صول | من أوكسيتانيا إلى عكّا: عن التروبادور والخطوط الوهمية

الأربعاء 26 نيسان 2017

حمل مطلع القرن الثاني عشر مفاجآت غير متوقعة لخريطة المشرق العربي، فخلال بضع سنوات بزغت بين الدولة السلجوقية الضخمة والمتوسط ثلاث دويلات صليبية؛ إمارتيّ أنطاكية وطرابلس، ومملكة القدس التي امتدت من العقبة إلى بيروت. وعام 1101، وصلت إلى أنطاكية السورية حملة صليبية جديدة في طريقها إلى القدس، ومن ضمنها ويليام التاسع دوق أوكسيتانيا، الذي انضم إلى غيره من النبلاء المتوجهين إلى «الأرض المقدسة». ويليام الذي يبدو أنه كان أخرقًا في الأمور العسكرية، دخل التاريخ كمؤسس فن الـ«تروبار» الذي غيّر من تاريخ الموسيقى الغربية.

انتشر ذلك الفن بدايةً في منطقة أوكسيتانيا جنوب فرنسا الحالية، أو «قُسطانية» كما سماها العرب، وأُطلق اسم «تروبادور» على أمثال ويليام من الفرسان والنبلاء الذين بدأوا فجأة يحترفون كتابة الشعر وتلحينه وغنائه، وتحولوا إلى نوع من الموسيقيين-الشعراء الذين تنقلوا بين البلاطات لنشر فنهم وقيمهم المجددة.

من الصعب الجزم حول ما إذا كان ويليام قد سمع فعلًا الوصلات الحلبية أو غيرها من الأشكال الغنائية لبلاد الشام كما يعتقد بعض الباحثين، لكن الأكيد هو أن الفن الجديد الذي حمله معه أدخل ممارسات جديدة على الثقافة الغربية، أبسطها بنية القصائد التي يتكرر فيها ذات اللحن بكلمات مختلفة كل مرة، وهو شكل غنائي انتشر في بلاطات العباسيين منذ القرن التاسع على الأقل. أما العلاقة الأقوى للتروبادور، فتبقى مع جيرانهم في الجنوب، حيث تشاركت أغانيهم عدة عناصر مع الزجل الأندلسي وكتبت مثله بلغة عامية. كما ساعد انتماء التروبادور إلى طبقات متعلمة نسبيًا على إتقانهم لفنون الخطابة واستخدامهم اللغة الأوكسيتانية المحلية ببلاغة كانت حتى ذلك الوقت حكرًا على اللاتينية، الشيء الذي عبّر عن ظهور فن «بديل» نوعًا ما، وعن تغيّر في البنية الهوياتية للمنطقة.

لكن التجديد الأهم الذي تشاركته أغاني التروبادور مع الشرق يكمن بلا شك في دورانها حول موضوع الـ(fin amour)، أي «الحب الرفيع»، والمقابل للحب العذري في الشعر العربي، وهو الحب المُنزّه عن شهوة الجسد، الذي يهدف إلى إغراق الشاعر في لوعة تكاد تكون روحية، ويعتقد أن الحب الحقيقي ينطفئ بمجرد إشباعه، وأنه يجب أن يبقى عن بعد.

يدعم كثيرون نظرية انتقال الغزل العذري عبر الأندلس، حيث كان الموضوع الأكثر شعبية لأغاني البلاطات من موشحات وغيرها، ويبررون ذلك بظهور كلمات أوكسيتانية جديدة في أغاني التروبادور تشبه «العاذل» و«الرقيب» و«النمّام» وغيرها من المصطلحات التي ميّزت الغزل العربي منذ أيام قيس بن الملوح وعباس بن الأحنف، أي قبل التروبادور بقرون. بينما يرى آخرون أن الأثر العربي مبالغ به، وأن هوس التروبادور بالحب العذري يجد جذوره لدى الشاعر الروماني أوفيد.

شارك الكثير من التروبادور الأوائل بالحملات الصليبية، مثل جوفريه روديل الذي يُروى أنه وقع في غرام أميرة طرابلس قبل أن يراها، فذهب مع الحملة للقائها، أو ريتشارد قلب الأسد، ملك إنجلترا الذي يشتهر بغريم صلاح الدين، وأحد التروبادور الذين كتبوا بالأوكسيتانية. هذا الارتباط الوثيق بين الحملات الصليبية وانتشار التروبادور يعبر عن أسلوب حياة يرتبط فيه الشعر والبلاغة بقيم الفروسية والدين، ويخبرنا بمدى تعقيد الأثر الثقافي لتلك الحملات، خصوصًا وأنها لم تكن فقط مكانًا لالتقاء الغرب بالثقافة العربية، بل حتى لالتقاء الأوروبيين ببعضهم، مما حول طرق الحج إلى مسارات إنتاج ثقافي تلاقى فيها التروبادور من مختلف الأصول على طوال الطريق بمرافقة الحملات الذاهبة والعائدة.

لم يكن فن التروبار ممارسة ذكورية فقط، فسرعان ما انتشر بين بنات النبلاء اللواتي سُمين «تروبايريتز»، مثل بياتريس دي ديا، وهي شخصية غامضة عاشت جنوب فرنسا أواسط القرن الثاني عشر، وكتبت بالأوكسيتانية مجموعة أغانٍ لم يصلنا منها إلا أغنية وحيدة تتغزل فيها بنبل حبيبها وتعذله على مجافاته لها.

مع الوقت، ظهر جيل جديد من التروبادور غنّى بالفرنسية، وازدهر خصوصًا بعد الحملة الصليبية على جنوب فرنسا عام 1209 والتي أعلنت بداية قمع الثقافة الأوكسيتانية على حساب توزيعة ثقافية جديدة صعدت بالتروبادور نحو الشمال. أحد أشهر أولئك التروبادور الفرنسيين هو تيوبالد ملك نبرة، الذي حطت به سفينة صليبية على شواطئ عكا عام 1239، حيث كتب شيئًا من أغانيه التي يعلن فيها خضوعه الكامل لمحبوبته، ويناجيها ألا تنساه.

منذ القرن الثاني عشر، أنتج التروبادور ممارسات مشابهة خارج فرنسا، مثل الكانتيجا في جاليثيا وشمال البرتغال الحالية، أو الـ (Minnesingers) أي «مغنو الحب» في ألمانيا، والذين انفصلوا تدريجيًا عن التقليد المتوسطي كما في حالة نايدهارت فون روينتال، الذي أدخل على أغانيه بعض العناصر القروية والكثير من التهكم والتلميحات السياسية والاجتماعية.

غالبًا ما تختلط الحدود بين موسيقى التروبادور وأنواع أخرى من الموسيقى المعاصرة لها مثل الأغاني الصليبية، خصوصًا وأن الكثير من أغاني التروبادور كُتبت بترجيعات دينية، ولعبت دور المعلق السياسي على الأحداث، مستعينة بلغتها المفهومة، وقدرتها على التنقل بين الطبقات الاجتماعية وعبر الحدود الجغرافية. ففي أغنية فلسطين يؤكد الألماني فون فوجلفايده على واجبه الروحي بزيارة الأرض المقدسة، والتي «يدّعي كل من المسيحيين واليهود والكفار (أي المسلمين) أنهم ورثتها»، و«يتصارع الكل عليها، لكن الرب سيقرر لمن ستكون».

كما تطورت مع الزمن قوالب مختلفة تمايزت حسب موضوعها وبنيتها، مثل الـ( Pastorela) التي تدور حول موضوع رعوي، أو الـ( Planh) أي الرثاء، مع احتفاظ الحب العذري بحضوره المركزي. كما احتوت تلك القصائد على رموز منمقة كما في الأغنية الفرنسية «أتريدونني أن أغني» التي لا يُعرف من كتبها، والتي تحكي عن فارس يستظل بشجرة زيتون ويصف حبيبته التي تتماهى مع الربيع: «خفافتها مصنوعة من زهور أيار، وحزامها من النباتات التي تورق عند المطر (…) العندليب أبوها، وأمها حورية تغني في البحار المالحة».

عام 1291 سقطت عكا، آخر معقل صليبي، تبعها تحرير قلاع الساحل من حيفا إلى طرطوس وإنهاء الحضور الصليبي في المشرق، وبعد ذلك بنصف قرن بلغ الطاعون أو «الموت الأسود» ذروته في أوروبا ليحصد عشرات الملايين من الأرواح وليغيّر التركيبة الاجتماعية والثقافية للقارة. كانت تلك بداية نهاية التروبادور وتلاشي الحب العذري على حساب أدب أكثر تشاؤمًا وواقعية. أما الموسيقى الأوروبية، فقد دخلت مرحلة جديدة بانتشار البوليفونية، أي تعدد الأصوات، لتنفصل تدريجيًا عن باقي موسيقى العالم لقرون قادمة.

يستمر إرث التروبادور اليوم في طرح تساؤلات أبسطها على مستوى التقديم الموسيقي والتأويل، فعدد الألحان التي وصلتنا لا يتجاوز الـ 250، منوّطة في بضعة مخطوطات ملكية، ومكتوبة غالبًا بعد عقود من ظهورها شفهيًا، مما يجعل التأكد من دقتها مستحيلًا. إضافة إلى ذلك، لا تقدم لنا تلك التدوينات أكثر من خط لحني منوّط دون أي معلومات حول سرعة الأداء أو الآلات المستخدمة أو طبيعة الإيقاع، إذا كان موجودًا من أساسه. كما يجب التأكيد على أن أغاني التروبادور لم تكن حكرًا على مؤلفيها النبلاء، بل تمت تأديتها من قبل مختلف أنواع الموسيقيين في كل مكان، وبما أن الأغنية نفسها لا يمكن أن تُقدم في البلاط كما تُقدم في الشارع أو على طريق الحج، فقد نتج عن ذلك اختلافات في التقديم بحسب الآلات الموجودة والمكان والسياق. كما كان من الطبيعي أن تُلصق كلمات جديدة على لحن أقدم مما يُعقّد مهمة تتبع وتصنيف الأغاني أكثر وأكثر.

يُفسر كل ذلك توصل الباحثين والموسيقيين إلى استنتاجات راديكالية الاختلاف تقول أن نفس الأغنية مثلًا يمكن أن تُؤدى بطريقة أقرب للموّال وبمرافقة تأملية، أو كرقصة مع الطبول والمزامير، أو بطريقة نصف مغناة أقرب للزجل المتوسطي. باختصار، تستمر موسيقى التروبادور برفضها الدخول في قوالب جاهزة بالسهولة التي تدخل بها الموسيقى اللاحقة. لكن ذلك التخبط لا يمكن إلا أن يكون إيجابيًا كونه يجلب تنوعًا كبيرًا في الأفكار والنظريات، ساعد على تطبيقها إعادة تركيب الآلات القديمة، كي نتمكن من سماع أصوات كانت قد اختفت منذ ما يقارب الألف سنة.

وبالعودة إلى التساؤل حول مدى الأثر العربي، لا يوجد أي إثبات أن موسيقى التروبادور لم تكن تزخرف مثل الموسيقى العربية، أو أنها لم تكن نصف مكتوبة ونصف مرتجلة مثل الزجل الأندلسي، أو أن دوزان مقاماتها لم يحتو على أرباع الأبعاد الشرقية، أو أنها لم تكن تُرافق بإيقاعات تشبه إيقاعات الموشحات، أو أن فعل «تروبار» الأوكسيتاني نفسه ليس مشتقًا من «الطرب» أو «الضرب» على الدف كما اقترح بعض الباحثين. يدعم ذلك حقيقة احتواء بلاطات أوروبا آنذاك على الكثير من الموسيقيين العرب الذين أدوا الأعمال الأجنبية بطرقهم الخاصة، كما في حالة ألفونسو العاشر الذي تكلم ذاته العربية وقاد في طليطلة أكبر حملة ترجمة من العربية إلى اللاتينية، الشيء الذي لا بد وأن ينعكس على الموسيقى كذلك.

لكن الإسراع في تأكيد كل ذلك للتشدق بأسبقية العرب تفترض عالمًا يتبع الخطوط السميكة للجغرافية، يحيا فيه العرب والفرنجة في فقاعات متباعدة. فرض ثنائية الشرق والغرب هذه الحديثة نسبيًا على عالم آنذاك لا يمكن أن يبدو أكثر سذاجة، خصوصًا في الأندلس حيث عاشت شعوب بأكملها تتحدث اللغات الأوروبية إلى جانب العربية أو مزيجًا من الاثنتين كما في حالة الـ(Mozarab)، أي المستعربين من مسيحيي الأندلس الأصليين، الذين عاشوا ثقافة لا يمكن تصنيفها بشرقية أو غربية.

لذلك فإن الحديث عن الأسبقيات يُعكّر الصورة الكبيرة، حيث أدخل فرنجة أبيات عربية على أغانيهم، وختم أندلسيون موشحاتهم بـ«خرجة» مكتوبة باللغات الرومانسية، مُحوّلين اللغات والمقامات إلى مجرد جزء من لعبتهم للتعبير عن تعدد ثقافاتهم وتعقيدها، وللاحتفاء بالحب العذري. كل ذلك يجعل من موسيقى العصور الوسطى فردوسًا من الأصوات والآلات يذهل مستمع القرن الواحد والعشرين، ويمنحه نعمة استراق السمع على عالم بعيد غير مثقل بجغرافية اليوم.