صول| من روميو وجولييت إلى زردشت: عن العلاقة بين النص والموسيقى

الأربعاء 28 شباط 2018

ما الذي تحكيه الموسيقى؟ يبدو السؤال الأزلي بسيطًا بالنسبة للموسيقى الغنائية، والتي تحكي بالضرورة ما تحكيه كلماتها، بينما يبدو أكثر غموضًا عندما يتعلق بالموسيقى الآلية، تلك القائمة فقط على آلات موسيقية. وباستماعنا لعمل كسيمفونية بيتهوفن الخامسة مثلًا، نلاحظ بوضوح الجمل المختلفة، والتطور السردي الذي يمرّ بمقدمة وعرض وخاتمة، نلاحظ أنها مثل أي نص، تروي شيئًا ما. لكن ذاك الشيء يتبخر بمجرّد محاولة ترجمته، فالشخصياتُ مجرد ألحان، والأحداث مجرد نقلات مقامية، لا ترتبط دلاليًا -بعكس اللغة- بأي مرجع خارج عنها، ولا حتى تقريبيًا.

مع رحيل بيتهوفن عام 1827، عاد السؤال إلى الواجهة، وبدا وكأن الموسيقى الآلية الغربية وصلت طريقًا مسدودًا، وكأنه بعد بيتهوفن «لا يوجد أي عبقري يستطيع إحراز جديد في ذلك المجال» حسب رأي فاجنر، والذي رأى أن مستقبل الموسيقى الآلية يكمن في نوع جديد من المعنى، نوع قام صديقه فرانز ليست ببلورته وسمّاه «القصيدة السيمفونية»، وهي عمل موسيقي «ذو برنامج»، أي يحكي بطريقة أو بأخرى، قصة خارجية.

فكرة ليست لم تكن جديدة كليًا، فقد وُلع معاصروه من رواد الحركة الرومانسية بكل ما هو روائي ومشحون عاطفيًا، وبحثوا في القوالب القديمة مثل السوناتا والسيمفونية عن طرق ملتوية للتلميح إلى معان خارجية، لكن حداثة القصيدة السيمفونية تكمن في تحريرها لتلك الرغبة المكبوتة نحو قالب جديد يكون مرجعه الوحيد هو النص. بالمقابل، رأى كثيرون في القصيدة السيمفونية خطرًا على الموسيقى الآلية، كونها تتنازل عن الحرية الوحيدة التي لطالما حسدتها عليها باقي الفنون، وهي قدرتها أن توجد بمعزل عن أي مرجعية خارجية.

هكذا عاش القرن صراعًا بين أنصار الموسيقى «الوصفية» أو «ذات البرنامج»، وأنصار الموسيقى «المجردة»، أو «المطلقة»، بينما رأى البعض أن هذا الصراع لا معنى له: «هل الموسيقى بحد ذاتها جيدة أم سيئة؟ هنا تكمن الفكرة. أما أن تكون ببرنامج أو بدونه لا يجعلها لا أفضل ولا أسوأ»، هكذا كان رأي المؤلف الفرنسي سان صانس الذي ترك أعمالًا من النوعين، ربما يكون أشهرها اليوم قصيدته السيمفونية «رقصة الموت» من عام 1874.

تقوم القطعة الموسيقية على قصيدة للشاعر هنري سازاليس، وتتناول أمثولة قديمة حول الموت الذي يقود ضحاياه في رقصة سوداوية نحو حتفهم الأخير. يتتبع سان صانس القصيدة كلمة كلمة في علاقة براجماتية، مستمتعًا باللعب على الخصائص الصوتية للآلات ومعتمدًا على تبحّر جمهوره في رمزياتها؛ فعندما «يعزف الموت في منتصف الليل أغنية راقصة على كمانه»، تدق آلة الهارب 12 دقة تتبعها موسيقى ناشزة من الكمان المنفرد، الآلة المرتبطة تاريخيًا بالموت (0:20). وعندما «تُسمع قرقعة عظام الراقصين» يدخل الكزيلوفون، الآلة الإيقاعية المكونة من صفائح خشبية (1:46)، وعندما «يترك الجميع دائرة الرقص فجأة، يتدافعون ويهربون، فالديك قد صاح»، نسمع صياح الأوبوا المنتصر (6:10)، ثم ارتعاشًا في الوتريات يتبعه الكمان المنفرد بلحن وداعي خائب.

قد تبدو موسيقى سان صانس ترجمة متزمّتة للقصيدة، وهو شيء صحيح إلى حد كبير، إلّا أن طبيعة الموسيقى تفرض دائمًا قيمة إضافية غائبة عن النص، مثل خيار سان صانس عدم بناء قطعته على إيقاع «السربندة» المذكورة في القصيدة، وهي رقصة أرستقراطية مغمورة كانت لتعتبر بطيئة ومملة أيامه، وإنما على الفالس، مضفيًا تناقضًا ساخرًا بين الرقصة الأكثر رومانسية في أوروبا، والموضوع الأكثر قتامة، الموت.

مؤلفون آخرون رأوا إمكانية علاقات أكثر تنوعًا مع النص: في روميو وجولييت مثلًا، يستخلص تشايكوفسكي بضعة أفكار رئيسية من نص شيكسبير (حب البطلين (8:52)، المعركة بين عائلتيهما (5 :35)، وغيرها)، ومن ثم يرتّبها ليس بالضرورة وفق النص، بل وفق منطق موسيقي. أما فرانز ليست في قصيدته السيمفونية أورفيوس، فلا يلتزم حتى بمرجع معين، بل يرسم للبطل الإغريقي صورة عامة عابرة للنصوص. هنا يتحول النص من نموذج للاستنساخ الحرفي إلى نقطة انطلاق نحو شيء آخر رديف. لكن الموضوع يتعقد بتعقد المرجع الأدبي، ففي بعض النصوص تكون الشخصيات والأحداث مجرد عذر لعرض أفكار فلسفية تتجاوز إطارها الروائي، وهو التحدي الذي واجهه الألماني ريتشارد شتراوس في قصيدته السيمفونية «هكذا تكلم زردشت»، المأخوذة من كتاب نيتشه الفلسفي.

هنا، لا يلتزم شتراوس ببنية العمل ولا بتطور القصة، بل يختار بضعة فصول يعيد ترتيبها ويشتق منها سرده الخاص. تبدأ الموسيقى بفاتحة الكتاب، حين يخاطب زردشت الشمس المشرقة: «أية سعادة ستكون لك أيها الكوكب العظيم لو لم يكن لديك هولاء الذين تنيرهم!»، المشهد الذي يستحضره شتراوس بالمقدمة الأشهر على الإطلاق في تاريخ الموسيقى، حيث ينبثق خيط الضوء من الأفق على شكل ثلاث نوطات يؤديها الترومبيت، الآلة المرتبطة بالنور وبالقدرة السماوية.

بعكس نيتشه الذي يفصل بوضوح بين الفصول المختلفة للقصة، يخلق شترواس بانوراما سريعة تعصف بالكتاب وتبعثر محتوياته في نصف ساعة من الموسيقى المتواصلة، كل فصل يولد من رحم الفصل السابق، مثل الحركة الرابعة «عن صبوات الأفراح والآلام» (6:50) التي تتفجر نتيجة تراكم طويل يحضّر له شتراوس في الحركة السابقة. لحسن الحظ، لا تتبع القصيدة ترجمة حرفية على طريقة سان صانس، وإلا لكانت تلك الصبوات، «الكلاب المتوحشة التي تتحول إلى عصافير»، أعطت نتيجة كرتونية. بدلًا من ذلك يعطينا شتراوس أوركسترا تزمجر وتتمزق بكل الاتجاهات، «تترع روح الإنسان حلاوةً، وهي أيضًا جوع أحشائه». بينما يشرع نيتشه الحرية المطلقة للإنسان في اختيار فضائله وشهواته، يشرع شتراوس لنفسه استخدام أوركسترا تثير الرعب بضخامتها، واللعب على نقلات مقامية ومبالغات لحنية جلبت له الكثير من الانتقادات والاتهامات بالانحلال.

يرقى شتراوس ببراعة إلى تحدي النص باستخدامه عناصر موسيقية لترجمة أفكار غير موسيقية تدخل في صراعاتها الفلسفية، كالنوطات الثلاثة للبداية، والتي تعود طيلة العمل، خصوصًا في الحركة السابعة، حين يعود مقام (الدو) البدئي ليوقظ زردشت من اضطرابه روحي، وليضرب الأوركسترا كالصاعقة (15:25)، يتبعه صمت: «إن هنا ما يكفي من الرعود لكي تتعلم القبور الإصغاء». كذلك يلعب شتراوس على توتر دائم بين مقامي الدو (الطبيعة) والسي (الإنسان)، غير المتجانسين فيما بينهما لأنهما قريبان جدًا من بعضهما على السلم الموسيقي، واللذين يظلان يقاطعان بعضهما في الحركة الأخيرة (الفلوت والكمان المنفرد بمقام السي، والكونترباص والتشيللو بدو خافتة (30:00))، حتى تنتهي القطعة بغموض وبدون نتيجة واضحة.

بقدرتها الروائية، لعبت القصيدة السيمفونية دورًا أخيرًا يتعلق هذه المرة بتصاعد المشاعر القومية حول العالم. المؤلف الفنلندي يان سيبليوس مثلًا، ولد في بلد تحت السيطرة الروسية، وعاش كافة الصراعات الهوياتية التي مزقته بين اللغة السويدية التي اعتبرت لغة الثقافة، والفنلندية التي احتُقرت كلغة رعاع ذات أصول مبهمة. وهكذا بدأ سيبليوس، الذي كان نفسه ابن عائلة سويدية الثقافة، بتعلم الفنلندية التي لم يتقنها حتى وقت متأخر، والتقى للمرة الأولى بالـ«كاليفالا»، الملحمة الشعرية الوطنية التي تحولت لرمز فنلندا في مخاضها نحو الاستقلال، والتي أبهرت المؤلف الشاب وألهمته مجموعة قصائد سيمفونية.

تدور إحدى أجمل تلك القصائد، «ابنة الشمال»، حول لقاء البطل فايناموينن بالعذراء ابنة الشمال، جالسةً على قوس قزح تغزل خيوط الذهب والفضة، المشهد الذي تلمّح له آلة الهارب (3:44) محاكية بنقر أوتارها الفتاة الأسطورية: «من أناملها الرشيقة يتمايل المكوك، بسرعة يحلق المشط الذهبي، من أنامل الفتاة ابنة السماوات». يطلب البطل منها الانضمام إليه، لكنها تشترط عليه تنفيذ مجموعة مهمّات مستحيلة بقدرته السحرية، كأن يقص خيطًا ذهبيًا بسكين لا حواف لها، أو أن يصنع لها سوطًا من الجليد.

تجري القصة في ديكور مهيب من الطبيعة الاسكندنافية، التي تستحضرها موسيقى سيبيليوس بقوة. كما رأى الكثيرون في شخصية فايناموينين، بطل فنلندا الأسطوري، انعكاسًا لسيبليوس، البطل القومي الذي استطاع في وقت كانت فيه الموسيقى السيمفونية محتكرة من قبل الروس والألمان، أن يخلق موسيقى جديدة «ناطقة بالفنلندية»، باستخدامها للألحان والمقامات الشعبية والإيقاعات المشتقة من التقطيع العروضي للكاليفالا. هنا تذهب علاقة الموسيقى مع النص أبعد من المحتوى، لتطال اللغة كذلك.

مع صعود الفاشية واشتعال الحربين، رأى جيل جديد من المؤلفين أنه من الأجدر بالموسيقى الانفصال عن مفاهيم بدت فجأة مفخخة مثل اللغة والقومية والبطولة، والعودة إلى عالمها التجريدي، وفي عام 1912 دعا الألماني شونبرج لمواكبة الفن التشكيلي في التحرر من التقليد الفوتوجرافي والتبعية للواقع: «الاعتقاد بأن قطعة موسيقى يجب أن تستحضر صورًا من نوع ما، وأنه بغياب تلك الصور تظل القطعة غير مفهومة أو بلا قيمة، هو اعتقاد منتشر بقدر ما هو مغلوط وسخيف». قد تكون مغامرة القصيدة السيمفونية انتهت، لكن موسيقى القرن العشرين ستعيش مغامرتها الخاصة مع النص بطرق أكثر نقدية.

في إحدى حفلاته التلفزيونية الموجهة للأطفال، قام المايسترو الأميركي بيرنشتاين بقيادة مقتطف من قصيدة شتراوس السيمفونية «دون كيشوت» قائلًا لجمهوره أنها تحكي عن سوبرمان، وبالطبع لم يكن في الموسيقى ما يدل على عكس ذلك، وبكشفه لاحقًا للقصة الحقيقية كان بيرنشتاين يشير إلى إحدى الحقائق الكبرى للموسيقى الوصفية: إن لم يكن لدينا علم مسبق بالنص، فمن المستحيل أن تفشي الموسيقى سر مرجعها، ربما لأن العلاقة بينهما غير موجودة أساسًا إلا في خيال المؤلف، ولأن الموسيقى في النهاية لا يمكن إلا أن تحكي نفسها، هنا يتوضح نظامها الدلالي المغلق عن الخارج، لغزها العظيم الذي يمكن الالتفاف حوله بكل الطرق دون الإحاطة به كليًا».