مسرحية بحر ورمال: العبث حين يعرّي الواقع

الأحد 29 أيار 2016

إن كان طرح الأسئلة الصعبة والتشجيع على طرحها هو مهمة الفن الرئيسة، فإن المسرحية الأردنية «بحر ورمال» قد أدّت وظيفتها على أكمل وجه، إذ أن من يُشاهد المسرحية سيخرج منها وفي جعبته من الأسئلة أكثر من الإجابات؛ حول المسرحية، وإن كان محظوظًا، حول حياته ذاتها؛ ما يحدث معه اليوم وإلى أين يمضي غدًا؟ وهل الشمس التي تطلّ علينا كل يوم هي شمسٌ حقيقيّة أم أنها مجرد ضوء «نيون» في سجننا، ولكننا تعوّدنا عليه فسمّيناه شمسًا؟

تنتمي «بحر ورمال»، من تأليف وإخراج سلام قبيلات، إلى المسرح العبثي، أو هي بحسب القائمين عليها «مهزلة مأساوية أو مأساةٌ هزلية»، تدور أحداثها على سطح السفينة التي تنتظر أن يَسمح لها المرفأ بأن ترسو. لقد مرّ زمن طويل (…) أخذت السفينة تتصدع، وبدأ الركاب يفقدون رشدهم من طول الانتظار. 

اعتدنا في الأردن عند الذهاب إلى المسرح أن نتوقع أحد أمرين، الأول أن تكون المسرحية كوميدية، بينما يعتقد القائمون عليها أنها ساخرة، والفارق بين الأمرين هائل جدًا. إذ كثيرًا ما يخرج الممثلون والمخرج في نهاية العرض وفي ظنّهم أن روح المسرحيّ السوريّ محمد الماغوط تنام بارتياح في تلك اللحظات بعد أن قاموا بإعادة الاعتبار للمسرح الساخر، أو ربما أنهم الامتداد الطبيعي لمسرحيتي «غربة» و«كاسك يا وطن»، فيما الحقيقة أن المسرحية عبارة عن مجموعة من القفشات والنكات السهلة.

أما الخيار الثاني الذي يتوقعه مُرتاد المسرح فهو حضور مجموعة من المشاهد المفككة التي يرى فيها ممثلين وممثلات يقومون بالصراخ والمبالغة في الأداء، فيما النص أشبه بترجمة رديئة لشعر أجنبي قام بها مترجم لا يعلم عن لغته الأم أكثر مما يعلم عن اللغة التي يترجم عنها، وبالتالي يخرج المشاهد من المسرحية من دون أن يعلق بذهنه شيء سوى أن المسرح فنٌّ لا يناسبه.

وفي وسط هذا المشهد المعتم، تبرز مسرحية «بحر ورمال» كعلامة مضيئة، وربما فارقة، في المسرح الأردني، أو على الأقل في علاقتي بالمسرح، فالمسرحية إضافة إلى الأداء المميز لطاقمها، تدفعك لحك رأسك طويلًا، وللتفكّر في المشاهد التي رأيت، ومن ثم في المقصود من كل كلمة وحركة وإيماءة.

ولأن المسرحية تقوم أساسًا على الرمزية، فإنها تحتمل تأويلات عدة، ويمكن للمشاهد أن يفسرها وفقًا لثقافته ومشاعره، ولذا فربما يكون التحليل الذي سأقوم به لم يخطر للمؤلف على بال، ولا هي الرسالة التي حاول إيصالها، لكن في الفن يحصل المتلقي على حق تأويل المنتج الإبداعي بطريقته الخاصة، كما هو حقٌ أصيلٌ لصاحب الإبداع.

المسرحية وإضافة إلى الأداء المميز لطاقمها، تدفعك لحك رأسك طويلًا، وللتفكّر في المشاهد التي رأيت، ومن ثم في المقصود من كل كلمة وحركة وإيماءة

على طرف المسرح يجلس القبطان (خالد الطريفي)، فيما يجلس على الطرف الآخر أحد الركاب (بلال زيتون)، ويدور بينهما حوار ربما أساسه الملل، الملل الذي يتسبب به عمر انقضى على ظهر السفينة التي لا تسير ولا تبحر، وإنما تقف في عرض البحر في انتظار مرفأ يَقبل بها. ويقوم الحوار حول رمي الراكب للدلو في البحر ليخرج الدلو وفيه رمل عوضًا عن الماء، ليجيب القبطان بأن هذا أمر غريب لم يسبق له أن رأى مثيلًا له عبر سنوات خدمته الطويلة، وعندما يسأل القبطان عن السبب الذي يدعو الشاب إلى إلقاء الدلو خارج السفينة يجيب الشاب أنه يحاول ترتيب سطح السفينة، ويستمر الحوار إلى أن يقول القبطان العجوز للراكب الشاب: لقد ولّى زمن الأشياء المفهومة، فيرد عليه الأخير قائلًا أن علينا أن نحاول الفهم على الأقل. هذا الحوار يتكرر على مدى المسرحية، مرّةً تلو الأخرى في مشاهد متتالية، تعلو فيها الأصوات تارة، وتارةً تنخفض.

هل يمكن قراءة هذا المشهد سياسيًّا؟ برأيي، أن الجواب نعم بكل تأكيد، والعبث الذي نراه في المسرحية، عبث السؤال، وعبث تكراره والسائل يعلم تمامًا أن الجواب الذي يتلقاه هو ذاته الجواب الذي سمعه من قبل يشبه إلى حد كبير حياتنا، ويشبه المحاولات الدؤوبة والمستمرة التي يقوم بها كل جيل فترة شبابه من أجل تحسين الوضع، من أجل أن يكون المشهد أقل رداءة، من أجل تنظيف سطح السفينة. لا يحاول الشاب العثور على مرفأ ما، ولا يحاول كذلك العثور على السبب الذي يجعل الدلو يمتلئ رملًا كلما ألقاه خارج السفينة، هو يحاول فقط الإصلاح، يحاول تجميل البؤس الذي يعيش فيها.

وفي خلفية هذا المشهد، نرى شابًا وفتاة (محمد الجيزاوي وهلا بدير) لم يفقدا الأمل من العثور على مرفأ ما، ولذا بين الحين والآخر يسألان القبطان النائم عن موعد رُسوّ السفينة دون أن يجدا إجابة مقبولة، فضلًا عن موعد قريب. وفي لحظات نورانية وبعد أن يصعد على صاري السفينة يتمكن الشاب من رؤية شخص يمشي على الماء ويلوّح لركاب السفينة بكلتا يديه، في البداية يحاول الشاب الآخر رؤية ما تحدّث عنه زميله، لكن دون جدوى، وكما هو متوقع من المسرحية، يتكرر هذا المشهد مرّة تلو أخرى حتى يملّ الركاب من «رؤى» الشاب فيقرروا التعامل معه على اعتباره مجنونًا.

هل يمكن قراءة هذا سياسيًا أيضًا؟ بالتأكيد. قيل للشباب الذين قرّروا النزول إلى الشوارع مع بداية الربيع العربي أنهم واهمون. قال لهم الكبار في العمر أنهم قد حاولوا من قبل وألّا فائدة مما يفعلونه، قال لهم محترفو دعوات الإصلاح أن عليهم الكفّ عن هذا الهراء والاكتفاء بتنظيف سطح السفينة؟ وهذا الأمر ليس محصورًا بالربيع العربي، ولا هو تقليد عربي حصرًا، إذ كل دعوة تغيير حقيقي عبر التاريخ قيلت لها هذه العبارات، وإنْ بعبارات وأصوات ومواقف مختلفة، لكنها في النهاية تقول ذات الشيء، في مشهد كما في المسرحية؛ عبثي يتكرر مِرارًا.

أمّا الانتظار، انتظار ركّاب السفينة السماح لسفينتهم بالرسوّ، والذي يُذكّر بمسرحية «في انتظار غودو»، والتي تحوّلت إلى واحدة من كلاسيكيات المسرح العالمي، فهو انتظار يشبه ذلك الذي عرفناه جيدًا، انتظار شيء ما لا نعرف ماهيته، لكننا نعرف أنه سينقذنا من هذه السفينة التي نعيش عليها: انتظار اللاجئين لحل سحري ينهي مأساة اللجوء، ونهضة ستخرج لنا كالنفط من باطن الأرض تنقذنا من كوننا عالمًا ثالثًا، وجنّة تهبط علينا من السماء تنهي الجحيم الذي نعيشه على الأرض.

بالتأكيد أن القراءة السياسية للمسرحية ليست هي القراءة الوحيدة، ولو شاهدت المسرحية مجددًا لتولّدت لدي قراءة أخرى، فالسفينة في المسرحية يمكن لها أن تكون عائلتك، يمكن لها أن تكون وظيفتك، يمكن لها أن تكون حياتك، ويمكن لها أن تكون الحياة بأسرها، الحياة العصريّة التي تحوّلت إلى سجن كبير مترامي الأطراف، وبتنا نتعامل مع أي دعوة للخروج من هذا السجن، على أنها جنون محض.

ربما يود أحدنا وهو يشاهد هذه المسرحية لو كانت المشاهد والرسائل أكثر سهولة، لكن هذه المسرحية لم تعمل لراحتك وإنما لاستفزازك، بل وربما يمكن القول أن بعض مشاهدها إنما كُتبت وأُدّيت لإزعاجك، لكسر الرتابة في حياتك، ولدعوتك للتأمل فيها، ولتخرج من المسرح وفي ذهنك أنه ورغمًا من أنه «قد ولّى زمن الأشياء المفهومة» فلا بأس من أن نحاول.