«ألاقي زيك فين يا علي؟» : ما بعد رمزية وقداسة الشهيد

الأحد 20 أيلول 2015

هلا أبو طالب

بعد خمسة عروض اجتذبت جمهورًا كبيرًا في مسرح البلد، اختتمت الأربعاء الماضي مسرحية «ألاقي زيك فين يا علي؟»، من كتابة وتمثيل رائدة طه، وإخراج لينا أبيض.

تقاطر الجمهور الى المسرح على صدى أغنية «ألاقي زيك فين يا علي؟» بصوت الصبوحة، لتبدأ المسرحية بصوت رائدة طه الجالسة بأناقة على الكنبة، وهي تروي قصتها، متنقلة بين أعمار مختلفة، وبين سنوات مختلفة، وتعود بنا إلى عمر السابعة، وبالتحديد إلى العام 1972، يوم استشهاد والدها علي طه في عملية خطف طائرة سابينا المتجهة الى مطار اللد، مجسدة الشخصيات العديدة التي مرّت بحياتها. تجلس تارة وتقوم تارة وترقص تارة وخلفها الكنبة وصور تعرض أحيانًا في الخلفية مع تسجيلات صوتية قليلة.  

تروي الممثلة طه عبر المونودراما القصة بطريقة حكواتية بامتياز تشعرك بخصوصية التجربة بعيدًا عن أي تكلف أو تصنع في الأداء، لتشعر بأنك جالس في جَمعةٍ عائلية وقد تناول الحديث أحد أقربائك المفضلين القادرين على رواية القصص ببراعة، فهي لم تكسر حاجز المُلقي للمتلقي فقط، بل وسعت أيضا لكسر حواجز القدسية والرمزية التي تغلف الشهداء خصوصًا وعوائلهم عمومًا.

من الابنة إلى الزوجة إلى الأخت، ارتسمت بطولات مُغيّبَة، جسدت لنا واقعا تعيش تحته عائلات الشهداء بعد رحيل الشهيد، ورحيل الضجيج الذي رُسم حوله من قبل الإعلام والتنظيمات والشعارات الرنانة.

كان في الطرح نوع من الجرأة، بداية من استخدام الأغنية في العنوان وخلال العرض، وعبر الحديث عن تجارب خاصة تتعلق بالتحرش الجنسي وما إلى ذلك، مما كسر أيضا غطاء القدسية الذي يغلف العاملين في الحركات الوطنية المختلفة ويعرض بطولات رائعة من نوع آخر. من الابنة إلى الزوجة الى الأخت ارتسمت بطولات مُغيَبة، جسدت لنا واقعا تعيش تحته عوائل الشهداء بعد رحيل الشهيد ورحيل الضجيج الذي رُسم حوله من قبل الإعلام والتنظيمات والشعارات الرنانة. فيبقى ضجيج من نوع اخر؛ ضجيج الصمت في غيابه، ضجيج صادق هو ضجيج الروح والذاكرة التي تذكر الحبيب والأب والأخ والصديق والانسان بكل ما فيه، وتجرده من رمزيته وهالته التي حصل عليها بعد رحيله فقط.

امتلأ العرض بالشخصيات النسائية الحزينة الجبارة المضحكة الصامدة، وبشخصيات ذكورية بعيدة كل البعد عن البطولة، بل وهي على عكس ذلك فقد شملت شخصيات مريضة، منافقة، غير فاعلة باستثناء شخصية أبو عمار وغازي  الحسيني اللتان كانتا الأقرب للإيجابية. عدا عن شخصية الأب الشهيد علي طه التي عشقناها من خلال المشاعر المتضاربه التي رأيناه فيها من خلال النساء في حياته، ومدى تأثيره عليهن ليومنا هذا حيث لم تلقى أي منهن بديلا لعلي. وقد غضبت رائدة طه الطفلة من علي كثيرا ولم تقدر أن تسامحه على غيابه إلا لاحقا بعد أن قالت لها أمها أن «علي يحب فلسطين لأنه يحبنا».

تظهر قوة الأم فتحية، التي ترملت وهي في السابعة والعشرين من عمرها مع أربعة فتيات أكبرهن في السابعة (وهي رائدة طه) وأصغرهن ذات الثمانية أشهر، خلال المسرحية كاملة. عبر الجنازة وفي بيت العزاء ومن ثم في الليالي الطوال وعيون «الرفاق» تتهافت على الأم، الى أيام بيروت ومدارسها، لنقاش لاحق مع الابنة الكبرى تقول لها فيه «إصحِك تزاودي عَلَيَ، لا إنتِ ولا غيرك..» في ردٍ على تهكم الفتاة من جملة أمها وهي تقول «يا ريتك كنت بياع فجل يا علي وتكون جنبي». تفاصيل عدة تجرّد عائلة الشهيد من قناع العنفوان والبطولة ليكونوا أشخاصا طبيعيين مثلي ومثلك، مقهورين في ظل احتلال غاصب قام بدفع أب رائع للقيام بعملية خطيرة بقصد الإفراج عن أسرى فلسطينيين.

تلي هذا القصة، حكاية العمة سهيلة المثيرة للدهشة، التي وبإصرارها ومثابرتها العجيبة لم تتوان عن الذهاب لأي شخصية مسؤولة تأتي الى القدس، مثل فيليسيا لانجر، المحامية الإسرائيلية التي اشتهرت بالدفاع عن الفلسطينيين، وأمين عام الأمم المتحدة آنذاك فلدهايم، للمطالبة بجثة أخيها علي التي بقيت سنتين كاملتين في ثلاجة الموتى ولم يقبل الإسرائيليون بتسليمها للدفن. قامت العمة، التي من الممكن أن أطلق عليها لقب «أنتيجوني فلسطين»1، بالذهاب في ماراثون من منزلها فور سماعها على الراديو بأن هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كان في زيارة للقدس،  لتلقاه وهي أمّية لا تقرأ ولا تكتب في فندقه، وتطالبه بإعادة جثمان أخيها لتقوم بدفنه. تروي «رائدة» القصة بتفاصيل عديدة تضفي عليها نكهة ساحرة فتريك العمة سهيلة التي تحدت الجميع لتحقيق هذا المطلب بنكهة فيها فكاهة وصلابة وعزة في آن واحد بعد أن كانت قد عاهدت نفسها منذ استشهاد أخيها بأن لا تضع غطاء على نفسها، إلا بعد أن تخلِّص علي من برد ثلاجة الاحتلال ليعود لتراب وطنه فيدفن فيه ملفوفا بعلم فلسطين الذي يحب، وهكذا كان.

ألاقي زيك فين يا علي؟ لم تلق رائدة مثل والدها علي أبدا، ولم يعوضها شخصٌ عن والدها حتى «أبو عمار» الذي تبناها معنويا وكان جزءًا أساسيًّا من حياتها الشخصية والمهنية أيضا.

تقول رائدة بأن أمها السبعينية لا زالت إلى الآن تحلم بعلي وتشتاق إليه، وتنتهي المسرحية بفيديو للعظيمة ببساطتها سهيلة طه2، وهي في الثمانين من عمرها، تغني بثوبها الفلسطيني المطرّز وابتسامتها الأخاذة تعلو وجهها «ألاقي زيك فين يا علي؟ وأنت في العين دي  والعين دي يا علي، يا كاويني يا علي .. يا ناسيني يا علي، عالعين يا علي يا علي.. علي».

فنشتاق نحن لعلي ولبطولات حقيقية وشخوص ملهمة كسهيلة و فتحية وعبلة3 والعديد من الشخصيات الغائبة الآن ونشكر رائدة على حفرها لشخصيات عظيمة كهذه في ذاكرتنا الشخصية والوطنية أيضا في قالب فني مميز.

—-

1 أنتيجوني هي بطلة مسرحية سوفكليس اليوناني وابنة الملك أوديب التي أصرت على عصيان أوامر الملك كريون ودفن أخويها دفنا لائقا.

2 قصة سهيلة طه كما قصص عديدة لنساء فلسطينيات موثقة في كتاب د.فيحاء عبد الهادي الجديد “أدوار المرأة الفلسطينية 1965-1982” الذي تم اطلاقه في هذه السنة.

3عبلة طه شقيقة سهيلة وعلي طه التي اعتقلت إثر محاولة تهريبها للأسلحة عبر جسر دامية في السبعينات.