«طفولة برلينية»: تدوين بصري شديد الخصوصية

الثلاثاء 19 تموز 2016
walter benjamin berlin childhood

بقلم أحمد ندا

في سبتمبر عام 1940، كان الفيلسوف والباحث الثقافي والناقد (افتح قوسًا واكتب ما شئت من الأوصاف) والتر بنيامين مُنهكًا، هاربًا من جنونٍ عصف بألمانيا خاصة وأوروبا عامة؛ جنون اسمه النازية التي تأكل الأخضر واليابس. وكان من قليلي الحظ، يهوديي الأصل، فرائس العصاب النازي وسعاره، ممن كان عليه أن يغادر أوروبا، فبدأ رحلة التيه من باريس إلى الشاطئ الفرنسي. ومن هناك كان يبتغي الانتقال إلى إسبانيا تمهيدًا لسفر/هرب كبير إلى الولايات المتحدة. لكن الضباط الإسبان على الحدود الفرنسية رفضوا السماح له بالعبور.

كان بنيامين يهرب منذ عقد تقريبًا، وبلغ منه الإنهاك حدًا ابتلع معه 25 قرصًا من المورفين ليُنهي معاناته المستمرة، ما بين رفض أكاديمي من «رفاق الأمس» في مدرسة فرانكفوت (أدورنو تحديدًا الذي يحمل ذنب موته)، ثم من الجنون النازي الآري الذي لاحق مَن هم على شاكلته. مات بنيامين عن ثمانية وأربعين عامًا، لنعثر على مخطوط كتابه «طفولة برلينية» مصادفة في مكتبة باريسية بعد موته بواحد وأربعين عامًا، تحديدا عام 1981.

كيف يمكن التعامل مع كتاب «طفولة برلينية»؟

ليس السؤال فاتحةً احتفائية بالسرد البنياميني، بقدر ما هو تساؤل يحمل توترًا خاصًا عن طبيعته وتلقيه. فهل يمكن اعتبار الكتاب نصًا شعريًا؟ أم أطروحة فلسفية يُقدم فيه رؤية شديدة الخصوصية لماركسيٍ ضالٍ عن مسار مدرسة فرانكفورت، مشغول بما هو ثقافي وجمالي في المقام الأول؟ أم سردية شخصية للمدينة؟ بصيغة ما، يمكن اعتبار نصوص «طفولة برلينية» كل ذلك ونقيضه، يهيمن عليها التدوين البصري، و«اسكتشات لغوية» متخصصة «على وجه التحديد في البطاقات البريدية النادرة»، كما يقول بنيامين نفسه في إحدى رسائله.

لا تبدو برلين طفولته هذه كالمدينة الصاخبة التي كانتها في مطلع القرن العشرين، ولا تنتمي صورها المكتوبة إلى المُتخيل العام عن مدينة في فورة حداثتها وعمرانها الاجتماعي والسياسي الهائل كما في الصور الفوتوغرافية، أو في السرديات التاريخية والأدبية المعلومة. ورغم تأكيده أنها ذكريات طفل برجوازي في متناول اليد، فإن مدينة بنيامين مدينة أشباح. إدراكه الأول للمكان خاليًا من زخارفه وزحامه أحاله إلى تكوينات لإطارات بصرية: النافذة ككادر لعالم زائل، والشوارع التي تصطف وراء أسماء عائلاتها، والسرير، «أكثر الأماكن انسحابًا وسكونًا»، والسوق الكبير المسقوف ببائعاته ثقيلات الحركة «كآلهة خصوبة». وبين الأماكن، تخف الحركة إلى أدنى حدودها لتتسع المدارك والمعطيات الجمالية لهذه التفاعلات معًا، فيما السكون يغلب الصوت، الصوت إما متخيل أو تنويعات على صمت: «في أثناء القراءة كنت أسد أذني. ألم يحدث، في يوم من الأيام، أن استمعت لحكاية بلا صوت؟»، يكتب بنيامين.

لا يمكن اعتبار استخدام هذه الكوادر الهامشية دون تحميلها «ببداهات» جمالية إلا توظيفًا للحنين بغرض تقويضه. في مقدمته القصيرة، يقول بنيامين «استدعيت عمدًا أكثر الصور إثارة للحنين في المنفى، إنها صور الطفولة. وكان ضروريًا ألا تتعدى هيمنة الإحساس بالحنين على الروح ذلك التأثير الذي يتمتع به التطعيم على جسد سليم»؛ هو حقنٌ إذن لهذا الحنين لتطوير مناعته ضده.

وبمجازات بصرية محسوبة، تتحول الذاكرة إلى تربة يضرب فيها بحذر، بجاروف اللغة التي تحسس مكانها في سرديته: «..بالطبع يكون مفيدًا إنجاز أعمال الحفر وفقًا لخطط. لكن ما لا غنى عنه أيضًا هو ضربة الجاروف المتحسسة الحذرة في التربة المظلمة، وسيخدع نفسه على أفضل نحو من يقوم فقط بجرد ما عثر عليه ولا يستطيع أن يحدد في تربة الحاضر المكان والموضع الذي حفظ فيه القديم».

وبحسب المترجم، فقد بدأت هذه النصوص بسلسلة حملت عنوان «وقائع برلينية»، شكلت الأساس لهذا الكتاب، لكنها تميزت بالإسهاب وتضمنت تعليقات وهوامش. ولما أدرك بنيامين في صيف 1932 أنه سيغادر قريبًا مسقط رأسه، وربما بلا رجعة، اتخذ العمل منحى آخر مال إلى الاقتضاب، واستمر في الاشتغال على النصوص وتنقيحها لخمس أعوام. هذا الاشتغال على اللغة محاولة لتخليصها من وجهة النظر الواضحة، وتحييدها إلى أقصى درجة ممكنة.

«..لأن القراءة والكتابة هما الشيئان اللذان كانا يخصانني، فليس ثمَّ شيء مما سكن داخلي في سنواتي الأولى يثير فيَّ حنينًا أكبر من صندوق القراءة. كان يضمُّ في داخله الحروف على هيئة أقراص صغيرة بخط الكتابة المائل، الذي بدا أكثر صِبًا ورقّة من الخط المطبوع، وقد رقدت الحروف برشاقة في موضعها المائل داخل الصندوق، كل واحد منها كان مكتملًا بذاته، وكانت مترابطة في ترتيب وفقًا لقواعد طائفتها التي تنتمي لها انتماء الراهبات لطائفة ما، هكذا كان تعامل يديَّ مع الحروف مفعمًا بنكران الذات. الحنين الذي يوقظه صندوق القراءة فيَّ كيف أنه كان متوحدًا لدرجة كبيرة مع طفولتي، ما كنتُ أبحث عنه فيه كان في الحقيقة هو الطفولة كلها».

المجاز هنا دالٌ وموحٍ للغاية، فالكاتب البعيد عن مدينته الأولى وهو يستعيدها عبر كلمات، يحاول تثبيت صورتها الحميمة عبر صندوق قراءة طفولته داخلها/داخله. تبدأ العلاقة باللغة بالشكل وتؤدي إلى المعنى والدلالة. كم من مرة وقعنا في فتنة كلمات لجمالها الشكلي، ثم تأتي معانيها باحثة عما يتوافق مع تكوينها التشكيلي، في لوحة فنية متعددة التأويل. وكما أن لمتعة مشاهدة اللوحة جزءًا طقسيًا متمثلًا في مكان عرضها، تحول صندوق القراءة عند بنيامين إلى مكان للذات، كأنه انعكاس للمدينة كلها؛ المدينة كصندوق مليء بالحروف المائلة الشقية التي يدوّن فيها «ما يخصه» تحديدًا.