رحلة الدراما الأمريكية من البث إلى «الستريمنج»

الأربعاء 03 نيسان 2019
صورة دانيال آكر، بلومبرغ.

كان هذا في بدايات 2007 تقريبًا. كنا حديثي العهد بالإنترنت فائق السرعة، إن أمكن تسمية الإنترنت ذي سرعة 256 كيلو بايت في الثانية بالإنترنت فائق السرعة، نلتهم إرث ما يزيد عن نصف قرن من السينما العالمية بمعدل عشرة أفلام في اليوم تقريبًا. كنا أشبه بعلي بابا في المغارة.

وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى يخبرنا عن «صنف» جديد اسمه «Prison Break». لم يتقبل أينا وقتها بسهولة فكرة تحميل ومشاهدة مسلسل تزيد حلقاته على العشرين حلقة، في حين يمكننا في الوقت ذاته مشاهدة عشرة أفلام، بالإضافة إلى أن كهنة السينما على الإنترنت كانوا يعاملون الإنتاج التليفزيوني بترفع وإباء جعل مجرد التفكير في الأمر معيبًا. لكن الوعد كان بجرعة إثارة مكثّفة لن ترغب في تفويتها. جرب أحدهم بتردد، وأخر بحذر، وثالث بحماس، وانتشرت بدعة الهروب من السجن بين الجميع، وقبل أن ندرك ما يحدث لطمَنا مسلسل «Lost» في وجوهنا لنقع في فخ أكبر خدعة عملية ترفيهية في حياتنا.

عرفنا مسلسلات «Heroes» و «House»، ثم جاء «Dexter» كتأكيد حاسم أن زمن صناعة المسلسلات الأمريكية الذهبي قد صار حقيقة واقعة، وبالتالي فعلى السادة المشاهدين ربط أحزمة الأمان، فالفترة التالية ستكون صاخبة بحق.

لا أعرف إن كان يجب عليّ أن أكون ممتنًا لوجودي في زمن الترفيه المجاني الذهبي هذا، أو أن أصير ناقمًا على الأيام التي ضيعتها متسمّرًا أمام شاشة اللابتوب أشاهد مواسم كاملة من المسلسلات. أيًا كان فعلينا الاعتراف بالنجاح الإعجازي لصنّاع هذه الأعمال، وقدرتهم على النهوض والتطور السريع المذهل في هذه الفترة الوجيزة.

مسألة فلوس

يرجع النجاح الفني والترفيهي المذهل هذا إلى أسس اقتصادية بالطبع، فنحن كما نعلم نعيش في عالم لا يتطور فيه الفن من تلقاء ذاته. تحدّث ما شئت عن أن الفن لا يقدّر بثمن، لكن في النهاية أحدهم يجب أن يدفع. لو لم تؤد هذه المسلسلات إلى زيادة أرصدة السادة ذوي الحلل الفاخرة وراء المكاتب بأصفار عدة، لم يكن أحدهم ليهتم بالبحث عن طرق جديدة لتطويرها.

يتحدث البعض عن صناعة التليفزيون وكأنها صناعة واحدة كبيرة، لكن صناعة التليفزيون، على الأقل في الولايات المتحدة، تنقسم إلى ثلاثة نماذج اقتصادية رئيسة: البث العام (Public Broadcast)، الكابل (Cable)، والشبكات الخاصة (Premium Networks). هكذا كان الحال لعقود شبه هادئة مستقرة، قبل أن يأتي النموذج الرابع في السنوات الأخيرة: منصات الستريمنج (Streaming) بعاصفة أقامت الدنيا ولم تقعدها إلى الآن.

الاختلاف في الطريقة التي تُحقق بها كل شبكة تليفزيونية الربح، له أثر كبير على الطريقة التي تكتب بها مسلسلاتها وتصنعها. يقدم لنا الصحفي والباحث ديريك تومبسون في كتابه «صناعة النجاحات الضاربة: علم الشهرة في عصر الإلهاء» محاولة لا بأس بها لفهم وتحليل هذا التأثير.

البث العام: الإعلانات أولًا

هذا النموذج هو الأقدم والأكثر انتشارًا، شبكات التليفزيون المفتوحة للجميع بدون أي تكاليف خاصة، مثل «NBC» و«CBS» و«ABC». وهنا مصدر الربح الأول وربما الوحيد هو الإعلانات التجارية، وبالتالي الهدف الأول للقائمين على هذه الشبكات هو حشد أكبر عدد من المشاهدين أمام الشاشة طوال الوقت، وبالذات أثناء عرض الإعلان. ربما يبدو هذا أمرًا بديهيًا ويجب أن يكون على قمة أولويات كل الشبكات، لكن سنعرف لاحقًا مع النماذج الأخرى أن الأمر يختلف.

الاختلاف في الطريقة التي تُحقق بها كل شبكة تليفزيونية الربح، له أثر كبير على الطريقة التي تكتب بها مسلسلاتها وتصنعها.

ليست المسلسلات الدرامية هي المنتجات الرابحة الوحيدة لهذه الشبكات، هناك برامج تليفزيون الواقع والبرامج الترفيهية والمسابقات، والبث الرياضي الذي تغطي عوائده تقريبًا نصف تكاليف صناعة التليفزيون. لكن تظل الدراما في قائمة أهم المنتجات وأكثرها نيلًا لاهتمام المشاهدين وأصحاب القنوات على السواء.

النظام المتعارف عليه لتقديم الدراما هنا، هو تقديم حلقة أسبوعيًا من المسلسل، طولها 30 دقيقة للمسلسلات الكوميدية (Sitcoms) يتخللها فاصل إعلاني، أو ساعة للمسلسلات الدرامية تتخللها أربعة فواصل إعلانية.

يراعي صنّاع أي مسلسل نموذج وطريقة العرض هذه أثناء كتابته من البداية، فمثلًا يتم تقسيم الحلقة إلى فصلين أو خمسة فصول تبعًا لنوع المسلسل، يحكي كل قسم جزءًا متماسكًا من الحكاية وينتهي بحدثٍ تشويقي (cliffhanger) صغير يثير توتر وفضول المشاهد ليبقى أمام الشاشة بدون أن يقلب القناة أثناء الفاصل الإعلاني، مثل أن تواجه البطلة زوجها بخيانته، أو أن يكون البطل واقعًا تحت تهديد سلاح غريمه. يتم حل المشكلة بعد الفاصل في كل مرة، لتنتهي الحلقة بحدث تشويقي أكبر وأكثر إثارة لن يُحلّ إلا في الحلقة التالية بعد أسبوع في حالة المسلسلات ذات القصة المتصلة، أو بنهاية النزاع الرئيسي، والقبض على القاتل مثلًا في حالة مسلسلات المحققين، أو علاج المرض في حالة المسلسلات الطبية، تلك المسلسلات ذات القصة المختلفة في كل حلقة.

هذه هي البنية الأقدم والأكثر رسوخًا في عالم التلفزيون العام، قدمت لنا مسلسلات على غرار «House M.D» و«Lost» و«Friends» وغيرها.

لكن هذه البنية أيضًا هي الأضيق من الناحية الإبداعية، ليبقى المسلسل على قيد الحياة ولا تقوم الشبكة بإلغائه عليه أن يحقق نسبة مشاهدات طبقًا لقاعدة 40-40-20، حيث تجري الشبكة استبيانًا على مستوى الولايات المتحدة حول شعبية المسلسل، إن جاءت 40% من الردود تفيد بأن المواطنين يعرفون بوجود هذا المسلسل على التلفاز، و40% من هؤلاء الـ40% يرغبون بمشاهدته، و20% من الـ40% الأخيرة شغوفون به، تعرف الشبكة أن المسلسل صار ناجحًا وتقوم بتجديده لموسم جديد. هذه القاعدة صارت 30-30-20 في السنوات الأخيرة بعدما صار عدد المسلسلات المعروضة سنويًا يقارب الخمسمئة، فلم يعد هناك من يحقق النسبة القديمة تقريبًا.

لكن قبل مشكلة بقاء المسلسل معروضًا على الشاشة هناك مشكلة أخرى، وهي وصول المسلسل للشاشة أصلًا، وهذه الخطوة هي الأصعب عادة. يبدأ الأمر بصناع المسلسل؛ منتج منفذ وكاتب أو أكثر وربما معهم عدد من الممثلين أو المخرجين، يتقدمون للشبكات بفكرتهم الجديدة، التي تتضمن عادة ملخصًا لأحداث موسم أو اثنين من المسلسل، وتحليلًا لأهم الشخصيات في المسلسل، وسيناريو حلقة أولى «Pilot». إن رأت الشبكة في الفكرة احتمالية للقبول، توفر ميزانية تكون في المتوسط خمسة ملايين دولار لإنتاج الحلقة التجريبية أو «البايلوت»، وبناء عليها تحكم الشبكة إذا كان المسلسل يستحق أن يتم إنتاجه أو لا.

المشكلة في هذه الطريقة أن المسلسلات الجيدة كلها تحتاج إلى فترة لبناء الشخصيات والعلاقات بينهم بشكل محكم على مدار الحلقات، بالتالي قيمة المسلسل الحقيقية نادرًا ما تظهر من الحلقة الأولى، وأغلب المشاريع تفشل بالفعل بعد إنتاج حلقة بايلوت لا تنال إعجاب الشبكة المنتجة، حتى أن تكلفة حلقات البايلوت الفاشلة على مدار العام تصل أحيانًا إلى 800 مليون دولار!

هذه الطريقة لاختيار وإنتاج المسلسلات الجديدة مقدسة لا مساس بها في صناعة التلفزيون الكلاسيكية، فالشبكة المنتجة لا تخاطر بميزانية المسلسل فقط، وإنما بما كان يمكن تقديمه في نفس نافذة الوقت المعروض فيها هذا المسلسل، إن لم يعجب المسلسل المشاهد وغير المحطة فهي خسارة أكبر من ميزانية الإنتاج بكثير. ثم أن هذه هي الطريقة المتاحة، خذها أو أرفضها، لن تجد من يقبل أن ينتج لك مسلسلًا بلا حلقة بايلوت.

أو هكذا كانوا يظنون.

شبكات الكابل: لا حاجة للجماهير العريضة

النموذج الاقتصادي لشبكات الكابل يقع في منتصف الطريق بين الشبكات العامة والخاصة، لتشاهد «AMC» أو «National Geographic» وغيرها من شبكات الكابل في أمريكا، لا تدفع اشتراكًا شهريًا لهذه الشبكات بعينها، وإنما تشترك في واحدة من الشركات الموفرة لخدمات الكابل مثل «AT&T» أو «Spectrum»، وستوفر لك الشركة حزمة من عشرات وربما مئات القنوات الخاصة مقابل اشتراك شهري. وبحسابات اقتصادية معقدة، تنال كل قناة من تلك القنوات نسبة من الاشتراك الذي تدفعه، حتى لو لم تشاهدها أبدًا. بالتالي، وجود الإعلانات على شبكات الكابل لا يزيد عن كونه مصدر دخل فرعي، المهمة الرئيسية لشبكات الكابل أن تظل موجودة في حزمة الشركات الموزعة، إن قرر هؤلاء إزالة الشبكة من قائمة قنواتهم فشبكتك قد انتهت.

لفهم كيف يؤثر هذا النموذج على المنتج الدرامي، لنأخذ «AMC» كمثال.

حتى العام 2005 كانت «AMC» قناةً تعرض أفلامًا كلاسيكية طوال الوقت، هي القناة التي قد تمر عليها صدفة بجهاز الريموت وتعبرها بدون أن تلقي لها بالًا. كانت مهددة أن تخرج من حزمة الكابل، وهو ما يعني نهايتها كشبكة تلفزيونية. في خطوة غير متوقعة أعلنت القناة أنها تنتج مسلسلًا بالتعاون مع كاتب السيناريو ماثيو وينر. لم تنتج «AMC» أي مسلسلات من قبل، وتعاونها مع ماثيو وينر بالذات أمر غريب، خاصة وأنه واحد من كٌتاب مسلسل «The Sopranos»، معجزة «HBO» الخالدة، فهذا النوع من الدراما لا يبدو مناسبًا لشبكة مثل «AMC»، لا نوع من الدراما أصلًا يبدو مناسبًا لها، لكنهم استمروا في مشروعهم.

المسلسل الذي صنعه ماثيو وعرضته «AMC» في 2007، كان دراما بطيئة الإيقاع حزينة ومظلمة قليلًا عن رجال الإعلانات في منتصف القرن السابق في أمريكا. عدد المشاهدين للموسم الأول كان في حدود المليون، وهو رقم كارثي بالمقاييس الأمريكية، كفيل بإلغاء أي مسلسل على شبكة عامة، لكن «Mad Men» حقق نجاحًا نقديًا مذهلًا، وحصد عددًا لا بأس به من الجوائز، وجددته «AMC» موسم وراء آخر لينتهي بعد سبعة مواسم، بعد أن صار واحدًا من أهم المسلسلات التلفزيونية.

لم تحتج «AMC» إلى جمهور واسع لتحقق النجاح، وإنما احتاجت لسمعة طيبة تؤمن مكانها في قوائم شبكات الكابل، ودراما رجال الإعلان البائسين قدمت لها هذه السمعة على طبق من ذهب، المصلحة الاقتصادية في هذا النموذج مضت يدًا بيد مع الإبداع الفني في مصادفة قلما تحدث.

نجاح «Mad Men» غير الجماهيري، في بدايته، شجّع «AMC» على الصبر على منتج «The X-Files» السابق فينس جيليجان، وتحمل بطء إيقاع مسلسله الجديد عن مدرس الكيمياء المريض الذي يتجه لتجارة المخدرات. لا أظن أني بحاجة للحديث عن حجم نجاح «Breaking Bad»، فقط تخيل لو أن هذا المسلسل كان يُعرض على شبكة بث عام ويعتمد نجاحه على عدد المشاهدين أمام الشاشة طوال الوقت، كيف كان سيصير شكله؟ وهل كان سيتجاوز موسمه الأول بأي حال من الأحوال؟

عدم احتياج شبكات الكابل لنجاح جماهيري سريع منحهم الأريحية لصناعة مسلسلات قد تتحدى الذائقة الجماهيرية الاعتيادية والشخصية التي يفرضها المعلنون على المحتوى، هكذا شاهدنا «Better Call Saul» و«Rick & Morty» و«The Americans» و«The Walking Dead» وغيرها.

ربما لا يختلف شكل السيناريو المعتاد هنا للحلقة عن البثّ العام، ولا طريقة التقديم لمشروع جديد بحلقة بايلوت، لكن شبكات الكابل على استعداد للتعامل بمرونة، غير موجودة في شبكات البث العام، مع كثير من أساسيات الصناعة في مقابل تقديم قصة جيدة.

الشبكات الخاصة: نادي النخبة

أرض اللا إعلانات. هنا مصدر دخل الشبكة بالكامل يكون بالإشتراك الشهري الذي يدفعه المشاهد. الشبكات الخاصة الكبرى مثل «HBO» و«Showtime» و«Starz» لا يهمها أن يشاهدها المشترك طالما يدفع الإشتراك الشهري في إخلاص.

هذا النموذج الاقتصادي خطر فعلًا رغم أنه الأكثر ربحًا، أنت معرّض في أي لحظة لأن يلغي أحدهم إشتراكه عندما يدرك أنه لا يشاهد القنوات بما فيه الكفاية، لذا أنت بحاجة إلى بيع ما هو أكثر من ساعات المشاهدة.

لنأخذ «HBO» كمثال، الشبكة الأكثر شهرة ونجاحًا في عالم الشبكات الخاصة الأمريكية. مسلسلات «HBO» الأولى منذ نهايات القرن الماضي، قبل انتعاش الصناعة التليفزيونية بزمن طويل «The Sopranos» و«The Wire» و«Rome» تتميز كلها بكتابة سيناريو روائية المستوى، وإخراجٍ وتصويرٍ بجودة سنيمائية راقية، ونجاح نقدي كبير، إلى هذه اللحظة ما زال كثير من هذه الأعمال أفضل من نظائرها المعاصرة في عصر الإنتاج التليفزيوني الذهبي.

ما كانت «HBO» تحاول عمله هو تقديم نفسها كماركة فنية فاخرة، هناك حيث يصنع الفنانون الحقيقيون أعمالهم بدون تسلّط من المعلنين أو رقابة تمنعهم من تناول مواضيع بعينها أو شكل ثابت عليهم الالتزام به، لا توجد بنية محددة على الكاتب الإلتزام بها لأغراض اقتصادية مثل وجود فواصل إعلانية تحتم عليه تقسيم الحلقة لأغراض غير ضرورية، كل القيود هنا هي المدة الزمنية للحلقة التي عليك الإلتزام بها، ما عدا ذلك فلك الحرية ككاتب أن تفعل ما تراه ضروريًا لتقديم عمل فني راقٍ مختلف عن الأعمال العادية على الشبكات العامة وشبكات الكابل. وتقدم هذا الفن حصريًا لمشتركي «HBO».

لذا كان من الطبيعي أن تصير الشبكة الوحيدة التي امتلكت شجاعة تبني أضخم إنتاج تليفزيوني في التاريخ: «Game of Thrones»، وكان من الطبيعي أيضًا أن يصير أكثر المسلسلات تعرضًا للقرصنة طوال سنوات عرضه، نظرًا لاقتصار الجمهور المقدم إليه بشكل قانوني على مشتركي «HBO» فقط.

عندما تدفع الاشتراك الشهري الباهظ فأنت تقدم لنفسك رشوة معنوية، وكأنك تنضم إلى نادٍ مخصص لعلّية القوم فقط، الانتماء إليه يجعلك تشعر وكأنك أفضل من الآخرين، حتى لو لم تستفد من مميزاته ستخبر من حولك بخيلاء طوال الوقت: «أنا عضو في النادي الفلاني» أو «أنا مشترك في «HBO»».

لعقود تربّعت الشبكات الخاصة على قمة النماذج الاقتصادية لصناعة التلفزيون، مقدمة أفضل محتوى ومتلقية أعلى عائد.

لكن هذا الحال لن يستمر للأبد.

حكاية منزل من ورق

في 2011، كان موردخاي ويزك وأسيف ساتشو، ممثلا شركة الإنتاج «MRC» يسعيان بين مكاتب الشبكات الكبرى مثل «HBO» و«Showtime» و«AMC» بعرض تقديمي لمشروع مسلسلهم الجديد، دراما سياسية مقتبسة عن المسلسل البريطاني القصير «House of Cards»، التقديم كان يتضمن كالعادة ملخصًا لأحداث الموسم الأول وسيناريو مكتوب لحلقة البايلوت. المشروع كان قد اجتذب اثنين من الأسماء الهوليودية الثقيلة الفائزة بالأوسكار: المخرج ديفيد فينشر، والممثل الذي لم تكن سمعته ملطخة وقتها، كيفين سبايسي. رغم أن العرض نال استحسان هذه الشبكات، إلا أن أيًا منها لم تخاطر بإنتاج حلقة البايلوت، لأن الدراما السياسية، برأيهم، لا تلقى عادة اهتمام المشاهدين.

عندما ذهب موردخاي وأسيف إلى شركة نِتفلِكس، كانا يرغبان في تأمين حقوق الستريمنج للمسلسل على الإنترنت بعد أن ينتهي عرضه على الشبكات التليفزيونية العادية، في محاولة لتحسين عرضهم التقديمي أمام هؤلاء.

نِتفلِكس (Netflix) هي شركة أمريكية ظهرت في نهايات القرن الماضي، تؤجّر نسخ الأفلام «DVD» عبر الإنترنت، وانتقلت من تأجير الإسطوانات إلى خدمة الستريمنج في 2007، حيث تبث عددًا كبيرًا من الأفلام في موقعها على الإنترنت مقابل اشتراك شهري ثابت لا يزيد مهما كان عدد ساعات مشاهداتك على موقعهم. دخل موردخاي وأسيف للاجتماع مع تيد ساندروز رئيس قسم المحتوى في نِتفلِكس أمليْن الحصول على حقوق الستريمنج لمسلسلهما، وخرجا منه بتمويل قدره مئة مليون دولار لإنتاج موسمين من «House of Cards» لعرضهما حصريًا على نِتفلِكس، بدون حتى إنتاج حلقة بايلوت.

مساحة إبداعية مختلفة

يحكي مؤلفو كتاب «الستريمنج، المشاركة، والسرقة: البيانات الضخمة ومستقبل الترفيه»: في مفتتح الحلقة الأولى، كتب بو ويلمون كاتب السيناريو الرئيسي، مشهدًا يقتل فيه البطل كلبًا مصابًا بخنقه. قال له الكثيرون أنك بهذا ستخسر نصف مشاهدي المسلسل في أول ثلاثين ثانية من العرض، لكنه أحب المشهد ومثله كان المخرج ديفيد فينشر، لم يكن هناك مشهد افتتاحي يقدم فرانسيس أندروود بطل المسلسل خير من قدرته على قتل كلب بيْتي أليف بيديه العاريتين.

مشهد كهذا لم يكن من الممكن أن يُعرض على أي شبكة تليفزيونية عامة، وربما خاصة أيضًا، لكن نِتفلِكس لم تقلق لحظة بشأن هذا المشهد أو غيره.

تجمع الشبكة كل ما يمكنها من بيانات عن سلوك المشاهد: متى يشاهد وأين يفعل؟ متى يتوقف ومتى يستكمل؟ متى يشاهد عدة حلقات متتالية ومتى يشاهد الحلقة على مدار أيام متباعدة؟ على أي جهاز يفضل المشاهدة؟ عمّ يبحث؟

عقد نِتفلِكس الذي تضمّن تمويل موسمين من 13 حلقة للموسم، جعل طاقم العمل يعمل بارتياح وبدون القلق من ضغوطات الشبكة التي قد تقطع التمويل في أي لحظة، لا وجود هنا لقيود الشبكات العادية في الكتابة، لديهم ما يكفي من الوقت لبناء الشخصيات والتمهيد للأحداث الكبرى بتمهل. بالإضافة إلى أن قرار نِتفلِكس غير المسبوق بطرح حلقات الموسم كاملة للعرض فور الانتهاء منها، لغى الحاجة لتقسيم الحلقات بشكل يجعل المشاهد يأخذ وقته في تذكر ما حدث في الأسبوع الماضي، حتى أن ويلمون اعتبر نفسه يعمل على كتابة فيلم من 13 ساعة.

الحرية الإبداعية التي وفرتها نِتفلِكس في هذا المسلسل وما تلاه من إنتاجات نِتفلِكس الأصلية، بدت وكأنها جنة المبدعين على الأرض، البيئة التي ستوفر كل عناصر الإبداع للمبدعين بلا قيود، المخلّص المنتظر للكتاب والمخرجين في كل بلاد العالم، والذي كانوا ينتظرونه ليساعدهم على إبداع ما لا تستطيع توفيره قدراتهم المحلية عليه.

توفر نِتفلِكس ومنافسوها -مثل «هولو» (Hulu) و«أمازون برايم» (Amazon Prime)- نموذجًا مختلفًا بشكل جذري، إلّا أن الأمور ليست بالمثالية التي تبدو عليه من الخارج.

إنه عصر المعلومات

يكمن الاختلاف الرئيس بين شبكات الستريمنج مثل نِتفلِكس والشبكات الخاصة في الفارق التكنولوجي أساسًا.

عندما جلس ساندروز مع موردخاي وأسيف كان قد درس كل ما يحتاج لدراسته. قاعدة بيانات نِتفلِكس التي كانت تستند على حوالي 25 مليون مشترك –وقتها– تقول أن هناك عددًا لا بأس به أستأجروا من قبل المسلسل البريطاني الأصلي، وهناك كثير من المشتركين يشاهدون أفلام كيفين سبيسي، وجمهور لديفيد فينشر، وتعاون الإثنين القديم كان ناجحًا كفاية. هناك جمهور إذن لهذا المسلسل من قبل تنفيذه، لا حاجة لحلقة بايلوت ولن يكون هناك حاجة إليها بعد الآن في زمن المعلومات الهائلة. لذا كان شراء موسمين مسبقًا من «House of Cards» بمئة مليون دولار قرارًا آمنًا. حتى لو كان الناتج مسلسلًا سيئًا، سيود الجمهور مشاهدة سبايسي وفينشر يخفقان. قبل عرض المسلسل قدمت نِتفلِكس عشرة مقاطع دعائية  (trailers) مختلفة للمسلسل، مصنوعة باحترافية لجذب أنواع المشاهدين المختلفين: المشاهد الذي تقول بياناته إنه يحب كيفين سبيسي يشاهد مقطعًا يبرز سبايسي، المشاهد الذي يشاهد فينشر يرى مقطعًا آخر يظهر لمسات فينشر الإخراجية المميزة.

حتى التجاوز عن مشهد قتل الكلب لم يكن من باب الثقة العمياء، مثلما قلنا بوسع المشاهد هنا أن يختار ما يشاهده في أي وقت، فإذا كان هناك من ينفر من هذا المشهد فهو على الأغلب لن يخرج من منصة العرض، وإنما سيشاهد غيره على نفس المنصة، على عكس العرض التليفزيوني الذي إن شاهد فيه المشاهد ما لا يعجبه سيغير القناة. بل والأهم هنا، وجود مشهد بهذه الفظاظة غير المعتادة، أعطى نِتفلِكس فرصة ذهبية لم يكن بوسع أي من النماذج الكلاسيكية للتلفاز أن تحلم بها: جمع معلومات عن سلوك المشاهد بشكل لحظي، وذلك عبر تسجيل سلوك كل مشاهد على حدة، من تجاوز المشهد المؤلم سريعًا ومن أغلق الحلقة ومن تابع كأن شيئًا لم يحدث وحتى ذلك الذي أعاد مشاهدته مرارًا.

تجمع الشبكة، مثلما تفعل معظم المنصات التكنولوجية حولنا، كل ما يمكنها من بيانات عن سلوك المشاهد: متى يشاهد وأين يفعل؟ متى يتوقف ومتى يستكمل؟ متى يشاهد عدة حلقات متتالية (Binge Watching) ومتى يشاهد الحلقة على مدار أيام متباعدة؟ هل يحب مشاهدة أفلام رعب أو وثائقيات تاريخية أم أنمي ياباني؟ على أي جهاز يفضل المشاهدة؟ الهاتف أم الكومبيوتر أم البلايستاشين؟ عمّ يبحث؟ تقريبًا لا أحد يعرف عنك أكثر من نِتفلِكس، إلا فيسبوك بالطبع. تستخدم كل هذه المعلومات في تخصيص أقرب نسخة من محتوى مكتباتها الهائلة لذوقك كمشاهد، وتستخدمها لاختيار ما ستشتري رخصة عرضه من الأعمال والمسلسلات القديمة والجديدة، والأهم من ذلك كله، تستخدمها لاختيار العمل الذي ستقدمه تاليًا.

هذا الكنز من البيانات الذي تملكه نِتفلِكس ويتم تحديثه لحظة بلحظة بسلوك 139 مليون مشترك، هو أغلى كنز في الكون من وجهة نظر أي حكاء. بالطبع تتصرف الشبكة تجاه مشاريعها الجديدة كما يتوقع ممن يمتلك هذا القدر من البيانات؛ تتحكم في كل صغيرة وكبيرة لضمان الوصول إلى أفضل منتج يلائم مستخدميها ويضمن قضاءهم لأطول فترة ممكنة يشاهدون المنتج الجديد.

هذا السلوك يجعل من المنصة ديكتاتورًا من العيار الثقيل. ربما هو ديكتاتور حكيم يعرف أكثر من الجميع، لكنه يظل ديكتاتورًا.

كان يفترض بهذا الجزء من المقال أن يكون عن خدمات الستريمنج التليفزيونية بشكل عام، ولكن كما لاحظتم تحدثنا عن نِتفلِكس بشكل حصري، وذلك للتفوق الهائل على كل منافسيها، حتى بات الحديث عن الآخرين رغم نجاحهم النسبي حديث هامشي.

لكن مثلما جاءت نِتفلِكس لتسحب البساط من تحت كل العمالقة القدام، هناك آخرون قادمون: بينما تُكتب هذه السطور أعلنت آبل عن تقديمها قريبًا لخدمة «Apple TV Plus» بدءًا من أيّار/مايو القادم، وهي خدمة ستريمنج خاصة بها وسيكون عليها محتوى فني مميز من إنتاج آبل نفسها. أما المنافس الأكثر خطورة فهو ديزني، جودزيلا الإنتاج الترفيهي في العالم، التي ستطرح خدمة الستريمنج الخاصة بها «Disney Plus» في الخريف القادم.

سيكون من الممتع مشاهدة المنافسة القادمة بلا شك.