عن الشاي والأدب العالمي: في «فنجان الإنسانية»

الإثنين 11 كانون الثاني 2016

بقلم وفيقة المصري

«ينطوي الشاي على سحر خفيّ يجعله لا يقاوَم، ومنه القدرة على إسباغ الإحساس بالمثالية، فالشاي ينأى بنفسه عن غطرسة النبيذ، وعن غرور القهوة وعن البراءة المتكلّفة في نبتة الكاكاو». أوكاكورا كاكوزو

يُطالعنا الكاتب الياباني أوكاكورا كاكوزو في «كتاب الشاي» بفنجان الإنسانية الذي اجتمع العالم حوله «بسلام» وقد امتلأ بسائل سحريّ، يغوينا لونه – الذي يختلف باختلاف نوعه –  ليحلّ ضيفًا مُبهجًا بعد دفقٍ من ماءٍ ساخن، فتطغى رائحته، بينما تسرقنا رشفاته البطيئة إلى عالم من الدفء والسكينة.

ليس في كلام أوكاكورا كاكوزو عن الشاي محاولة للمطالبة بالاحتفاظ بطقوس الشاي الخاصة، فالشاي ما زال يحتفظ بطقوسه ومكانته الأثيرة حول العالم، وإنما رغبة في إسباغ منهج أو طريقة، تجعل من فنجان الشاي رمزًا يجمع الإنسانية، فنحن -على اختلافنا ونزاعتنا التي لا تنتهي- قد نجحنا في الاحتفاظ ببعض المسرّات المشتركة التي تجمعنا «بسلام» كالفن والموسيقى والأدب، والشاي أيضًا.

تاريخيًّا، ارتبط الشاي بالأدب ارتباطًا عميقًا ذا مدلولٍ  كماليّ وجماليّ خاص، يجعلنا لا نفكّر باجتماع ثقافي أو جلسةٍ أدبية دون حضوره الطاغي – ولستُ هنا بصدد تغييب القهوة فلها من مغرميها ما يكفي لجعلها حاضرةً دائمًا- لكنّ الشاي في هذا السياق التاريخي كان أقدم ظهورًا وأقوى حضورًا.

قد لا تخلو رواية من روايات العملاقة جين أوستن من احتساء الشاي، والشخصيات – من كلا الجنسين- التي أوجدت منه سببًا للاجتماع  والجلوس مُطوّلًا والكلام. في رواية «إيما» تصف جين أوستن الشاي في اجتماع جلست فيه بعض شخصيات الرواية قائلة: «مُرّر الشاي بينهم بمتعة، ولم يبد أن أحدًا كان في عجلةٍ من أمره». كما أن الشاي كان يُقدّم بعد كل حفل راقص أو بعد العشاء كروتين يوميّ في بيوت الطبقة العليا في ذلك الوقت، فيحملونه على مهلٍ إلى «غرفة الرسم» ويجلسون ليستمتعوا بحواراتهم التي لا تنتهي، في وقت كان فيه الكلام من أهم وسائل التسلية.     

فهل كان احتساء الشاي عادة أنثويةً «بيتيّة» بحتة؟ إن روايات العصر الفيكتوري تبدو زاخرةً بمشاهد النساء اللواتي يقبعن داخل البيوت ويسلين أنفسهنّ بالقراءة والتطريز واحتساء الشاي. أما مع بداية القرن العشرين والتغيرات التي طرأت على المجتمع الأوروبي، لم تعد النساء يحتسين الشاي في البيوت فقط بل خارجه أيضًا.

في رواية فيرجينيا وولف الشهيرة «السيدة دالاوي»، نجد ابنة البطلة تحتسي الشاي خارج البيت في ما يُعرف بـ«حجرة الشاي» ثم تتجول بحرّية في مدينة لندن. «يبدو أن الشاي قد شهد ورافق مسيرة التحرر النسوي والاستقلال والحرية».

ليس غريبًا أن يعبّر بطل رواية «مذكّرات قبو» للكاتب الروسي دوستويفسكي  عن رغبته الشديدة في احتساء الشاي بغض النظر عمّا يجري حوله قائلًا: «فليذهب العالم إلى الجحيم، لكنّني يجب دائمًا أن أحتسي فنجان شايي»، فعلى ما يبدو أن احتساء الشاي كان من إحدى عادات دوستويفسكي الغريبة. لقد «كان يحبّ أن يشرب الشاي الأسود بكثرة كما كان صعب الإرضاء، لذلك كان يحب أن يصنع الشاي بنفسه».

تخيّلتُ دوستويفسكي عندما قرأت وصف ابنته لطقوسه في صنع الشاي كأنه يكتب رواية من رواياته الطويلة جدًا، وينهمك في الكتابة حدًا يجعله ينهض فجأة ويعبّر عن سخطه لفشله في كتابة ما يريد، تمامًا كما كان يفشل في حصوله على لون الشاي الذي يشتهي.
تقول ابنة دوستويفسكي:

«أولًا، كان يغسل إبريق الشاي بالماء الساخن ثم يضيف ثلاث ملاعق من الشاي ويملأ ثلث الإبريق فقط ثم يغطيه بمنديل ورقي، وبعد ثلاث دقائق يضيف المزيد من الماء الساخن إلى الإبريق ثم يغطيه مجدّدًا، ينظر أبي إلى لون الشاي عندما يصبّه وغالبًا ما كان يضيف مزيدًا من الشاي، ثم يصبه في فنجان ويضيف مزيدًا من الماء المغلي. عادةً ما كان يأخذ الكأس إلى مكتبه ليعود مجدّدًا وقد أضاف مزيدًا من الشاي أو خفّفه. ثم يقول: «تصب الشاي فيبدو لونه جيدًا، لكن عندما تأخذه إلى المكتب لا يبدو أن اللون كما يجب أن يكون!». لقد كان ديستويفسكي يحتفظ بملعقة شاي خاصة به، كما كان يشرب الشاي بإضافة قطعتين من السكر».

في عام 1946، نشر جورج أرويل في صحيفة «Evening Standard» مقالًا بعنوان «فنجان لذيذ من الشاي» ذكر فيه إحدى عشرة قاعدة لإعداد فنجان الشاي «المثالي» في نظره. أعتقد أن جورج أرويل في مقاله هذا يعكس نوعًا من دقة الاهتمام بتفاصيل فنجان الشاي، ذلك الفنجان الذي لا يجوز إعداده كيفما اتفق.  

يقول جورج أرويل: «الشاي -إن لم يُشرب على الطريقة الروسية- ينبغي أن يُشرب بدون سكر. أعرف تمامًا أنّني ضمن الأقلية في كلامي هذا، ومع ذلك كيف يمكنك أن تسمّي نفسك عاشقًا حقيقًا للشاي ما دمت تفسد نكهة الشاي بوضع السكر فيه؟ قد يكون منطقيًا تمامًا في هذه الحالة أن تضع الفلفل أو الملح! وُجِدَ الشاي ليكون مٌرًّا، تمامًا كما صُنعت البيرة لتكون مُرّة. إذا جعلته حلوًا فإنك لن تستطيع أن تتذوق الشاي بل إنك تتذوق السكر على الأغلب؛ بإمكانك أن تصنع مشروبًا مماثلًا بأن تذوّب السكر في ماء ساخن ببساطة».  

 مازلت أذكر كيف رغبت بشدة في أن أحتسي من الشاي ذاته وأتذوّق من كعكة «الماندلين الصغيرة» ذاتها التي غمسها مارسيل بروست في الشاي، عندما قرأت المقطع الأخاذ من روايته الضخمة «البحث عن الزمن المفقود». يصف  مارسيل بروست في هذا المقطع أحد أيام الشتاء، عندما عاد إلى بيته وهو يشعر بالبرد فقدمت له أمه كوبًا من الشاي رغم أنه لا يشربه عادة، فرفض في البداية، ليعود ويغيّر رأيه فيجرب لحظةً من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته والتي أصبحت تُعرف فيما بعد بـ«اللحظة البروستية».

يقول مارسيل بروست واصفًا الشاي في تلك اللحظة:

«سرعان ما لامس السائل الدافىء وفتات الكعك سقف فمي، سرت قشعريرة في  جسدي بأكمله، وتوقفت لأنتبه إلى التغيرات الاستثنائية التي كانت تحدث. لذة ساحرة كانت قد اجتاحت حواسي، لكنها كانت متفرّدة ومنفصلة، دون أي إيحاء عن مصدرها. وفجأةً أصبحت تقلبات الحياة بلا أهمية عندي، ومصائبها لا تضرني وضيقها مجرد وهم».

أبوسعنا أن نقول إذًا إنه لولا الشاي، هذا السائل الساحر، لما ولدت هذه «اللحظة البروستية» الفريدة؟    

في رواية «صورة دوريان غراي» يقول أوسكار وايلد عن الشاي على لسان إحدى الشخصيات: «إنه المتعة البسيطة الوحيدة المتبقية لنا». فهل كانت هذه المتعة «نخبوية» وتقتصر على أصحاب الطبقات العليا في المجتمع الغربي خلال القرون الماضية؟ هل كان احتساء الشاي تبعًا للطقوس الخاصة به ضمن مواعيد معينة وفي أماكن مخصّصة يعكس نمط حياة الطبقة العليا ثقافيًا واجتماعيًا؟

في الشرق، موطن الشاي الأصلي، لم يكن الشاي مجرّد طقس للطبقة الغنية أو مشروبًا يوميًا عاديًا، بل كان عقيدة خالصة، مذهبًا روحانيًا ومبعثًا للراحة من أعباء الحياة اليومية اللامتناهية. يصف أوكاكورا كاكوزو طقس الشاي الياباني قائلًا: «أصبح الشاي معنا أكثر من تحويل شكل الشرب إلى مثال؛ بل عقيدة تتعلق بفن الحياة. أصبح هذا الشراب مدخلًا لعبادة النقاء والصفاء، واجبًا سريًّا مشتركًا بين الضيف والمضيف لكي ينتجا في تلك المناسبة أقصى درجات الغبطة الدنيوية. كانت حجرة الشاي بمثابة واحة في قلب الوجود الكئيب يفيء إليها المسافرون المتعبون لكي يغبوا من النبع العمومي لتقدير الفن».   

إذًا ثمة رابط بين الجلوس لاحتساء الشاي عند اليابانيين وتأمل عمل فني؛ فكلاهما يحتاجُ ما يكفي من التمهل وصفاء البال والرغبة الحقيقية في تذوّق الجمال، فلا عجب أن يقول المثل الياباني: «الشخص الذي لا يشرب الشاي، ليس قادرًا على فهم الحقيقة والجمال».

لا أبالغ إطلاقًا إذا ما أطلت الكلام عن كوب صغير من الشاي وعن المسرّات الصغيرة البطيئة التي يحملها في عالم أصيب بصرع السرعة ولعنة الآلة، الآلة التي ما انفكّت تحرمنا – طوعًا – من ملذّات الحياة البسيطة، كأن نأخذ وقتنا مثلًا في انتظار الماء ليغلي، فنعدّ الشاي على مهل ونشربه على مهل.