مسلسل «توين بيكس»: رثاء الخير والشر

الإثنين 12 آذار 2018

تبدأ أولى حلقات الموسم الثالث من مسلسل «توين بيكس: العودة» بسؤال: «هل نحن في المستقبل، أم في الماضي؟»، وتنتهي بنفس التساؤل الذي لا يجيب عليه أحد. فعلى مدار 18 حلقةً، نجح المسلسل في بثّ طاقة سحريّة عصيّة على الفهم لا تشبه شيئًا ممّا يعرض حاليًّا على التلفزيون في عصره الذهبي، في رحلة أوديسيّة يعود بها عميل (الأف بي آي) دايل كوبر إلى مدينة توين بيكس التي غادرها قبل 25 عامًا إلى برزخ الشر الذي يحكمه رجل حكيم يلقّب بـ«رجل النّار»، وبرزخ الخير الذي يديره رجل قصير بلا ذراع أو اسم يلقّب بـ«ليتل مان».

يحاول كوبر في رحلته حل لغز جريمة قتل لورا بالمر التي بدأ بها الجزء الأول من السلسلة (1990) واستمرّت في الجزء الثاني (1990 – 1991) وفي فيلم «توين بيكس: امشِ معي نارًا» (1992)، وينطلق منها إلى معاينة كونيّة للخير والشر، تتنقّل، بثقل، ما بين شخصيّات وأحداث غير مترابطة غالبًا بشخصيتين: كوبر الخيّر وقرينه الشرير. ليست الحبكة هنا أفضل عناصر المسلسل بالضبط، بل المعالجة البصريّة اللينشيّة (نسبة إلى مخرج وكاتب العمل دايفيد لينش بالشراكة مع مارك فروست) الشجاعة إلى أبعد الحدود. تتجلّى هذه المعالجة في الحلقة الثامنة التي تخلو تقريبًا من أي حوار، مقابل تصوّرات سرياليّة لأصل الشرّ الذي تسرّب إلى عالمنا من سخام أوّل تجربة نوويّة في ولاية نيو مكسيكو العام 1945.

يمكن اعتبار المسلسل أبرز أعمال العام الماضي بلا منازع. لكن إذا ما جرّدناه من إبهاره البصري ورموزه نعثر على ميلودراما رخيصة لأشخاص يحبون بإخلاص، ويقتلون بلا سبب وجيه، وينقتلون بلا أسف أو ندم. بينما تكمن أهميّته في ترسيخه لعصر التلفزيون الذهبي بربطه مباشرة بذروة عصر السرياليّة والعبث في منتصف القرن الماضي. فكما نشأت السرياليّة كمناهضة للعقلانيّة المفرطة التي أدّت إلى الحروب والمجازر والفن البرجوازي، وكداعية للعودة إلى الحلم والخيال الطفولي، يختتم دايفد لينش هذا العصر الذهبي بأقصى ما يمكن للتلفزيون أن يقدّمه، كأنّه بث متقطّع ما بين زمنين من أسوأ أزمنة البشريّة. الأمر يشبه أن يقول «رجل النّار» لكوبر في بداية المسلسل كلمات لا تعني شيئًا (430، ريتشارد وليندا) ولا تذكر في الحلقات التالية، حتّى نصل الحلقة الأخيرة التي لا تجد أحداثها معناها إلّا في هذه الكلمات.

تتردّد الكلمات والإشارات من هذا النّوع وتنتشر على مدار الحلقات بشكل مفرط، حتّى يصبح تحليلها صنعةً ثقيلة تستوجب البحث والرّبط ما بين الميثولوجيّات والأديان الشرقيّة والشخصيّات الأدبيّة من جهة، وما بين شخصيّات وأحداث المسلسل من جهة أخرى. ربّما أفضل مثال على هذه الإشارات صورة كافكا التي تظهر في الحلقة الثالثة على جدار مكتب الكولونيل غوردن كول، الذي يمثّل شخصيّته الكاريكاتوري لينش نفسه. لاحقًا، ينتقل كوبر من برزخه إلى العالم بشخصيّة دوغي جونز الذي يعمل كمندوب في شركة تأمين. يظهر كوبر/ دوغي في دوره المفروض عليه كافكاويًّا تمامًا بإرادته المسلوبة وعجزه عن إتّخاذ القرارات، متغرّبًا عن العالم المعاصر بقيمه المزيّفة ومستسلمًا لشقائه. وإن لم يكن هذا وصفًا لإحدى الشخصيّات في إنتاج كافكا، فهو وصف لكافكا ذاته الذي عمل كمندوبٍ في شركة تأمين لعدّة سنوات. عدا عن حالة تقمّص كوبر لدوغي، والتي تحيل إلى شخصيّة «غريغور سامسا» في رواية التحوّل.

يستمر هذا الرّبط ما بين المسلسل والإنتاج الأدبي العبثي. فمن مشهد مستوحى من مسرحية «في انتظار غودو» لصامويل بيكيت في الحلقة 15 بين تشارلي وأودري، إلى نقد قاسٍ للعائلة الأميركيّة مزيّفة القيم والمتمثّلة في عائلة كوبر/ دوغي، والذي يحيل إلى مسرحيّتي إدوارد ألبي «الحلم الأميركي» و«من يخاف فرجينيا وولف؟».

يقول ألبي عن مسرحيّة «الحلم الأميركي» أنّها «معاينة للمشهد الأميركي، وهجوم على استبدال قيم المجتمع الحقيقيّة بالمصطنعة، وإدانة للقناعة والقسوة والعجز والخواء»، و«توين بيكس» تجلٍّ قاسٍ لهذا الخواء. حيث يتحتّم على الشخصيّات قطع مسافات وشوارع فارغة، وأن تصف محطّة بنزين متروكة لرجال مسخّمين لا قيمة لديهم إلّا العنف، وتتوق للحب في عالمٍ لا يوفّر الأمن. يتجلّى أيضًا في هدف كوبر الخيّر وقرينه الشرير الواحد، ووحدتهما وحزنهما اللذان لا يفسرّان. هذه أيضًا سمات الأدب الأميركي العابر للأزمنة، بشخصيّاته المغبونة والمستسلمة للواقع وحتّى الحلم. وهذا إرث ويليام فوكنر وسالينجر وكورماك مكارثي وهيمينغواي ودايفيد فوستر والاس، حيث البطل وحده هو الذي لا يُهزم بالحب، آتيًا كالآلهة اليونايين ليغيّر الواقع الذي لا ينهزم إلّا بالخير.

دايفيد لينش أيضًا واحد من أبرز من وصفوا هذا الخواء بإخلاص، لكنّهم لا يستطيعون إلّا أن يساهموا بصناعته. ففي مسيرته التي بدأت في السبعينيّات، حوّل لينش الفن الطليعي إلى فن شعبي بسمات ديستوبيّة: الهروب من الواقع إلى الحلم ومن الحلم إلى الواقع، الآلة التي تمسخ البشر إلى معادن أو أباريق أو دخان أو نار، العنف والتشوّه، إنحطاط المدن الأميركيّة، موسيقى وأغانٍ يغلب عليها نوع «الدريم بوب»، الشخصيّات الخارقة للطبيعة، وحساسيّة تظهر في مفارقات دراميّة تستعيد حس الإنسان المعاصر. ومع تجذّر هذه العناصر عبر صور وأصوات عنيفة، أصبحت هذه السمات تحمل اسم «اللينشيّة». يصف دايفيد فوستر والاس أن اللينشيّة «نوع معيّن من السخريّة حيث تجتمع الجنائزيّة مع الدنيويّة بطريقة تكشف ديمومة احتواء الجنائزيّة للدنيويّة».

غالبًا ما تستسلم المعايير الفنيّة الحديثة لتغريب الشّكل عن المحتوى لتصف واقعًا لا يمكن وصفه إلّا بمعاداته. تقترح هذه الأشكال الفنيّة عالمًا يتجاوز الحقيقة. وبالتنازل عن محاولات فهمه، يتجلّى العالم الفنّي في أنّه مفرط في واقعيّته. هكذا أصبحنا نعيش في عالم ما بعد واقعي يحاول ترامب إقناعنا بأنه مبني على «أخبار مزيّفة»، ونقرأ أدبًا يؤسطر يوميّاتنا بدلًا من فهمها في سياق بشري، ونشاهد أفلامًا مذهلة بصريًّا، وفنًّا حديثًا يعنى بتقليل الواقع إلى تصوّرات أكاديميّة مغلقة.

ربّما نجا التلفزيون وحده من هذا المأزق بجمع بعض تلك العناصر وإعادة بثّها، بضراوة، إلى عاديّة يوميّاتنا. وبصنعة مضادّة تعيد الشكل إلى مضمونه، أصبح التلفزيون التعبير الفنّي الأرفع لغربتنا، وإشراكنا بمسؤوليّة هذا التغريب. تشترك إنتاجات الاختراع الأميركي الذي يسمّى بالعصر الذهبي الثالث للتلفزيون بهذه العناصر. هذا ما نراه أيضًا في مسلسلات مثل «ذا واير» (2002 – 2008) لدايفيد سايمون، والذي اعتبر «رواية ديكينزيّة تلفزيونيّة»، و«سوبرانوز» (1999 – 2007) لدايفيد تشايس بمقاربته لأخلاقيّات الإنسان المعاصر، و«ذا ويست وينغ» (1999 – 2005) لآرون سوركين و«هاوس أوف كاردز» (2013 – حتى الآن) لبو ويليمون اللذان يشهدان على تاريخ السياسة الأميركيّة الحديث، و«بلاك ميرور» (2011 – حتى الآن) لتشارلي بروكر و«ويست وورلد» (2016 – حتى الآن) لجوناثان نولان وليزا جوي اللذان يطرحان تساؤلات حول علاقة التكنولوجيا بالبشريّة، وغيرها.

بينما يتفرّد «توين بيكس» عن بقية المسلسلات بأنّه رثاءٌ لعالمنا الذي ينتج الخير والشر بنفس القيمة والشّكل والأهداف، بهذه الشجاعة النّادرة التي تتجاوز الإنتاجات الفنيّة الحديثة. بهذه الذروة، يختتم لينش وفروست عالمًا غير معقولٍ بحلم معقول، بالضبط كما تختتم كل حلقة بأغنية في بار «ذا رود هاوس» يغنّيها موسيقيّون عن ضياع الحب بلامبالاة بشريّة صرفة. فليس هناك أفضل من تشييع هذا العصر من التساؤل عمّا إذا «نحن في المستقبل، أم في الماضي؟».