقت الكافي لتصنيفها وتحويلها إلى شيء كلاسيكي. لكن مع الموسيقى المعاصرة لا وقت لفعل أي شيء من قبيل التصنيف. كل ما يمكنك فعله هو أن تسمع فجأة، تماماً كالإصابة بالمرض، حيث كل ما يمكنك فعله هو أن تعطس فجأة».

يُنهي كيج بعض الفصول بملحقات يحكي فيها قصصًا عشوائية من حياته؛ دعوة عشاء في نيويورك، طفولته في كاليفورنيا، أو رحلة لتجميع الفطر (هوايته الأساسية)، مقدمًا بذلك خطوطًا زمنية مختلفة تُقرأ بموازاة بعضها لتعطي، مثل موسيقاه، إحساسًا لذيذًا بالتفكك والعبثية، ولتجعل من قراءة الكتاب تجربة تتراوح بين التسلية وعناء من يجتاز طريقًا شاقًا بلا نهاية، يحمل في ثناياه أكوامًا من الأسئلة، والتي بالمناسبة تشكل المادة الأساسية لمحاضرة ألقاها عام 1958 في مدرسة دارمشتادت الألمانية، معقل الموسيقى الكلاسيكية الحديثة في الخمسينيات:

«ماذا إذا سألت اثنين وثلاثين سؤالًا؟»

«ماذا إذا توقفت عن السؤال بين حين وآخر؟»

«هل سيوضح ذلك الأمور؟»

«ما الذي توصله الموسيقى؟»

«هل الموسيقى مجرد صوت؟»

«هل شاحنة عابرة تعتبر موسيقى؟»

«إذا كنت أراها، هل عليّ أيضاَ أن أسمعها ؟»

«إذا لم أسمعها، هل لا تزال تتواصل معي؟»

«إذا كنت أراها دون سماعها، لكني أسمع شيئًا آخر، فلنقل خفاقة بيض، لإنني في الداخل أنظر إلى الخارج، من منهما يتواصل معي، الشاحنة أم خفاقة البيض؟»

وبعد أن يتابع لائحة أسئلته التي تأخذ أحيانًا منعطفًا فلسفيًا، ملقيًا إياها، دون شك، بنبرته الباردة واللامبالية، ومستفزًا حاضريه من أشهر مؤلفي أوروبا، يضيف قائلًا: «الآن وقد سألت اثنين وثلاثين سؤالًا، أيمكنني أن أسأل أربعةً وأربعين آخرين؟».

لكن أي حديث عن الكتاب يبقى ناقصًا دون المرور بعنوانه «صمت»، الذي يلمّح إلى مفهوم مركزي آخر في فكر كيج، وإلى قطعته الأشهر 4,33 التي يمكن تأديتها على أي آلة أو مجموعة من الآلات، ببساطة لأنها تتكون من 4 دقائق و33 ثانية من الصمت.

سببت القطعة كثيرًا من الجدل واعتُبِرت نوعًا من المزاح الثقيل أو محاولةً لجذب الانتباه، فبعد ترك المقامات ومن ثم الإيقاعات والألحان وحتى العازفين (مقابل الأصوات الإلكترونية)، بدت الخطوة البطولية الأخيرة للقرن العشرين في التخلي عن الصوت نفسه، لكن أهمية 4,33 ليست في اجتياز تلك العتبة، بل في اجتيازها للأسباب الصحيحة: فالصمت بالنسبة لكيج وهْم، وحتى الصمت الموجود بين النوتات في الموسيقى التقليدية «يفتح أبواب الموسيقى على الأصوات التي تحدث في المحيط»، أي صوت الصالة، وتنفس الجمهور وحركته، وآلات الإضاءة، والشارع في الخارج، أو ربما طفل يبكي. وحتى في أكثر الأماكن صمتًا وهدوءًا سينتهي الإنسان بسماع ضربات قلبه، الصمت المطلق يعني الموت.

يشبّه كيج الصمت في الموسيقى بالزجاج في العمارة والذي بدوره لا يعني فراغًا مطلقًا ولا نوعًا من العدم، بل مادة تتخلى عن مظهرها لتأخذ لونَ ومظهرَ ما حاولها، وهي خاصية سحرية ربما أدركها بعض المؤلفين سابقًا واستخدموها ببراعة في لحظات معينة من سيمفونيّاتهم وأوبراتهم لإعادة الجمهور إلى الواقع للحظات قبل أن تستردّهم الموسيقى مجددًا إلى عالمها. لكن الجديد في 4,33 هو اقتصارها بالكامل على الصمت، ما يجعلها مثل قارورة تجارب، تعزل عينة محددة اقتطعت من الزمان والمكان لحياتنا اليومية كي نتأملها قبل أن تتلاشى دون رجعة. عندما قدمت مثلًا للمرة الأولى عام 1952، تفاعل الجمهور سلبًا فملأت أصوات استنكاره الفراغ الذي خلقه كيج؛ كانوا هم المقطوعة دون أن يدركوا.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب الصوت لا يعني بالضرورة غياب الموسيقى، بل تحولها إلى فكرة مجردة، أي عودتها تمامًا إلى ما كانت عليه في البداية قبل أن تولد على شكل مقطوعة. منذ أن اكتشف الإنسان الأول قابلية تنظيم الصوت والتحكم بمعناه، أمسك بطرف الخيط الذي هو الموسيقى، الخيط الذي يمسك بطرفه الآخر جون كيج، منهيًا الرحلة الطويلة التي بدأت باكتشاف الإنسان القدرة على التحكم بالصوت، وانتهت بإدراكه أن الأعظم من امتلاك تلك القدرة هو التخلي عنها طواعية. وهكذا قام كيج بإغلاق تاريخ الموسيقى في دائرة تنبع من الصمت وتعود إليه، إلى صفحة فارغة، وبالتالي تعج بكل إمكانات الدنيا.